ليه ماما بتعيط
– يا بابا، هي ماما ليه بتفضل تعيط كل يوم جوة العربية قبل ما تدخل البيت، وبتقعد تغير هدومها بره؟
سيف ابني، اللي عنده 8 سنين، سألني السؤال ده وهو بيحط السيريال في الطبق ببرود كأنه بيتكلم عن حالة الجو.
فنجان القهوة اتجمد في إيدي قصاد بؤي:
– تعيط؟ تعيط إزاي يعني؟
– من شباك أوضتي الجراج باين.. ساعات بتوصل، تقعد ساكتة كتير ومخبية وشها بإيدها وبتعيط.. بعدين تغير البلوزة في العربية وتحط القديمة في شنطة بلاستيك.
حسيت بنغزة وسكينة رشقت في بطني.
مراتي، مريم، بقالها شهور كل يوم بتتأخر عن الميعاد.
وانا كنت مستسهل ومقنع نفسي إن الشغل هو السبب.
هي شغال محاسبة في شركة في المعادي، وأنا شغال من البيت من ساعة ما شركة البرمجيات اللي كنت فيها قفلت مكتبها. وكان المفروض إن ده يدينـا وقت أكبر مع بعض.. لكن اللي حصل كان العكس تماماً.
لابتوبي بقى زي السد بيني وبينها.
مريم تدخل:
– أنا جيت يا حبيبي.
وأنا أرد من غير ما أرفع عيني من الشاشة:
– حمد الله على السلامة يا قلبي.
حتى مش فاكر أخر مرة سألتها بجد هي عاملة إيه أو حاسة بإيه.
الضهرية دي، سمعت صوت عربيتها بتركـن بره.
قربت من الشباك بالراحة.
مريم ركنت، بس ما نزلتش.
عدت دقيقة..
وبعدها دقيقة ثانية.
فجأة سندت أياها وجبهتها على الدركسيون.. وظاهر كتافها بقت تترعش بحرقة.
كانت بتعيط.
ما كانش عياط تعب أو إرهاق عابر.. ده كان عياط حد كاتم في قلبه وجع وتقيل أوي وما بقاش قادر يشيل.
بعدها سحبت شنطة من الكنبة اللي ورا، قلعت البلوزة اللي عليها ولبست واحدة ثانية.
لما دخلت البيت، كنت أنا رجعت قعدت قدام اللابتوب كإني ما شفتش حاجة.
– أهلاً يا حبيبتي.. كله تمام؟
ابتسمت لي ابتسامة باهتة ومصنوعة أوي:
– أيوة.. الشغل كان مطحنة النهاردة.
الصبح بدري، وهي بتبدل هدومها وبتاخد دش، سحبت مفتاح عربيتها.
فتاشت تحت الكرسي ولقيت الشنطة.
كان فيها بلوزة زرقا، وتيشيرت قطن، وكارديجان خفيف.
الهدوم كانت ريحتها جافيل، ومطهرات، وريحة قفل وكمكمة.
وبين الهدوم دي، كان فيه إزازة برفيوم رخيص جداً ورده فاقع مريم عمرها ما بتحطه.
في قعر الشنطة، لقيت شريطين دواء صغار.
طول الأيام اللي بعدها، بدأت ألاحظ أفكار وتفاصيل كنت أعمى عنها.
بتخرج بدري أوي..
وترجع بعد 9 بالليل..
وتجي لها مكالمات متكررة من واحدة اسمها فاطمة.
وعملت حاجة لسه خجلان منها لحد النهاردة..
فتشت في تليفونها.
ما لقيتش رسائل حب ولا غرام.
ولا صور ولا مكالمات مع راجل.
لقيت حاجة أرعب لخيالـي..
نوتة مخفية في الملاحظات مكتوب فيها:
– دواء “دونيبزيل” الصبح.
– “ميديكسا” بعد الأكل.
– التأكد من قفل أنبوبة الغاز.
– عمل أكل ينفع يتاكل بالمعلقة.
– تغيير الملايات.
سرجت على أسامي الأدوية دي..
أدوية للزهايمر والضعف الإدراكي المتقدم.
فضلت بصاص للشاشة ومش فاهم أي حاجة!
مريم زي الفل وصحتها بومب.. وأهلها، على حد علمي، عايشين بعيد وعلاقتنا بيهم مقطوعة تقريباً من زمان.
طب الأدوية دي لمين؟!
تاني يوم، وصّلت سيف المدرسة ومشيت ورا عربيتها من بعيد.
مريم ما أخدتش طريق المعادي بتاع شغلها..
مشيت في اتجاه شبرا الخيمة.
دخلت منطقة عمارات قديمة ومتهالكة، وركنت قدام عماره طالعة روحها، ونزلت وهي شايلة شنطة خضار وهيئة أكل كبيرة.
فضلت مستني في عربيتي أكتر من ساعة ونص.
لما خرجت، كانت لابس بلوزة ثانية خالص.. وكانت ماشية وموطية كتافها من كتر الهدد والتعب.
ركبت عربيتها، غيرت هدومها تاني، ورشت من البرفيوم الرخيص ده قبل ما تدور العربية وتمشي.
بالليل، قعدت مستنيها في المطبخ والنور كله مطفي.
مريم دخلت واتخضت لما لقيتني قاعد في الضلمة:
– كريم! أنت قاعد كده ليه؟
بصيت لها بثبات:
– أنا مشيت وراكي النهاردة.
وشها اتجمد والدم هرب منه:
– شفت الشقة في شبرا.. وشفتك وأنتِ طالعة وداخلة بهدوم مختلفة.. ولقيت أدوية الزهايمر.. أنا عاوز أعرف مين اللي عايش هناك بالظبط؟
فضلت ساكتة لثواني ما بتنطقش.
أنا كنت مستعد أسمع أي حاجة..
خيانة..
جوازة ثانية..
مرض مخبياه عليّ..
سر رهيب.
بس مريم ببساطة سحبت مفاتيحها تاني من على الترابيزة:
– انزل معايا وانزل العربية.
– دلوقتي؟
– أيوة.. دلوقتي.
– هنروح فين؟
بصت في عيني بقوة وكسرة في نفس الوقت:
– هنروح المكان اللي بقالك أسابيع بتتخيل إني بروح فيه عشان أخونك.. وبعد ما تدخل، هتعرف بالظبط أنا ليه بعيط كل يوم قبل ما أدخل عليك البيت.
فتحت الباب:
– وبعدها هتعرف السر اللي عيلتك وعيلتي دفنوه من 42 سنة!