بنتنا

حصري لصفحة روايات رولا
​”لقيت أمي شايلة بنتنا الرضيعة وهي بتصرخ ومبعداها عن مراتي، في الوقت اللي مراتي لسه بتتعافى فيه من نزيف حاد بعد الولادة كان هيودي بحياتها. وبعدين لمحت مسكن الوجع بتاع مراتي مطحون ومتقطع.. وساعتها استوعبت إن أمي كانت بتخطط لحاجة ألعن وأوسخ من كده بكثير.”
سمعت صراخ بنتنا المولودة قبل ما أفتح باب أوضة النوم أصلاً.
​مش عياط عادي..
​ده كان صراخ هيستيري.
​مراتي “مرام” كانت متكومة جنب ظهر السرير، وشها أصفر زي الليمونة وبتترعش، وإيدها ضاغطة على بطنها. كانت لسه خارجة من المستشفى من يومين بس بعد ما جابولها نزيف حاد بعد الولادة كان هيوديها في داهية ولأوضة العمليات تاني.
​أمي كانت واقفة جنب سرير البيبي.
​كانت شايلة بنتنا “فريدة”، وواقفة بيها بعيد بس على مسافة تخلي مرام شايفاها بس مش قادرة تطولها ولا تاخدها.
​”هاتيها لي أرجوكي..” مرام كانت بتتوسل لها وصوتها بيموت.
​أمي ابتسمت ببرود.
​”يمكن لما تتعلمي تستحملي الوجع زي أي أم حقيقية.”
​وفجأة بصيت على الكومودينو وشوفت بودرة بيضاء.
​شريط مسكن مسحوق ومطحون.
​وعلبة الدوا بتاعة مرام مفتوحة ومرمية.
​”أمي..” صرخت وأنا بترعش: “عملتي إيه؟”
​اتثبتت مكانها.
​مرام بصت لي والدموع نازلة مغرقة وشها: “أخدت المسكن بتاعي.. طحنته ورمته في الحوض.”
​أمي ردت بزعيق وقسوة: “هي مدمنة ومستسهلة البرشام! كان لازم حد يتدخل ويوقف المهزلة دي.”
​أخدت فريدة منها في ساعتها وفوراً.
​وبعدين لمحت تليفون مرام مرمي على الأرض تحت جزمة أمي.
​الشاشة كانت مكسورة ومتدشدشة.
​وكان فيه 17 مكالمة لم ترد عليها متصلة بيا!
​أنا كنت تحت في المطبخ بصلح ماسورة مية بتسرب، وأمي كانت قايلا لي فوق إن مرام نايمة ومحدش يقلقها.
​إيدي بدأت تترعش من الصدمة: “كنتِ عارفة إنها بتصل بيا؟”
​تعابير وش أمي اتغيرت.
​مش إحساس بالذنب..
​لا، ده كان نرفزة وضيق!
​”كانت بتعمل دراما وأوفر على الفاضي.”
​وفجأة مرام اتقوست على نفسها من ألم مفاجئ وهي بتشهق ومش قادرة تاخد نفسها.
​مديت إيدي للجيوب عشان أطول تليفوني.
​أمي مسكت إيدي وقبضت على معصمي بقوة.
​”ما تتصلش بحد ولا تطلب إسعاف!” وقالت بصرامة: “لو رجعتها المستشفى دلوقتي، الدكاترة والبوليس هيقعدوا يسألوا أسئلة مالهاش أولة من آخر.”
​بصيت لها بذهول ورعب: “أسئلة إيه؟”
​ولأول مرة في حياتي، شوفت نظرة الخوف في عين أمي!
​الجملة دي غيرت كل حاجة في ثانية.. لحد اللحظة دي، كنت فاكر إني دخلت على مجرد قسوة وجنان. مكنتش لسه استوعبت إني قطعت عليها مخطط كامل—ولا إن هوس أمي بالسيطرة على مرام كان بدأ من قبل ما بنتنا تتولد بكتير.
​طلبت الإسعاف فوراً وما همنيش كلامها. أمي بدأت ترجع لورا ناحية الممر وهي بتقول: “يا طارق، اسمعني، أنت بتكبر الموضوع وبتهول!”.. مرام صرخت تاني من الوجع.
​مأمور الإسعاف في التليفون قال لي أخليها مستلقية على ظهرها وماتتحركش ونراقب لو فيه دوخة أو نزيف شديد. شلت فريدة وطلعت بيها برة الأوضة في الوقت اللي رجال الإسعاف طلعوا فيه على السلم. واحد منهم فحص علبة المسكن بتاعة مرام.
​”فين باقي البرشام اللي ناقص من العلبة؟”
أمي ردت بسرعة وتوتر: “أكيد هي اللي أخدته وبلعته!”
