خلاص
”أمال مين اللي ماضي على عقد التوكيل والبيع للسمسار؟”
سكتوا.
السكوت ده كان أول إشارة إني فاهمة إن الموضوع مش مجرد عشم زيادة.. ده فيه مصيبة.
فيه حد زور أو مَضى على حاجة.
أمي رفعت كاسها تاني، بس لمحت إيدها اترعشت سنة قبل ما تشرب.
”أنتِ كبرتي الموضوع.”
تليفوني اتهز على الطرابيزة.
بصيت عليه.
رقم غريب.. خط أرضي.
كنت هطنش.
بس فصل، ورن تاني في ساعتها.
أمي اتضايقت: “ممكن تقفلي البتاع ده وإحنا بناكل؟”
رديت: “ألو؟”
صوت ست رد: “مساء الخير، الأستاذة نعمة؟”
”أيوه، أنا.”
”أنا دكتورة شيرين من شركة الشراكة للخدمات العقارية والتسجيل. آسفة إني بكلمك في وقت متأخر كده، بس إحنا بنراجع أوراق الشاليه اللي في منطقة ساحل قارون.”
كل عضلة في جسمي اتجمدت.
قصادي، أمي كاس العصير ثبت في الهواء قبل ما يوصل لبؤها.
نورهان بصت لها.
كريم بص لي.
فتحت الميكروفون (السباكر).
”أيوه”، قلت ببرود، “عارفة الشاليه.”
سكتت ثانية.
وبعدين الدكتورة شيرين كملت بحرص: “وصلتنا أوراق وتوكيلات بتفيد إن المدام إيفون ليها حق التصرف وبيع العقار.”
وش أمي جاب ألوان.. واصفر.
ما شلتش عيني من عليها.
”ما لهاش أي حق.”
سكتت تاني.
”علشان كده أنا بكلمك.”
الصالة الخاصة كلها بقت ساكتة كأننا في مدافن.
شيرين كملت: “المراجعة المبدئية للشهر العقاري والعقود الموثقة بتبين إن الشاليه اتنقل ملكيته من ثلاث سنين لوصية صريحة وعقد حيازة لا يجوز إلغاؤه باسمك، بناءً على إعلام وراثة ومستندات المرحومة سامية.”
نورهان هسست: “ماما.. أنتِ ماضية على إيه؟”
أمي ما نطقتش.
شيرين ما خلصتش كلامها: “بما إنك المالك الوحيد والشرعي بناءً على الورق المسجل، المدام إيفون ما لهاش أي صفة قانونية لعرض أو بيع أو رهين المكان.”
أمي قامت وقفت مرة واحدة لدرجة الكرسي اتدحرج وراها وصوته عمل زعيق في الأرضية.
”ده كلام فارغ وجنان!”
شيرين سمعتها: “هي مدام إيفون قدامك؟”
بصيت لأمي في عينها مباشرة: “أيوه، قاعدة معايا.”
محدش قرب ناحية الحلو.
محدش كان بيتثوب حتى.
شيرين أخدت نفس: “يبقى لازم الكل يستوعب اللي هقوله ده كويس جداً. الأوراق والتوكيلات اللي اتسملت لنا عشان نثبت ملكية مدام إيفون للبيع، فيها توقيعات وإقرارات بتتضارب تماماً مع العقود المسجلة في الشهر العقاري.”
وش أمي اتمسح منه الدم.
كريم نزّل تليفونه على الطرابيزة بالراحة خالص.
نورهان هيست برعب: “ماما.. أنتِ بجد ماضية على إيه؟”
أمي مش عارفة تنطق.
شيرين ضربت ضربتها الأخيرة: “لو الأوراق دي اتعملت أو اتزورت بمعرفة حد عشان يسهل عملية بيع ملكية خاصة مقفولة بالقانون، الموضوع ده كده طلع بره إنه مجرد مشكلة عقارات أو ورق ناقص.”
افتكرت جملة طنط سامية وهي بتترن في دماغي تاني: ما بتسكتيش إلا لما تكون فيه مصيبة هتقع على دماغ حد.
أمي كانت مبلمة للتليفون.
”أنتِ قصيدك إيه بالظبط؟”
شيرين ردت كلمة واحدة، ولأول مرة في الليلة دي، شفت الخوف الحقيقي في عين أمي.
”يا مدام إيفون.. أنا بقول لك إننا كده قدام قضية تزوير ونصب عقاري رسمية.”
لحد ثلاث ثواني كاملة، محدش على الطرابيزة كان قادر ينطق بكلمة.
بعدها أمي ضحكت.
ضحكة كانت حادة زيادة عن اللزوم، وموتره جداً.
”تزوير؟ ده كلام فارغ وأوهام! أكيد فيه لخبطة أو سوء فهم حصل.”
صوت شيرين فضل هادي ومستقر عبر الميكروفون: “التوقيع اللي واخد صلاحية البيع اتوثق في الشهر العقاري من اثنا عشر يوم بالظبط. إحنا حالياً بنتأكد مين اللي مَضى التوقيع ده وبأي صفة قانونية.”
بصيت لأمي.
من اثنا عشر يوم.
أنا كنت في شغل في أسوان من اثنا عشر يوم.
وش نورهان اتغير تماماً أول ما استوعبت نفس الحسبة.
”ماما…” نورهان هسست برعب، “أنتِ استعملتي توقيع مين؟”
أمي مسكت شنطتها بسرعة: “الموضوع ده انتهى، والكلام فيه مقفول.”
بس كريم وقف فجأة وسد عليها الطريق: “لا يا ماما.. مش مقفول.”
أمي برقت له بذهول.
دي كانت أول مرة في حياته أخويا ما يدافعش عنها.
شيرين كملت كلامها: “يا أستاذة نعمة، أنا بنصح بشدة إن محدش يتواصل مع المشترين أو يحاول يغير أي ورق لحد ما المراجعة بتاعتنا تخلص خالص.”
فجأة، صوت حد تاني اتكلم ورا شيرين في التليفون.