اليوم اللي اخت جوزي

​مي شاورت على وشي بغل:
— شوفوا! دلوقتي الكل بقى في صفها عشان كانت بتغني! لو كنتم عرفتم من زمان كنتم عملتم لها فرش أحمر بالمرة!
— لا، —قلتلها بهدوء—. دي مشكلتك أنتِ.. فاكرة إن قيمة البني آدم بتتقاس بمين بياخد شو واهتمام أكتر.
— أنتِ ما تتكلميش عن القيمة! أنتِ حتى ما كملتيش تعليمك!
​حاجة جوايا اتظبطت ورجعت لمكانها.. ما بقاش عندي أي خجل ولا خوف:
— صاحب مطعم الفول والطعمية اللي بتعشقيه بدأ شغل وهو عنده 14 سنة، النجار اللي عملك أوضتك اتعلم الصنعة من أبوه، أمك نفسها سابت دراستها عشان تطمن وتربي يوسف لما اتولد.. دول كمان أقل منك عشان شهادتك؟
​مي فتحت بقها وما عرفتش تنطق بكلمة.
— التعليم قيمة كبيرة، —كملت كلامي—. بس إنك تستخدمي حتة ورقة عشان تهيني غيرك وتتقالي عليه، ده ما بيخليكيش متعلمة.. ده بيخليكِ قاسية ومريضة.
​عمو حسين ضرب بإيده بالراحة على الترابيزة:
— خلاص.. الموضوع انتهى.
​مي بصت له وهي مش مصدقة:
— بابا…
— لا! المرة دي مش هقول “هي كده ودي طبيعتها”. دينا كانت هتمشي وتسيب البيت ده بسبب جبننا وسكوتنا.
​في اللحظة دي، كريم قلع دبلة الخطوبة اللي مي كانت أصرت يشتروها سوا، وحطها على الترابيزة قدام الكل:
— وأنا كمان فهمت وعرفت كل حاجة خلاص.
​مي قربت منه وهي بتتوسل:
— كريم.. بلاش تعمل تصرف عبيط وتضيّع اللي بيننا!
— مافيش جواز.. ولا في بيننا حاجة.
​مي صرخت صرخة مكتومة، بس عمو حسين رفع إيده بحسم:
— وأنتِ كمان مش هتقعدي في البيت ده عايشة كأن مفيش حاجة حصلت.
​وش مي اتغير وأصفر:
— قصدك إيه؟
حمايا بص لها بنظرة حادة وقاسية عمره ما بصها لها قبل كده:
— مهلتك لحد يوم الأحد.. وتكوني فضيتي أوضتك وسبتي البيت.
​الجزء الأخير
​وقف العريس وهو مسهم، وبص للكل وقال بثبات: “عن إذنكم، أنا كده أديت أمانة ربنا ووضحت الموقف”، ومشي وساب الدبلة على الترابيزة.
​مي كانت واثقة إن أبوها بيضغط عليها مجرد ضغط وقتي وهيهدى، بس عمو حسين المرة دي كان حاسم. يوم الأحد الصبح، استدعى يوسف وطلب منه يساعد أخته تنقل حاجتها لبيت جدتها القديم اللي في الهرم، وقالها بوضوح: “اللي ما يحترمش البيت اللي عايش فيه وما يراعيش حرمة الناس اللي جواه، ما يستاهلش يقعد فيه.”
​في الأول، مي حاولت تعمل حرب نفسية وتلم حاجتها وهي بتعيط وبتمثل الضحية، ومتوقعة إن طنط ماجدة هتضعف وتتحايل على عمو حسين، بس طنط ماجدة المرة دي وقفت جنب حمايا، وقالتلها: “إحنا دلعناكي لحد ما عملنا منك بني آدمة بتدمر فرحة غيرها، وكفاية لحد كده.”
​بعد ما مي مشيت، جو البيت في التجمع اتغير تماماً. يوسف جالي واعتذرلي بدموع في عينيه على كل لحظة سكت فيها أو طلب مني أعدي عشان “ما نكبرش الموضوع”. حسيت إن كابوس تقيل واتزاح عن صدورنا كلنا.
​أما أنا، فالموقف ده اداني دفعة غريبة؛ قررت أرجع أستثمر في نفسي، مش عشان أثبت حاجة لمي ولا للناس، بس عشان نفسي. قدمت على كورسات إدارة أعمال وتطوير مهارات، وبدأت أعمل مشروع خاص بيا أونلاين لتنسيق الحفلات والمناسبات، والحمد لله وبفضل الله المشروع نجح ويكبر يوم عن يوم.
​وبعد سنة كاملة، مي اتعلمت الدرس الصعب بعد ما عاشت لوحدها واعتمدت على نفسها، ورجعت البيت وهي بني آدمة جديدة، اعتذرتلي قدام الكل بصوت مكسور، ومن يومها وعلاقتنا بقت مبنية على الحدود والاحترام.
​عرفت ساعتها إن القيمة الحقيقية للبني آدم مش في الشهادة اللي متعلقة على الحيطة، ولا في المظاهر الفاضية.. القيمة الحقيقية في معدنك، وأخلاقك، وإزاي بتعامل الناس في وقت قوتك.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *