امي لغت عيد ميلاد بنتي

الفصل الثالث: تنفيذ البرتوكول
​الموجة الأولى من الهجوم بدأت قبل ما الشمس تطلع في سماء لوس أنجلوس.
​منبه تليفوني رن بنغمته الهادية المتصاعدة الساعة 5:05 الصبح. اتعدلت في السرير، سكت الموبايل، وبصيت على مركز الإشعارات على الشاشة.
​14 مكالمة فائتة.
6 رسائل نصية من أمي.
11 رسالة مرعوبة من شيرين.
ورسانة واحدة يتيمة من أبويا، كاتب فيها: “كلمي أمك فوراً.. الموضوع بقى زاد عن حده وبقى بياخس.”
​ما فتحتش ولا محادثة منهم. مشيت للمطبخ، والأرضية الخشب كانت باردة تحت رجلي الحافية، وبدأت أطحن حبوب القهوة.
​بعد بضع دقائق، دخلت ندى المطبخ وهي بتتسحب، لافة نفسها في بنطلون الترينج الرصاصي الواسع، ومقربة پاسبورها الكحلي لصدرها وكأنه درع بتحمي بيه نفسها.
​”أنتِ ما كنتيش بتهزري،” قالت وصوتها مبشوح من النوم.
​رديت وأنا حاطة وشي في القهوة ببرود: “أنا عمري ما بهزر في الحاجات دي.”
​”يعني… إحنا مسافرين إسكندرية؟”
​”لأ.”
​”شرم الشيخ؟”
​”لأ.”
​”دهب؟”
​”لأ.”
​ضيقت عينيها وهي بتتسند على رخامة المطبخ: “انتِ مستفزة جداً على فكرة، عارفة؟”
​”اتعودي على المفاجآت،” رديت ببرود وأنا بصب المية المغلية على القهوة المطحونة.
​الرد ده كسبني نص ابتسامة حقيقية منها. ده في حد ذاته كان تقدم ممتاز.
​الساعة 5:32 الصبح بالدقيقة، التليفون اتهز على الرخامة. أمي بتتصل تاني. أخدت بق ببطء وتركيز من القهوة السادة، وبعدين سحبت الشاشة عشان أرد.
​”هالة!” صوتها كان زي وتر مشدود على آخره من الغضب المكتوم.
​”صباح الخير يا أمي.”
​”انتِ عملتي إيه بالظبط في الحساب؟”
​لا “صباح الخير”.. ولا “صبيحة مباركة يا هالة”.. ولا حتى “ازي ندى؟”.. ولا اعتذار مزيف. دخلت في المفيد والفلوس على طول.
​”أنا بس بصب القهوة يا أمي.. محتاجة توضحي أكتر تقصدي إيه؟”
​”بلاش أسلوب المهندسين والتفاهة ده معايا! حساب الحفلة! جيت أدفع عربون محل الورد المتميز الكارت اترفض!”
​”اه.. تمام. أنا عملت مراجعة أمان وسحبت كل الصلاحيات غير المصرح بيها.”
​”انتِ جمّدتي الحساب كله يا هالة!”
​”أنا وقفت كل المعاملات اللي طالعة عشان أمنع النزيف المالي اللي بيحصل بدون إذن.”
​فجأة، صوت شيرين الحاد ظهر في الخلفية. طبعاً.. عاملة غرفة عمليات مع أمي وقاعدين مع بعض.
​”حطينى على السبيكر،” أمرت أمي.
​أمي نفذت. صوت الصفير بتاع السبيكر ملا المطبخ عندي. وشيرين بدأت هجومها فوراً.
​”انتِ بتعاقبي مريم بقصد لمجرد إن ندى عملت شو شوية وعيطت!” شيرين زأرت.
​”لأ،” رديت ببرود وتماسك.
​”انتِ جمدتي ميزانية حفلتها كلها!”
​”أنا أَمّنْت حِسابي البنكي الشخصي.”
​”إحنا اتفقنا خلاص مع موردين كبار يا هالة! ووقعنا عقود!”
​”حلو أوي.. بالفلوس بتاعة مين يا شيرين؟”
​الخط بقى ساكت سكتة مرعبة. السكوت اللي بيسبق الانفجار والبنك. أخدت بق تاني من القهوة، وأنا بستمتع بالسخونة.
​”أنا سألت سؤال.. بفلوس مين؟”
​أمي دخلت في النص عشان تنقذ الموقف: “إحنا أكيد كنا هنقعد ونحسب كل حاجة بالورقة والقلم بعد الحفلة يا هالة.”
​”بجد؟ شيرين حولت كام كاش في الحساب لحد النهاردة عشان تغطي التحديثات دي كلها؟”
​”الموضوع مش موضوع أرقام وفلوس دلوقتي!” شيرين زعقت، وصوتها علي أكتر.
​”بالعكس، الموضوع كله أرقام وفلوس. كام يا شيرين؟”
​”يا الله عليكي يا هالة! مستفزة! ولا جنيه، تمام؟! ولا جنيه! أنا وحسام علينا مصاريف والتزامات قد كده الفترة دي!”
​”وأنا معنديش التزامات؟”
​”انتِ بتدخلي قريب من 150 ألف في الشهر!”
​”وبعدين؟ انتِ عارفة أنا بدخل كام بالظبط، زي ما أنا عارفة إنك بتدخلي 70 ألف غير شغل حسام في الاستشارات. انتوا مش غلابة يا شيرين.. انتوا بس بتفضلوا تصرفوا من جيبي بدل جيبكم!”
​أمي أدركت الخطأ التكتيكي اللي شيرين وقعت فيه، فغيرت النبرة فوراً للنبرة الهادية، الحنونة، المظلومة: “هالة يا حبيبتي، ارجوكي. محدش كان بيتأمر عشان يزعل ندى.”
​”انتوا مسحتوا اسمها من على يافطة القاعة يا أمي!”
​”إحنا كنا شايفين إنها لما تدخل وتشوف الحفلة طالعة إزاي لمريم—وللعيلة كلها—هتفهم وتفرح.”
​مسكت طرف الرخامة جامد، وعقل صوابعي أبيضت: “يا أمي، دعوات ندى المطبوعة اتبعتت في البوسطة من أسبوعين!”
​”كنا بنفكر في طريقة نشرح لها التغيير ده بالراحه.”
​”إمتى؟”
​سكتوا تاني.. سكوت يطربق. بصيت على ساعة الميكروويف: 5:44 الصبح.
​”عايزة إجابة محددة وبالترتيب الزمني،” قلت بصوت واطي ومخيف. “إمتى بالظبط كنتم ناويين تقعدوا مع بنتي اللي عندها 16 سنة وتقولولها إن الحفلة اللي بقالها شهور بتخطط لها بقت مش بتاعتها؟”
​أمي اتنهدت بتعب ومماطلة: “انتِ بتهولي الموضوع أوي يا هالة، ده مجرد تعديل إداري بسيط!”
​”ديني تاريخ وساعة يا ماجدة!”
​”مش عارفة يا هالة! الجمعة بالليل؟ السبت الصبح وهما بيعملوا شعرهم والميك أب؟”
​”يعني كنتم هتسيبوها تروح القاعة يوم السبت وتتفاجئ باسم مريم متعلق على الباب؟!”
​شيرين نطت في الكلام تاني عشان تحاول تكسب أي بنط: “ما هي كانت لسه في قائمة المعازيم! كانت مدعوة برضه!”
​نزلت ماج القهوة على الرخامة. الصوت رن بقوة في المطبخ.
​”مدعوة لحفلة عيد ميلادها هي؟!”
​”شفتي؟!” شيرين صرخت لأمي. “شفتي النبرة دي؟! أهو ده السبب اللي يخلي محدش في العيلة دي يعرف يتكلم معاها بالمنطق أبداً!”
​بصيت لندى. كانت واقفة عند الثلاجة، عاملة نفسها بتتفرج على الماجنتس، بس كتافها كانت مرفوعة لفوق ومشدودة من القلق.
​وطيت صوتي تماماً، وشلت منه أي حرارة أو انفعال لحد ما بقى زي الجليد: “المكالمة دي انتهت.”
​”هالة اسمعيني،” أمي أمرتني والبنك باين في صوتها. “انتِ مش ممكن تمشي وتسيبيني غرقانين في عقود بـ 180 ألف جنيه مع الموردين!”
​”أنا ما سبتكوش غرقانين.”
​”تقصدي إيه يعني؟!”
​”تقصد إنني مسؤولة قانونياً ومالياً بس عن الحاجات اللي أنا أذنت بيها بنفسي. بالتوفيق مع محل الورد.”
​دوست على الزرار الأحمر، ونهيت المكالمة.
​بعد تلات ساعات، وأنا واقفة تحت السقف الزجاجي العالي في صالة سفر مطار القاهرة، ندى أخيراً عرفت وجهتنا.
​كنا واقفين جنب بوابة السفر. هي كانت ماسكة سندوتش ساندوتش فطير محشي ملفوف في فويل، وبتبص بفراغ لشاشة المغادرة الكبيرة. عينيها كانت بتتحرك على أسماء المدن.. أثينا.. مدريد.. لحد ما وقفت عند رقم رحلتنا.
​باريس – مطار شارل ديغول.
​برقت في الحروف المنورة. وبعدين لفت راسها ببطء شديد وبصتلي. وبعدين رجعت بصت للشاشة تاني.
​”لأ..”
​ابتسمت لها ابتسامة هادية ومخبية سر.
​حطت إيدها الفاضية على بؤها من الصدمة، والپاسبور وقع منها على الأرض: “مش ممكن!”
​”ممكن جداً.”
​”ماما…” عينيها اتملت دموع في ثانية.
​بس المرة دي، ما حسيتش بنغزة الخوف بتاعة كل مرة. دي ما كانتش دموع البنت اللي بتصغر نفسها عشان تكفي في ضل عيلتها. دي كانت دموع من نوع تاني خالص.
​”انتِ بجد حجزتي باريس؟” قالتها وهي بتتخنق من العياط.
​”أربع ليالي في قلب باريس.”
​”انتِ اتجننتي رسمي؟”
​”احتمال كبير.”
​نطت عليا، ولفت إيديها حوالين رقبتي وحضنتني بكل قوتها لدرجة إن السندوتش اتعصر بيننا. مسافرة كانت قاعدة جنبنا بصت لنا وابتسمت ابتسامة دافية.
​ندى دفنت وشها في كتفي وهمست: “ماما… ده… ده مبلغ كبير أوي.. كتير جداً!”
​”لأ مش كتير،” همست لها بصرامة. “كان لازم يبقى غالي ومكلف كده.”
​رجعت لورا وهي مستغربة: “ليه؟”
​”عشان السفرية دي أرخص بكتير من إني أدفع حساب حفلة لـ 90 بني آدم أنا أصلاً ما اتعزمتش عشان أوافق على مصاريفها!”
​طلعت منها ضحكة بلولة وصافية. ضحكة بجد.
​في اللحظة دي، تليفوني اتهز في جيبي بحرارة زي دبانة مزعجة. طلعته.
​رسالة من شيرين: ” ….

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *