امي لغت عيد ميلاد بنتي 2الاخير

رسالة من شيرين “.احسبي حوار البنك ده حالاً ورجعي الفلوس قبل ما أنا وحسام نخسر العربون اللي دفعناه وما بيرجعش.”
​ما رديتش. كل اللي عملته إني دوست على الزرارين واخدت سكرين شوت.
​دي كانت اللحظة بالضبط اللي ماتت فيها الأخت المكسورة واللي قلبها بيبكي، وحلت محلها مهندسة الـ UX اللئيمة والباردة.
​يمكن الكلام ده يبان غريب لحد برة المجال، بس عشر سنين في تصميم واجهات المستخدم (UX Design) بتعيد هيكلة دماغك بالكامل. بتتمرن إنك تشوف العالم مش كمشاعر وعواطف عشوائية، لكن كـ سيستم وسيستم معقد. بتحلل المدخلات، بتمشي ورا الصلاحيات، بتحدد نقاط الفشل الكارثية، وبتتتبع بالظبط أنهي مستخدم عمل أنهي أكشن عشان يوقع السيستم كله.
​وأنا قاعد في المطار، وسط الوش بتاع المسافرين، بطلت أقرأ رسائل عيلتي بقلب ينزف. بدأت أتعامل معاها كـ بيانات وأرقام صماء. ما بقتش إهانات؛ بقت سجلات مراجعة وتدقيق (Audit logs).
​فتحت اللابتوب، اتوصلت بـ واي فاي المطار، وعملت تلات فولدرات منفصلة على الـ Desktop.
​الفولدر الأول: بروتوكول القاعة.
دينا في القاعة كانت نفذت طلبي بتاع الصبح. بعتتلي ملف التغييرات الكامل المسجل على السوفت وير عندهم. كان تحفة فنية في التعدي على الصلاحيات بدون إذن.
​31 أغسطس، 10:14 صباحاً: الحاجة ماجدة (مستخدم مصرح له) طلبت تغيير اسم صاحب عيد الميلاد لـ مريم.
​31 أغسطس، 10:22 صباحاً: زيادة عدد المعازيم من 48 لـ 94 بالعافية.
​31 أغسطس، 11:03 صباحاً: إلغاء المنيو الأساسي واختيار المنيو الفي آي بي.
​31 أغسطس، 1:41 ظهراً: إضافة شلال العصير وبرج الورود للعقد.
​1 سبتمبر، 9:06 صباحاً: ماجدة طلبت مسح اسم ندى تماماً من على اليافطة والترحيب.
​وقفت بالماوس عند البند الأخير ده. مسح. مش نقل في حتة تانية.. مسح كامل.
​الفولدر التاني: التحقيقات المالية.
نزلت كشوف الحسابات PDF. فيها الـ 1500 جنيه العربون الأصلي، المبالغ اللي كنت بحولها كل أسبوعين، الـ 10 آلاف بتوع أمي، والـ 3 معاملات المعلقة اللي اتجمدوا. وتاريخ سحب الصلاحيات، ورقم البلاغ في البنك: 8842176.
​الفولدر التالت: المحادثات المضبوطة.
بدأت أرمي سكرين شوتس الرسايل في الفولدر.
​شيرين: “مريم ملهاش غير عيد ميلاد 16 واحد بس! انتِ بتخربي عليها!”
أمي: “ندى طبيعتها هادية اصلاً يا هالة، مش فارق معاها الحاجات دي، وهتفرح لما تشوف الصور.”
شيرين: “إحنا ممكن نحط تورتة ندى الصغيره في أي تربيزة ورا.”
​الرسالة دي بالذات خلت إيدي تتجمد على التاتش باد،
​كنا دلوقتي على ارتفاع 30 ألف قدم فوق السحاب. أنوار الكابينة كانت متطفية. ندى كانت نايمة على الكرسي اللي جنبي عند الشباك، حاطة السماعات الكبيرة على ودانها ومغمضة عينيها.
​قريت رسالة شيرين تاني.
​نحط تورتة ندى الصغيره في أي تربيزة ورا.
​في حتة ورا.. في عيد ميلادها هي اللي متخطط له بالملي. كانت بتتحول لمجرد هامش في زاوية ضلمة في قاعة هي اللي اكتشفتها!
​أخدت سكرين شوت تانية، وراميتها في الفولدر.
​بعدها، واستغليت الواي فاي بتاع الطيارة، كتبت إيميل محدد جداً لدينا في القاعة:
​دينا،
أرجو الرد على الإيميل ده بالتأكيد المكتوب: هل ممكن استرجاع حجزي الأصلي والأساسي باسم ندى الشناوي زي ما كان في العقد بالظبط؟ بدون أي خدمات إضافية، ولا معازيم زيادة، ولا تعديلات. نرجع للإصدار 1.0.
هالة.
​فضلت باصة لظهر الكرسي اللي قدامي ساعتين كامليين. وأخيراً، الـ Inbox رن.
​أستاذة هالة،
أيوة، تفاصيل الحجز الأصلي بتاعك لسه متاحة في السيستم. لأن التاريخ ما اتلغاش رسمياً، إحنا ما أفرجناش عن القاعة. ينفع نرجع لكل حاجة زي الأول.
دينا.
​طلعت نفس طويل ومكتوم. قفلت اللابتوب.
​الإيميل ده غير الخريطة كلها. بقيت أملك كروت للعب. باريس ما بقتش مجرد ملجأ غالي وبهرب بيه من عيد ميلاد بنتي اللي اتخرب. باريس بقت مجرد مكان استجمام فاخر. أنا سحبت بنتي برة منطقة الانفجار عشان أعرف أفجر الألغام براحتي وأطهر المكان.
​أول ما عجل الطيارة لمس أرض المطار في باريس، تليفوني شبك على شبكة التليفون. الشاشة نورت وزاطت زي مكنة القمار.
​73 رسالة جديدة نزلوا في نفس اللحظة.
​دماغي الباردة والمحسباتية عدتهم ببساطة. أمي. أبويا. شيرين. حسام. أمي تاني. حتى خالتي سناء—اللي ملهاش أي علاقة بموضوع القاعة وساكنة في المحلة—تم استدعاؤها وتحنيدها كعضو في المحكمة العائلية العليا عشان تحكم في أفعالي!
​قلبت في كل الشتائم والاتهامات لحد ما لقيت رسالة من مريم نفسها:
​”طنط هالة، أنا آسفة أوي. والله ما كنت اعرف إنهم بياخدوا حفلة ندى. مامي قالتلي إن حفلتكم اتلغت من أسبوعين وأن القاعة كانت فاضية ومحدش محتاجها.”
​قريتها مرتين. وصدقتها. لأن من بين 73 رسالة، دي كانت الرسالة الوحيدة اللي فيها ريحة الحقيقة واعتذار بجد.
​لكن رسالة شيرين الأخيرة كانت الأقصر والأكثر قسوة:
​”فكّي الحظر ورجعي الفلوس للحساب قبل الساعة 12 الضهر، يا إما بلاش توجعي دماغنا وتفكري ترجعي العيلة دي تاني.”
​ملت بالتليفون ووريته لندى اللي كانت بتمسح النوم من عينها. قريت التهديد مرتين، وحواجبها اتعقدت جامد. بصتلي وفي عينها شرارة خوف حقيقية.
​”ماما… هو إحنا كده مبقاش لينا عيلة خلاص؟”
​ضحكت بصوت عالٍ. الصوت رن في الكابينة، وكم مسافر بصوا لنا باستغراب، بس ما قدرتش أوقف نفسي.
​”لأ يا حبيبتي.”
​ندى طلعت نفس طويل من الارتياح: “الحمد لله.. اصل الرسالة شكلها درامي أوي، أكنها شرير في فيلم.”
​”هي تمثيلية فعلاً.. بس تيتة ما تملكش الشقة اللي إحنا مأجرينها في المعادي.”
​” صح.. هو هما ممكن يخلوا الشركة تطردك؟”
​”الشركة مش هتطردني عشان خناقة عائلية يا ندى. إلا لو أداة التصميم Figma بقت ممنوعة دولياً وأحنا بناكل كرواسون!”
​ابتسمت، والتوتر اختفى من كتافها. بس بعدين وُشها بقى جاد جداً، والمراهقة اللي عندها 16 سنة اختفت، وحل محلها حد أكبر وأعقل.
​”طب وإيه اللي هيحصل دلوقتي يا ماما؟”
​”دلوقتي؟ هنطلع من المطار ده ونستمتع بباريس على آخرنا.”
​”والحفلة؟ والقاعة؟”
​”أنا بتعامل مع الموضوع.”
​”إزاي؟”
​”بجراحة دقيقة.. وبكل صح.”
​بالليل، بعد ما ندى راحت في النوم من تعب السفر في أوضة الفندق البوتيك، نور اللابتوب كان منور وشي. جالي تحديث عاجل من دينا في القاعة.
​شيرين راحت القاعة بنفسها، وكانت بتصرخ وبتقول إنها “المسؤولة الجديدة عن الدفع”. وحاولت تدفع بكارت تاني عشان تثبت حجز الورد والمشروبات، بس المعاملة اترفضت. الكارت ما فيهوش رصيد يغطي.
​بعد الفشل ده، أمي بعتت إيميل للقاعة فيه صورة متقصوصة وحشة من العقد الأصلي اللي أنا موقعاه، وبتدعي إن ده “تفويض عائلي شامل” لأي تعديلات.
​دينا، ربنا يكرمها، ردت عليهم هما الاتنين، وعملتلي CC:
​”بناءً على تعليمات الشؤون القانونية عندنا، مش هنقبل أي تعديلات مالية أو إدارية بدون موافقة كتابية صريحة وموقعة إلكترونياً من العميل الأساسي في العقد: أستاذة هالة الشناوي.”
​عملت Forward للإيميل ده فوراً على إيميلي الشخصي. ونزلت للـ Business Center الصغير بتاع الفندق وطبعت نسخة ورقية.
​بعدها، فتحت الجروب التوكسيك بتاع العيلة.
​أمي كانت لسه منزلة بيان: “إحنا بس بنحاول نعمل اللي فيه الخير للبنات هما الاتنين. هالة بتتصرف بأنانية غريبة ومفَضّلة زعلها الشخصي على لم شمل العيلة.”
​حطيت صوابعي على الكيبورد وكتبت تلات جمل قاطعة، مقفولة قانونياً:
​”عقد القاعة باسمي أنا فقط. والحساب البنكي اللي بيمولها هو ملكي الشخصي بالكامل. تم تغيير تفاصيل حفلة ندى بشكل غير قانوني وبدون موافقتي. للعلم: مفيش أي شخص يملك أي صلاحية للصرف من الحساب ده، لا دلوقتي ولا بعدين.”
​دوست Send.
​رد شيرين ظهر بعد 12 ثانية: “انتِ بتفضحينا قدام الغرباء والموردين!”
​قفلت التليفون، وقمت وقفت في البلكونة الصغيرة، وبصيت على أضواء باريس الذهبية وهي بتلمع في الليل.
​دي كانت اللحظة بالضبط اللي بطلت فيها أتناقش مع أشباح… وبدأت أبني قضيتي صح!

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *