امي لغت عيد ميلاد بنتي 2الاخير

الفصل الخامس: استعادة الكود
​حفلة ندى تمت في النهاية.
​خرجت للدنيا بالظبط زي ما كانت حسامها ومخططاها: نفس التاريخ، نفس قاعة المعهد، ونفس الألوان الرقيقة اللي اختارتها بين الكحلي والسيلفر.
​حضر 46 فرد بدل 48، بس عشان اتنين من أصحابها في المدرسة للأسف جابوا كورونا الصبح وما قدروش يجوا.
​عربية الأكل “التَاكوز” اللي جابتها من مطعم عيلة صغير بتحبه، الأكل منها خلص في أول 20 دقيقة. والـ DJ المحلي، اللي كان متحمس بس مش مركز أوي، نطق اسم عيلة ندى غلط وهي داخلة—مع إن اسم عيلتها هو نفس اسم عيلتي، وكنت كاتباه بإيدي على العقد بخط عريض وبايظ 6 مرات مختلفة!
​صاحبتها القريبة نور عيطت بحرقة وهي بتولع الشمع، والميك أب سايح على وشها من التأثر.
​وندى؟ ندى ما لبستش الفستان الكحلي الرخيص اللي كنا بنشوفه في المحلات.
​باريس كانت غيرت الخط الزمني ده كلياً. في آخر يوم لينا هناك، دخلت محل “فينتاج” صغير وضاغط في زقاق جنب شارع “ريفولي”. خرجت منه وهي ماسكة فستان أنيق بلون الأخضر الزمردي الغامق. كان سعره 68 يورو بالظبط. شالته معاها للقاهرة ملفوف في طبقات من الورق جوة شنطة الإيد، كأنها شايلة تحفة أثرية نادرة.
​ولما خرجت بيه في صحن القاعة، والإضاءة الخفيفة بتلمع على القماش الأخضر التقيل، كانت طالعة زي الملكات.
​ما كانش شكلها “مبهر” بزيادة للمنظرة، ولا شكلها “متكبرة”، ولا بتثبت حاجة لحد.
​كان باين عليها حاجة واحدة بس: إنها سعيدة بحق وحقيق.
​وده كان مقياس النجاح الوحيد بالنسبة لي. مفيش بوكيهات ورد عملاقة بـ 50 ألف جنيه معلقة فوق الدانس فلور، ولا فيه شو مشروبات فاخرة عشان الكبار يتجمعوا حوليه، ولا كان فيه ألعاب نارية ودخان يخنق الناس على البوابة.
​في آخر الليلة، دخلت مكتب الإدارة، وسحبت كارت الفيزا بتاعي عشان أدفع الباقي. الفاتورة النهائية طلعت بالظبط زي ما كنت حاسباها في الشيت بتاعي من الأول من غير زيادة جنيه.
​الـ 600 يورو بتوع أمي اللي كانت حطاهم رجعوا لها بعد يومين بشيك مصدّق عن طريق البريد المسجل. وأخدت وصل الاستلام وحطيته في الفولدر التاني بتاع الأدلة.
​مريم طبعاً ما أخدتش الحفلة الضخمة اللي أبوها وأمها كانوا بيحلموا بيها. لما انقطعت عنهم الفلوس وانلغت القاعة، أختي شيرين اتدبست، وعملت لها حفلة صغيرة لـ 30 فرد بالعافية في جنين بيتها بعد أسبوعين.
​عرفت التفاصيل دي لأن مريم هي اللي حكت لندى بنفسها.
​البنات مع الوقت فتحوا باب الكلام تاني. كان كلام بطيء، وحذر، بس أهم حاجة إنه كان بشروطهم هما وبإرادتهم. مش بتدخل من أمي، ولا بعقدة منظرة من شيرين.
​النقطة دي كانت تهمني جداً. مريم ما سرقتش حاجة بنفسها؛ هي مجرد مراهقة. الكبار هما اللي استخدموا وجودها كحجة لجشعهم. وما كنتش مستعدة أبداً أعلم ندى إن حماية حدودها معناه تحويل بنت خالتها لعدوة مدى الحياة.
​بعد الحفلة بتلات أسابيع، وصلت شقة بلكونة بوكيه ورد أبيض فاخر في فازة أزجاجية ضخمة. كان باين إنه متكلف مبلغا كبيرا. سحبت الكارت الصغير من الظرف.
​خط أمي. مكتوب فيه: “العمر أقصر من إننا نشيل من بعض. إحنا عيلة، ويلا ننزل الصفحة ونفتح صفحة جديدة.”
​قريت الكارت تلات مرات.
​مفيش اعتذار واحد عن محاولة السرقة والتزوير. مفيش ذكر للحساب اللي اتجمد ولا التهديدات المحامين، ولا الكلمة المسمومة اللي زئرت بيها قدام باب شقتي عن مين اللي “يستاهل” الحفلة أكتر.
​كان طلب للصلح، مستخبي في شكل غصن زيتون: امشي القديم وخلاص. ارجعي للنظام القديم اللي كنتِ بتنضربي فيه وتكتومي في نفسك عشان “البيت يفضل ماشي”.
​حطيت الكارت على الرخامة، أخدت له صورة عالية الدقة للملفات، ونزلت بالبوكيه الفاخر للريسبشن تحت، أهديته لأمن العمارة اللي اتفاجئ بيه.
​رسالة أمي جيت في نفس اليوم الساعة 7 بالليل:
“استلمتي الورد؟”
​رديت في ساعتها: “أيوة.”
​فضلت باصة للتلات نقط بتوع الكتابة بيلعبوا على الشاشة لمدة دقيقة كاملة قبل ما رسالتها التانية تنزل:
“ممكن بقى نبطل نعاقب بعض ونلم الدور؟”
​بصيت للجمال ده بذهول، وبعدين بصيت على الصالة. ندى كانت قاعدة على الكنبة متغطية بالبطانية، ومسكة التاب بتكمل رسمة ديجيتال جديدة. كان شكلها هادي تماماً. كتافها مفرودة والخوف اللي كان في عينها اختفى.
​رجعت بصيت للشاشة وكتبت:
“أنا مش بعاقبك يا أمي. أنا بحجم دخولك في حياتي بعد ما استغلتيه بشكل غلط. دول مفهومين مختلفين تماماً.”
​النقط ظهرت تاني، بس أبطأ المرادي:
“هو انتِ ناوية تفضلي ماسكة لي الغلطة دي لحد إمتى يا هالة؟”
​كتبت: “أنا مش ماسكة عليكي حاجة. أنا بس بستخدم الأفعال الحقيقية اللي عملتيها عشان أخد قرارات صح تخص مستقبلي ومستقبل بنتي.”
​ما جاش رد.
​دخل العيد بضغطه الاجتماعي المعروف. ما ركبتش عربيتي وما روحتش بيت أمي في المعادي.
​شيرين كانت حاولت تعمل محاولة أسبوعها اللي قبله، بعتت رسالة بتقول: “ماما متدمرة إنك مش جاية العيد. وبابا بيقول إن الحركات دي زادت عن حدها ولازم تكبري بقى.”
​رديت: “عندي ترتيبات تانية خلاص.”
​ترتيباتنا الكارثية كانت عبارة عني أنا وندى، ونور وصاحبتها وأمها. اشترينا فراخ جاهزة وسلطات، وعملنا ماراثون أفلام قعدنا قدامه 8 ساعات متواصلة.
​الساعة 8:30 بالليل، ندى كانت نايمة على سجادة الصالة بتضحك من قلبها لدرجة إن صوتها اتنبح، عشان أم نور نطقت اسم ممثل أجنبي غلط بالصدفة.
​وأنا واقفة في المطبخ ماسكة أطباق الفينيل، أدركت حاجة عميقة جداً.
​لأول مرة في حياتي، مفيش حد في الأوضة قاعد يراقب درجة حرارة الجو النفسي. مفيش حد قاعد يحسب مين أخد نسايب أكتر من الفراخ أو مين يستاهل قطعة كيك أكبر. مفيش حد بيطلب من ندى تصغر نفسها، أو تبقى “مرنة”، عشان ترضي غرور حد تاني. مفيش حد بيستعمل كلمة “العيلة” زي فصيلة دم بيمصوا بيها حقك.
​هي كانت مجرد بنت عندها 16 سنة، صوتها عالي، جعانة، وآمنة تماماً.
​في أواخر ديسمبر، أمي عملت آخر محاولة لاختراق النظام.
​ظهرت بشخصها في المعرض الفني بتاع مدرسة ندى. طبعاً أنا ما كنتش بعت لها لا دعوة ولا مواعيد.
​تليفوني رن وأنا واقفة في صالة المدرسة. كان الأمن بتاع البوابة.
​”أستاذة هالة؟” صوت الموظفة كان متوتر: “والدتك واقفة برة ومضطربة جداً عشان اسمها متشال من قائمة الاستلام والمتابعة الخاصة بندى.”
​قلت ببرود: “ده مش خطأ إداري.”
​”هي مصرة إن ده سوء فهم بسيط بينكم.”
​”مش سوء فهم.”
​”يا أستاذة هالة، هي بتاكد إنها جدتها المباشرة!”
​”عارفة.”
​”وبتطلب تدخلي الصالة تحضر المعرض.”
​نزلت التليفون وبصيت لندى اللي كانت واقفة جنبي. لوحتها كانت معروضة على الشاشة الكبيرة برة. كانت سمعت نص المكالمة وفهمت. جسمها اتشد تاني بشكل ملحوظ.
​غايت التليفون وسألتها بصوت واطي: “عايزة تعملي إيه يا ندى؟”
​ندى فكرت 5 ثواني، وبعدين بصت في عيني وقالت: “مش عايزة أقضي طول الحفلة وأنا خايفة وبفكر هي هتجي تتوشوش معايا بتقول إيه.”
​ده كان المقياس الوحيد اللي محتاجاه.
​رفعت التليفون تاني: “الست اللي برة دي مش مصرح ليها بالدخول. ياريت تطلبوا منها تغادر المكان فوراً.”
​أمي مشيت.
​بالليل، بعتت إيميل طويل عريض. يجي 2000 كلمة. ميكس من ذكريات طفولتي، والتضحيات المادية اللي عملتها عشاني في التسعينات، وأنها قد إيه متدمرة إني أخدت ندى باريس عشان “أنكفها”، وديباجة طويلة عن قد إيه شيرين مكسورة قدام قرايب جوزها في النادي. الفكرة الرئيسية كانت إن “العيلة بتغفر لبعض.”
​ومدفون في السطر الـ 14، الاعتراف الوحيد اللي قدرت تطلعه:
ربما تغيير حجز القاعة من غير ما أرجع لك شفاهة ما كانش أفضل تصرف للتعامل مع الموقف.
​”مش أفضل تصرف”.. صاغتها كأنها اختارت لون مفارش غلط، مش محاولة انتحال شخصية وسرقة فلوس ودعم كسر قلب بنتي!
​ما رديتش في ساعتها. سبت الإيميل يتخمر 3 أيام.
​وبعدين قعدت وكتبت 6 جمل بالظبط:
​بلغتها إني ممكن أكون مستعدة أفتح قناة تواصل مشروطة، بس لو عندها القدرة تعترف باللي عملته بوضوح، من غير ما ترمي اللوم عليا ولا على ندى ولا على شيرين ولا على “ضغط العيد”. ووضحت إن مفيش دخول على حساباتي، مفيش مشاركة في حجوزات، مفيش زيارات مفاجئة للبيت، ومفيش أي ترتيب مع ندى من غير إذن مباشر مني.
​وختمت إن لو هي طلبت من ندى حاجة وندى قالت “لأ”، فالـ “لأ” دي هتبقى نهاية المناقشة.
​أمي ردت بعد 12 ساعة:
“القواعد العسكرية دي تحسسني إني غريبة عن دمي!”
​قريت الرد مرتين. حسيت بنغزة الذنب القديمة بتسحبني، بس بلعتها.
​كتبت ردي الأخير:
“الثقة هي اللي بتحدد الصلاحيات يا أمي.. مش الألقاب.”
​الجدار ده لسه مرفوع لحد النهاردة.
​ندى كبرت دلوقتي. بتقدم في الجامعات وبتبني حياتها المستقلة. بس لسه محتفظة بكشكول الرسم الرخيص أبو 12 يورو بتوع باريس. ساعات وأنا برتب أوضتها، بشوفه محطوط على الرف بين كتب الثانوية.
​في أول صفحة فيه، رسمت السور الحديد بتاع شباك الفندق، وتحته بخطها الصغير المترتب، كتبت تاريخ اليوم اللي وصلنا فيه باريس.
​أنا ما طلبتش منها تحتفظ بيه، ولا قعدت أحلل معاها الرحلة دي عملت إيه في نفسيتها.
​مش محتاجة.. البيانات واضحة.
​اللي اتعلمته من انهيار نظام عيلتنا بسيط جداً: حماية ابنك من الوجع الموروث مش دايما خناقة سينمائية وعياط.
​أوقات، الحماية بتبقى مجرد فيزا مقفولة.
أوقات، بتبقى صورة سكرين شوت متسيفة في فولدر.
أوقات، بتبقى ورقة رسمية من محامي بتقطع الدايرة.
وأوقات، بتبقى إنك تقفل خيار من السيستم عشان الشخص اللي أذاك ما يقدرش يدوس على نفس الزرار تاني.
​وأحياناً، بتبقى مجرد إنك تقعد ساكت على طرف سرير بنتك وهي بتستوعب إنهم استرخصوها، وتديها الحفل والخط الواقعي الوحيد اللي تقدر تثق فيه: خطة واضحة، باب مفتوح، وطريق خروج دائم من الظلم.
​بشرب أخبار من بعيد إن أمي لسه بتقول للناس في العائلات إن هالة “خربت العيلة عشان حفلة عيد ميلاد تافهة”.
​عادي جداً.. تسيبها تشغل البرامج المضروبة براحتها.
​عشان الحفلة عمرها ما كانت هي القضية. المشكلة الحقيقية في دماغهم كانت إنهم فاكرين إن مساحة ندى في الدنيا ينفع تتاخد وتتعطى لغيرها بس عشان حد “أهم” عايزها. كانوا فاكرين إن شقايا ملكية عامة، وإن موافقتي خطوة مش مهمة. وكانوا مراهنين إن بنتي هتبلع الإهانة وتسكت زي ما أنا عملت 38 سنة.
​حسبوا الحسبة غلط.. وحساباتهم لبست في الحيط.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *