زوج خاين

الساعة 2:43 الصبح يوم الخميس، تليفوني اهتز على الكومودينو.
​كنت فاكرة إنها تنبيه أمني من الشغل. بس بدال كدة، اسم طارق هو اللي نور على الشاشة.
​جوزي كان المفروض إنه في مأمورية شغل بتاعة تلات أيام في شرم الشيخ. قبل ما يسافر، باس دماغي ووعدني إنه هيجيبلي معاه هدية حلوة من الفندق.
​بس اللي بعتهولي كان صورة.
​طارق كان واقف تحت يافطة منورة بتاعة قاعة أفراح، لابس بدلة سودة مكسرة ومبتسم نفس الابتسامة المتبجحة اللي بيضحكها لما بيبقى فاكر إنه كسب خلاص.
​جنبه كانت جنة مراد، بنت عندها سبعة وعشرين سنة شغالين مع بعض في نفس الشركة. كانت لابسة فستان أبيض قصير وماسكة ورقة شكلها قبالة جواز، وطارق كان شاددها عليه.
​الرسالة بتاعته كانت بتقول:
​”أنا اتجوزت جنة. إحنا مع بعض بقالنا سنة تقريباً. هي فعلاً بتعرف تعيش حياتها وتحبها. أنا تعبت من التمثيل وإننا نعمل إن جوازنا شغال. بصراحة يا فريدة، إنتي مثيرة للشفقة.”
​قريتها تلات مرات.
​بعدها بصيت حواليا في أوضة النوم اللي أنا دافعة ثمنها، جوة الشقة اللي اتشرت بفلوس تحويشتي، في الوقت اللي الراجل اللي أنا ياما سددت ديونه كان بيحتفل بجوازه عليا وبيخونني مع واحدة تانية.
​على مدار ست سنين، أنا اللي كنت شايلة كل حاجة تقريباً.
​إيجار الشقة وأقساطها كان بيطلع من حسابي. أنا اللي كنت بدفع قسط عربية طارق، والتأمين الصحي، ومديونيات الكروت البنكية بتاعته، والمطاعم الغالية، والخروجات، وحتى البدال اللي كان بيلبسها عشان يبهر عملاءه.
​هو كان بيقبض مرتب كويس، بس الفلوس كانت بتطير أسرع ما بتيجي.
​كل ما كنت أسأله بتصرف الفلوس فين، كان يقول عليّ بحب أتحكم. وكل ما أشتغل لوقت متأخر، كان يتهمني إني مأثرة معاه ومثبتة في حقه. وكل ما أحاول أخطط لمستقبلنا، كان يقولي بلاش نكد وبلاش تاخدي كل حاجة بجدية زيادة عن اللزوم.
​طارق افتكر إن سكوتي ده ضعف.
​بس اللي نساه، إني شغال استشارية مخاطر مالية.
​أنا أكل عيشي قائم على إني أكشف الديون والمصاريف المستخبية، وأتتبع المعاملات المشبوهة، وأحمي الناس من الرجالة اللي فاكرين إن القوانين دي معمولاً لغيرهم بس.
​عشان كده أنا مكلمتوش.
​ولا عيطت في مكان يقدر يسمعني فيه.
​ولا طلبت منه تفسير كان هيملأه كدب وأعذار فارغة.
​سيفت الصورة، وعملت نسخة احتياطية من الرسالة، وبعت كل حاجة للمحامي بتاعي.
​بعدها راجعت أوراق الملكية، وغيرت أرقام الباسورد بتاعة أجهزة الأمان في البيت، وفصلت الحسابات المربوطة بيا قانونياً، ووثقت كل عملية سحب فلوس مشبوهة طارق عملها خلال السنة اللي فاتت.
​وبعد كل ده بس، رديت عليه.
​بكلمة واحدة.
​”تمام.”
​علشان طارق كان فاكر إنه كده أنهى جوازنا.
​بس في الحقيقة، هو كان لسه مسلمني بإيده الدليل اللي محتاجاه عشان أنهي العيشة اللي بناها بفلوسي.
​الجزء التاني:
​على الساعة تمانية الصبح يوم الخميس، طارق كان شاف الرد بتاعي.
​اتصل بيّا حدعشر مرة.
​وأنا طنشت كل المكالمات.
​على الساعة تسعة، المحامية بتاعتي، فريدة الألفي، وصلت ومعاها قهوة، ولابتوب، ونظرة واحدة ست لسه متسلمة س/لاح متعبّي وجاهز للضرب.
​قالتلي وهي بتبص في الصورة: “الرسالة بتاعته مفيدة جداً، بس الجوازة نفسها غالباً باطلة ومفيش ليها أي لزمة.. تعدد الزوجات من غير إعلام بيلغبط شهر العسل شوية.”
​كنت هبتسم تقريباً.
​قعدنا مع بعض وتتبعنا حركة التحويلات بتاعة سنة كاملة من حسابنا المشترك. حجز فنادق، مشتريات مجوهرات، تذاكر طيران للويك إند، وآلاف الجنيهات مدفوعة في كمبوند فخم في آخر الدنيا.
​طارق مكنش مجرد بيخون.
​ده كان بيبني لـ جنة حياة كاملة ثانية بفلوسي أنا.
​على الضهر، كانت المحامية فريدة قدمت طلبات مستعجلة للمحكمة عشان تمنعه من إنه يوصل للأصول والحسابات المشتركة. وأنا شيلت اسمه كـ “مستخدم مخول” من كل حساب ملكي قانونياً. وأوراق ملكية الشقة مفيهاش غير اسمي أنا بس—لأني كنت شرياها قبل الجواز، وعمرنا ما دخلنا اسمها في إعادة تمويل مشترك.
​الساعة ستة بالليل، المفتاح بتاع طارق مكنش شغال.
​كاميرا الانتركم والباب لقطته وهو بيتطوح على العتبة ومعاه شنطتين سفر، وجنة كانت واقفة وراه بنظارة شمس كبيرة أوي.
​زعق وهو بيخبط على الباب بكل قوته: “يا فريدة! افتحي!”
​رديت عليه من خلال السبيكر بتاع الكاميرا: “أنت مقتش عايش هنا خلاص.”
​وشه اتقلب: “أنتِ ميعجبكيش تعملي كده.. إحنا متجوزين!”
​جنة لفت ببطء وبصتله.
​طارق اتثمر مكانه.
​سبت السكوت يطول شوية قبل ما أقول: “أنت لسه قايلي إنك اتجوزتها.”
​رد عليا بغضب: “ده كان شكل صور صوري بس! حاجة كده كروتة في شرم، مكنتش حاجة رسمية ولا قانونية!”
​جنة قلعت النظارة الشمسية وقالتله: “أنت مش قولتلي إن الطلاق اتقفل وخلاص؟”
​طارق لف لها بسرعة: “يعتبر اتقفل خلاص تقريباً!”
​رديت أنا: “لأ.. ده حتى لسه متقدمش للمحكمة.”
​تعبيرات وش جنة اتغيرت—مش حسرة ولا كسرة قلب، دي كانت نظرة تحذير وحسابات.
​وفجأة، عربية سودة زيرو وقفت عند الرصيف.
​نزل منها راجل لابس بدلة رمادي وماسك في إيده ظرف كبير.
​سأل: “أستاذ طارق الشناوي؟”
​طارق اتعدل في وقفته، وفجأة ظهر عليه التوتر.
​الراجل سلمه الأوراق والمحضر ومشي.
​طارق فتح الظرف بسرعة، ووشه اتمسح منه الدم وبقى أبيض زي الفرخة.
​المحامية فريدة كانت اكتشفت إن في كذا عملية “استرداد مصاريف عملاء” دخلت حسابنا، طالعة هي هي نفس المبالغ المفقودة من الشركة اللي طارق شغال فيها.
​الموضوع مابقاش مجرد قضية طلاق خلاص..
​ده بقا تحقيق داخلي في قضية اختلاس ونصب.
​جنة قرأت الأوراق من فوق كتفه، وبعدين رجعت لورا وبعدت عنه.
​بس قبل ما توصل للشارع وتركب العربيات، بصت في الكاميرا بظبط وراحت قايلة أربع كلمات بشفايفها من غير صوت:
​”هو سرقك أنتِ كمان.”
​وبعدها طلعت فلاشة صغيرة من شنطتها.
الجزء التالت والأخير:
​جنة شاورالي بالفلاشة، وبعدت عن طارق اللي كان واقف في الشارع مش فاهم حاجة ووشه أصفر زي الليمونة.
​أنا نزلتفتحت الباب لجوزي السابق وسبته واقف على الباب مع المحامية بتاعتي، وخرجت برة الشارع أصل لجوزة طارق الجديدة.
​جنة كانت مستنياني جنب عربيتها. بصتلي وقالتلي بثبات: “أنا صحيح كنت فاكراه مطلقك وضحك عليا في دي، بس لما لقيت الفلوس بتجري في إيده بالهبل وأسلوبه اتغير، شكيت فيه.. الفلاشة دي عليها صور لكل الإيصالات والأوراق اللي هربها من الشركة، والدفاتر اللي كان بيزوّرها باسمك وباسم شركات وهمية عشان يغسل فيها الفلوس.”
​أنا أخدت الفلاشة منها، وبعت النسخ فوراً للمحامية ولإدارة الشركة اللي شغالة فيها.
​في ظرف ساعتين، البوليس كان وصل تحت البيت بناءً على بلاغ رسمي من إدارة شركته بتهمة الاختلاس والتزوير.
​طارق حاول يصرخ ويتحايل عليا وهو بيتكلبش: “يا فريدة ارجوعي لعقلك! إحنا بينا ست سنين عشيرة! هتهدي بيتنا عشان غلطة؟”
​رديت عليه بكل هدوء وبصيت في عينه: “أنت اللي هديت كل حاجة لما افتكرت إنك أذكى من القانون.. وأذكى مني.”
​أقسام الشرطة والنيابة مكنتش فارحة بيه. اتحفظوا على كل أملاكه، وحساباته اتقفلت رسمياً، والقضية دخلت جنايات وتزوير وإضرار عمدي بالمال العام.
​أما الشقة، والعربية، والحسابات اللي حيلته، أخدتها كلها بحكم محكمة وتعويض عن الأضرار والسرقات اللي ثبتت عليه.
​طارق دلوقتي بيقضي عقوبة السجن، وخرج من المولد بلا حمص ولا طايل ديون ولا فارق معاه حد.
​وأنا رجعت لحياتي الطبيعية، أهدى وأقوى وأنجح من الأول بكتير.. وعرفت إن ساعات الرسالة اللي بتفتكرها هتهدك، بتكون هي البداية اللي بتبني بيها حقك من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *