خلاص
ولما رجعت تتكلم، نبرة صوتها كانت اتغيرت تماماً.
”أستاذة نعمة… إحنا لسه لاقيين حاجة ثانية حالا.”
بطني اتعصرت من القلق: “حاجة إيه؟”
”إقرار البيع مش هو الورقة الوحيدة اللي عليها توقيع باسمك.”
أمي اتجمدت مكانها وما تحركتش.
دورت وشي بالراحة وبصيت لها: “هي مَضت على إيه تاني؟”
شيرين اترددت ثانية.
وبعدها قالت جملة من خمس كلمات شقلبت كل حاجة:
”الموضوع يخص ورث طنط سامية.”
هل تحب نكشف المستور ونعرف باقي الملعوبة اللي أمك عملتها في ورث طنط سامية وباقي أملاك العيلة؟
الجزء الثالث والأخير
الصالون المترب في نادي الصيد اتقلب فجأة لكابوس دافي.
”ورث طنط سامية؟” مسكت التليفون بإيد بترتع من الصدمة. “قصدك إيه يا دكتورة شيرين؟”
صوت شيرين جه حاسم: “فيه توكيل عام شامل ببيع وإدارة كل ممتلكات المرحومة سامية، معطى لمدام إيفون، ومطابق لتوقيعك أنتِ بصفتك الوصي. التوكيل ده اتعمل من سنتين… واستُخدم في سحب الرصيد المغلق في البنك الأهلي، وبيع أرض العجمي.”
الكلمات نزلت عليا زي المية الساقعة.
أرض العجمي.. الأرض اللي طنط سامية كانت شايلاها عشان مصاريف علاجها وعلاج عيال العيلة لو حد جرى له حاجة. البنك الأهلي.. الحساب اللي كان مفروض مقفول لحد ما أتم ثلاثين سنة.
بصيت لأمي. كانت ساندة على ظهر الكرسي، وشها أبيض زي ورقة الرسم، وإيدها بتفرك في الشنطة التمساح بتوتر مجنون.
نورهان صرخت بصوت واطي: “ماما! أرض العجمي؟ أنتِ مش قلتي لنا إن طنط سامية باعتها قبل ما تموت عشان تسدد ديونها؟”
كريم قرب من أمي خطوة، وعينيه مفنجرة: “يعني فلوس شوارع الشروق اللي اديتهالي عشان أبدا الشركة… دي كانت فلوس أرض العجمي؟ فلوس نعمة؟”
أمي حاولت تجمع شتات نفسها، رفعت رأسها بصلافة مزيفة: “أنا أمكم! أنا اللي ربيت وكبرت! سامية كانت هضيع الفلوس دي على جمعيات خيرية وناس ما يستاهلوش! أنا أخدت الفلوس عشان أأمن مستقبلكم! إحنا عيلة واحدة!”
”عيلة؟” أنا قمت وقفت. الصوت الهادي اللي كان فييا اتمسح تماماً. “أنتِ زورتي إمضتي وأنا في الشغل؟ أنتِ سرقتي حق الست اللي شالتك وأنتِ مديونة؟ ده مش تأمين مستقبل يا ماما… دي سرقة وتزوير في أوراق رسمية!”
التليفون على السبيكر لسه شغال، وصوت شيرين جه واضح: “أستاذة نعمة، أنا مطرة أبلغ النيابة العامة وشرطة الأموال العامة فوراً بالحالة دي، لأن التسجيل العقاري ثبت فيه التزوير بشكل صريح، وأنا كجهة توثيق لو سكت هبقى متسترة.”
”استني يا دكتورة,” أنا قلتها وأنا عيني في عين أمي. “سجلي عندك الإقرار ده. أنا بصفتي المالك الشرعي والوصي الوحيد على تركة سامية… بألغي أي إجراءات بيع، وبطالب برفع قضية تزوير واسترداد أموال ضد إيفون Harper.”
أمي صرخت: “أنتِ هتتسجني أمك يا نعمة؟! عشان شوية حيطان وفلوس؟”
”أنتِ اللي اخترتي السجن لما مديتي إيدك على حق مش حقك، وافتكرتي إن محدش هيحاسبك عشان إحنا ‘عيلة’.”
كريم مسك تليفونه وطلب نمرة: “أنا بكلم المحامي بتاعنا حالا.”
نورهان قعدت على الكرسي وبدأت تعيط باللغلوغ، استوعبت إن الفلوس اللي كانت بتاخدها كل شهر تحت مسمى “مصروف العيلة” كانت فلوس حرام ومتزورة من حق أختها.
جمعت حاجتي من على الطرابيزة، أخدت مفاتيح العربيات والشنطة. بصيت لأمي للمرة الأخيرة وهي بتنهج من الخوف، والتليفون في إيدها عمال يرن بصوت السمسارة نادين اللي مستنية تحول العربون.
”المعاينة بتاعت بكرة ملغية يا ماما,” قلت لها وأنا بلف وشي وبمشي. “وبدال المعاينة… استمني استدعاء النيابة.”
خرجت من باب النادي والصمت الرهيب بتاع أواخر سبتمبر لفني. لأول مرة من ثلاث سنين، حسيت إن روح طنط سامية مرتاحة… وإن الحق، مهما استخبى ورا صور حلوة وإعلانات مزيفة، لازم يرجع لأصحابه.