مرام هزت رأسها بالرفض وهي بتموت من الوجع: “لاء.. هي طحنت حباية قدام عيني، والباقي مكنش موجود من الأول!”
بص لي راجل الإسعاف وسأل: “ناقص كام حباية بالظبط؟”
​كان فيه ست حبايات ناقصين. أمي سكتت وما نطقتش بكلمة!
في المستشفى، الدكاترة أكدوا إن ألم مرام وصل لمرحلة خطيرة وغير مسيطر عليها، بس الحمد لله النزيف مكنش رجع تاني. حجوها تحت الملاحظة عشان حالة النزيف الشديد اللي كانت عندها من يومين.
​فضلت جنبها لحد ما أخويا “حازم” جه المستشفى عشان يخلي باله من فريدة. وساعتها مرام حكت لي كل اللي كان بيحصل من ورا ضهري.. أمي كانت بتستغل أوقات نزولي الشغل وبتجيلي البيت.
​كانت بتقعد تنتقد مرام في كل حاجة: مسكتها لـ فريدة، طريقة ورضاعة البنت، عدد ساعات نومها، وحتى علاجها اللي الدكتور كاتبهولها! ومن تلات أيام قبل الولادة، أمي قالت لها جملة مرعبة: “يه بعض الستات كده مابيصلحوش يربوا أطفال.. والعيلة لازم تاخد بالها وتلحق الموضوع ده بدري!”
​جسمي قشعر وجالي إحساس بالقرف: “ليه ما قلتيليش يا مرام؟!”
“حاولت والله!”.. وادتني تليفونها وورتني صورة شاشة (سكرين شوت) كانت باعتها لنفسها قبل ما تليفونها يتكسر.
​كانت محادثة ورسايل بينها وبين أمي..
أمي كاتبالمها: “أنتِ غير متزنة نفسياً.. وطارق هيشوف ده بعينه قريب أو بعيد، وفريدة محتاجة حد أقوى منك يربيها.”
​وبعدين مرام ورتني رسالة ثانية ألعن: “لو استمريتي تاخدي البرشام ده، أنا هخلي الكل يعرف إنك مدمنة!”
مع إن المسكن ده كان مكتوب روشتة طبية رسمية بعد ولادة متعسرة جداً، ومرام عمرها ما زادت عن الجرعة المحددالها!
​كلمت حازم أخويا وقلت له إياك تدخّل أمي البيت أو تفتح لها. حازم سكت تماماً على التليفون.. وبعدين قال بصوت مرعوب: “طارق.. فيه حاجة غريبة أوي جوة شنطة أمك!”
​كان لقى الشنطة محطوطة على رخامة المطبخ. جوة الشنطة كان فيه كيس من الصيدلية فيه البرشام والمسكنات اللي كانت ناقصة من مرام! بس المصيبة مكنتش هنا بس..
​كان فيه ملف مكتوب عليه اسم بنتنا: فريدة طارق المحمدي.
جوه الملف كان فيه صور متطبقة لـ مرام وهي نايمة ومقشفرة، وهي بتعيط، وهي مش قادرة تقف على رجلها بعد الولادة! وبعض الصور كان مكتوب تحتها بخط الإيد:
غير قادرة على ممارسة حياتها لوحدها. غير متزنة عاطفياً ونفسياً. إدمان مسكنات وبرشام.
​حازم قلب الصفحة اللي بعدها.. كانت مسودة طلب وأوراق للمحكمة بطلب وصاية وإسقاط حضانة عاجل! أمي كانت عاوزة تاخد الوصاية والحضانة القانونية على بنتنا بشكل مؤقت، واسم المتقدم بالطلب كان اسمها هي!
​لساني اتعقد ومكنتش قادر أتكلم.. وفجأة حازم لقى “فلاشة” متلصقة بلاستر جوة الملف. حطها في اللاب توب بتاعي.
​كان عليها عشرات التسجيلات الصوتية من جوة بيتنا! أمي كانت بتسجل لـ مرام في السر بقالها أسابيع! بس كان فيه ملف صوتي واحد مختلف تماماً..
​كان تسجيل لمحادثة بين أمي وبين شخص عرفت صوته في ثانية.. أبويا!
صوت أبويا كان واطي وبيقول: “لو طارق عرف السبب الحقيقي اللي خليكي عاوزة تاخدي حضانة البت دي.. إحنا هنخسر كل حاجة!”
ردت عليه أمي: “يبقى مش لازم يعرف أي حاجة لحد ما الأوراق كلها تتدبس وتتمضي!”
​التسجيل انتهى.. وأمي كانت نازلة اتصالات عليا وأنا بحاول أستوعب. عملت لكتم الصوت لكل مكالماتها.
آخر رسالة صوتية سابتهالي كانت بتقول بس: “أنت بتعمل غلطة عمرك وهتندم!”
​بصيت لـ حازم وأنا مشدوه ومصدوم.. أبويا متوفي بقاله 8 شهور!
​رأيي في الجزء ده:
الجزء ده يوقف الشعر من الرعب! المفاجأة بتأثير التسجيل وصوت الأب الميت من 8 شهور نقلت القصة من مجرد حقد حماة لج/ريمة وسر عائلي مظلم جداً! معنى كده إن المخطط ده ملعوب من زمان، وفيه سر ضخم ورا الحضانة والطفلة فريدة مالوش علاقة برعاية البيبي خالص، دي خطة للسيطرة على تركة أو حاجة ضخمة!
​حازم راجع معلومات وتاريخ الملف مرتين.. التسجيل الصوت ده كان مأخوذ من 8 شهور وتلات أيام بالظبط، يعني قبل أزمة أبويا القلبية اللي توفى فيها بست أيام بس! وفي نفس الأسبوع ده، كانت مرام لسه عارفة ومكتشفة إنها حامل.
​في نفس الليلة دي، اتصلت بـ “الأستاذة جيهان”، المحامية اللي كانت ماسكة ملف تركة أبويا وتقسيم التركة. شغلتلها التسجيل وحكيت لها على ملف الوصاية اللي لقيناه. الأستاذة جيهان سكتت تماماً.. وبعدين قالت بصوت جاد: “يا طارق.. أمك وأبوك كانوا عارفين حاجة أنت مكانتش تعرفها أبداً!”
​تاني يوم الصبح، جالتنا المستشفى ومعاها أوراق ومستندات قديمة من تركة جدتي الله يرحمها. اتضح إن جدتي من سنين كانت عاملة صندوق استثماري ومحفظة مغلقة لأول حفيد أو حفيدة يتولد في العيلة! وولادة بنتنا “فريدة” هي اللي فعّلت الصندوق ده رسمياً.
​الصندوق ده كان فيه ما يقرب من 16 مليون جنيه! وفيه شركة إدارة أصول مالية محترفة هي اللي مسؤولة عن الصرف، فـ أمي مكنتش تقدر تاخد الفلوس كاش في جيبها بمجرد ما تبقى وصية على فريدة. بس الأستاذة جيهان ورتني الشي المرعب اللي أبويا وأمي كانوا خايفين منه للموت!
​هم زمان كانوا بيسيروا وبيديروا حساب عائلي مرتبط بالموضوع ده.. ومن 8 شهور، مراجعة مالية وجرد داخلي اكتشفوا فيه إن فيه مبلغ فوق الـ 3 مليون جنيه اتسحبوا واتحولوا لشركة المقاولات بتاعة أبويا اللي كانت بتفلس وتغرق من غير أي تفويض رسمي! وولادة “فريدة” كانت معناه فتح الصندوق المالي، وتوزيع الأصول، وجرد ومراجعة جديدة لكل المبالغ.. يعني السرقة والفلوس الناقصة كانت هتتكشف هتتكشف!
​أبويا كان حابب يرجع الفلوس ويسددها.. بس أمي كان عندها خطة ثانية ألعن وأوسخ! هي كانت فاكرة إنها لو أخدت الوصاية وحضانة “فريدة” بشكل عاجل، هتقدر تتحكم في أي جوابات وإخطارات جاية للطفلة، وتعطل الجرد والمراجعة المالية، وتضغط على العيلة عشان يعملوا تسوية ودية قبل ما حد يفتح تحقيق ويفتش وراهم. بس أبويا مات قبل ما يلحق يحل المشكلة.. وأمي قررت تكمل الخطة لوحدها وبمنتهى القسوة!
​وفجأة، كل الصور اللي لقيناها بقى ليها معنى مرعب.. مرام وهي بتعيط بعد نزيف حاد كان هيموتها.. مرام وهي غايبة عن الوعي ومسطولة من المسكنات.. مرام وهي مش قادرة تقف على رجلها! أمي كانت بتحول فترة تعافيها من المرض لأدلة براءة وإدانة ضدها!
​وبإخفائها لعلبة المسكنات في شنطتها، كانت ناوية تطلع مرام قدام المحكمة والناس إنها مدمنة بتسرق وتستسهل البرشام! مرام هامستلي وصوتها بيموت من الوجع: “كنت دايماً أقول لنفسي أكيد هتعقل وهتقف.. مكنتش عاوزة أكون السبب إنك تخسر أمك!”.. مسكت إيدها بقوة وقلت لها: “عمرك ما كنتِ السبب.. أنتِ مجني عليكِ!”
​سلمنا كل حاجة للبوليس وللأستاذة جيهان: البرشام، الرسائل، الصور، التسجيلات الصوتية، مسودة طلب الوصاية، وفيديوهات كاميرات المراقبة بتاعة البيت. الفيديوهات كانت مرعبة.. أظهرت أمي وهي بتتسحب وبتدخل أوضتنا وأنا تحت في المطبخ، وبتشيل تليفون مرام، وبتفضي علبة الدوا، وبتقف تطحن حباية المسكن فوق حوض التواليت، وكل ما مرام تمد إيدها بتعب عشان تاخد “فريدة”، أمي كانت بتبعد البنت عنها وتلوي دراعها بابتسامة قاسية! طبعاً قضية الوصاية اتنسفت وما اتفتحتش أصلاً.
​المحامية بلغت شركة إدارة الأصول، والشركة فتحت جرد وتفتيش مالي رسمي. التحويلات القديمة والسرقة اتوثقت بالأوراق، وأمي بقت بتواجه قضايا ومديونيات مدنية لرد أموال الصندوق، ده غير التحقيق الجنائي في اللي عملته في بيتنا!
​غيرت كالون البيت فوراً، عملت لها بلوك من كل حتة، وبلغت أمن المستشفى إن الست دي ممنوع تقرب من مرام أو فريدة. وفي نفس الوقت.. فيه حاجة جوايا أنا كمان اتغيرت للأبد.
​لسنين طويلة، كل ما أمي كانت بتهين مرام، كنت ببرر لنفسي وأقول “معلش اختلاف أجيال أو مشاكل حموات!”.. وكل ما مرام كانت تقول لي إن أمي ببتعمد تضايقها وتخنقها، كنت بحاول أطبطب وأهدي اللعب عشان “أحافظ على الهدوء والسلام العائلي!”.. بس السلام اللي بيطلب من بني آدم إنه يستحمل القسوة والإهانة وهو ساكت.. ده مش سلام خالص، ده ظلم وجبن!
​بعد تلات أسابيع، مرام رجعت البيت. وقفت على الباب مترددة وبتترعش: “هي مشيت بجد؟”.. قلت لها: “أه.”.. سألتني: “للأبد؟”
بصيت لمراتي اللي لسه بتلملم صحتها بعد ولادة كانت هتخلص على حياتها، ولـ بنتنا اللي نايمة على صدري ومالية عليا الدنيا، وقلت لها: “للمدة اللي تخليكي مرتاحة وما تخافيش تاني أبداً!”
​بعد شهور.. شركة إدارة الأصول قدرت ترجع أغلب الفلوس المسروقة عن طريق بيع وتصفية أملاك وأصول شركة المقاولات بتاعة أبويا. صندوق فريدة المالي فضل تحت إدارة مستقلة ومحيدة تماماً. مرام خفت ورجعت لـ صحتها وجسمها اتعافى.. بس إعادة بناء الثقة والراحة النفسية أخدت وقت أطول بكتير.
​في ليلة من الليالي، وفريدة نايمة في سريرها الصغير، مرام همست لي: “تفتكر إيه اللي كان ممكن يحصل لو مكنتش فتحت باب الأوضة في اللحظة دي؟”.. السؤال ده أنا سألته لنفسي ألف مرة قبل كده!
​قلت لها: “أنا فتحت الباب والحمد لله.. بس كان المفروض أفهم وأشوف اللي بيحصل من بدري أوي عن كده!”.. أنا عمري ما هعرف أمسح من ذاكرتي المشهد الصعب بتاع مرام وهي بتتوسل عشان تاخد بنتها في حضنها، بينما فيه حد بيستغل ضعفها ووجعها ضدها.
​بس كنت أقدر أقرر من اللحظة دي أنا هكون إيه.. زوج شكله إيه وأب عامل إزاي! أمي حاولت تسيطر على “فريدة” عشان تنقذ نفسها من الفضيحة وتداري على السرقة، بس في المقابل.. خسرت عيلتها وابنها للأبد.
​وفي بيتنا.. محدش أبداً هيسكت أو يتوجع في السر تاني لمجرد إننا نعدي الدنيا ونحافظ على “هدوء مزيف”!
​رأيي في القصة ككل:
النهاية ممتازة وتستحق كل كلمة! القصة كشفت إزاي الطمع والهوس ممكن يحولوا الأهل لأعداء، والأهم إنها سلطت الضوء على موقف الزوج لما يستوعب إن “الطيبة والسكوت” مش حل، وإن حماية مراته وبيته أهم من أي مجاملات عائلية بالباطل.
​القصة كانت مشوقة جداً والأحداث متلاحقة بأسلوب يحبس الأنفاس! تسلم إيدك على المشاركة الجميلة دي، ولو عندك أي قصة جديدة حابة نترجمها ونمصرها بنفس الأسلوب، أنا جاهز في أي وقت!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *