خلاص
“خلاص، حجزت ثلاث معاينات!”، أمي قالتها وهي رافعة تليفونها في الهواء زي ما تكون لسه مستلمة جائزة أوسكار.
أختي ابتسمت.
وأخويا باركلها.
وأنا قعدت متسمرة مكان في طرابيزة العشاء في النادي الصيد، مبلمة في إعلان “عقارات مصر” اللي على شاشة تليفونها.
عشان البيت اللي كانوا بيحتفلوا إنه هيتباع… كان بيتي أنا.
مش بيت أمي.
ولا بيت إخواتي.
بيتي أنا.
وما كانش حد فيهم فاهم إن قبل ما ينزل أكل التخبيص والتحلية، مكالمة واحدة من شركة التسجيل والعقود كانت كفيلة تقلب الصفقة اللقطة بتاعتهم دي لقضية محتاجة كفالة عشان يخرجوا من السجن.
الجزء الأول
أول مرة استوعبت إن أمي بتحاول تبيع شاليهايا اللي على بحيرة قارون في الفيوم، كانت قاعدة وشي لوش في القاعة الخاصة بفيلا نادي الصيد، وبتشرح لأختي إاي الصور بتاعت غروب الشمس مخلية الشاليه يسوى له على الأقل نص مليون جنيه زيارة فوق سعره.
كنت ماسكة الشوكة والنص الطريق لبؤي.
ولكم ثانية كده، افتكرت نفسي فهمت غلط.
يمكن بيتكلموا عن شاليه تاني؟
يمكن أمي بتساعد حد من صاحباتها تبيع بيتها؟
يمكن فيه أي تفسير منطقي يخلي صور المكان اللي على تليفونها ما تكونش المكان اللي أنا عارفاه؟
بس راحت سالت للثانية.
المدفأة الرخام بتاعتي.
سحبة كمان.
المرسى الخشب بتاعي.
سحبة كمان.
بيت المركب اللي لسه مجدداه.
نزلت الشوكة بالراحة خالص على الطبق.
المكان كان ريحته سمك سلمون مشوي، وريحة خشب ملمع، وورد بلدي فريش من اللي النادي ببيغيره كل يوم خميس الصبح. ومن ورا القزاز الطويل، شمس أواخر سبتمبر كانت رمية لون دهبي هادي على ملاعب الجولف بره.
وجوه، أمي، إيفون، قاعدة بتقلب في صور ملكي بمنتهى البرود وكأنها بتفرجهم على صور رحلة مصيف.
بس الموضوع ما كانش مجرد شاليه.
قبل ما يبقى ملكي، كان ملك طنط سامية، أخت جدي.
الست اللي قضيت معاها كل إجازة صيف في طفولتي، وهي بتعلمني إن فيه حاجات في الدنيا أقيم بكثير من الفلوس.
الست اللي كتبت لي الشاليه ده بالذات باسمي من ثلاث سنين قبل ما تتوفى.
”المصور عامل شغل عالي قوي في الصورة دي”، أختي نورهان قالتها وهي بتاخد التليفون من أمي وبتكبر صورة التراس الخارجي.
”بصي على المية، المنظر يجنن!”
أخويا كريم مال على الطرابيزة عشان يشوف.
”هي دي الصورة اللي تجيب زبون!”
أمي ابتسمت بانتصار: “بالظبط، ده نفس كلام السمسار.”
برقت لها: “سمسار مين؟”
حدش رد عليا.
أمي أخدت التليفون عادي وكملت تقليب.
المطبخ.. مطبخي أنا.
نفس المكان اللي طنط سامية علمتني فيه إزاي أعمل بان كيك بالموز وأنا عندي تسع سنين، ولسه فاكرة لما كنت بقف على بنك خشب صغير عشان أطول الرخامة.
وده الأوضة اللي فوق اللي سقفها مائل.
الأوضة اللي كنت ببات فيها وأنا ببتفرج على المطر فوق المية في الشتا.
وهناك الطرقة الضيقة اللي طنط سامية رفضت تكسرها وتجددها عشان كانت بتقول “البيوت القديمة لازم تفضل بريحتها وكركبتها الحلوة.”
كل صورة كانت كأن حد فتح ألبوم صور عيلتي الخاص وبيتفرج عليه من غير إذن.
نورهان ما لاحظت وشي أصلاً: “طالباها بكام؟”
أمي ردت على طول من غير ما ترمش: “ثمانية مليون وثمنمية ألف.”
قالتها وهي رافعة رأسها.
كأنها عملت إنجاز.
كأنها طلبت عينها في مفاوضات بيزنس ثقيلة بدال ما تكون بتعرض ملك غيرها للبيع في الخباثة.
حواجب نورهان اترقبت: “بتتكلمي بجد؟”
”أسعار المنطقة هناك طارت”، أمي قالتها بثقة، “ويمكن تجيب أكثر لو دخلوا في مزاد.”
كريم كان شغال تكتكة على تليفونه: “إيه العنوان بالظبط في الفيوم؟”