امي لغت عيد ميلاد بنتي
حصري لصفحة روايات رولا
من زمان ومأمنة لأمي ومسلمة لها كل حاجة، لحد ما صحيت في يوم على الكارثة. أمي لغت حفلة عيد ميلاد بنتي الـ16 وتحوّلت الـ9,400 دولار بتوعي لـ”حفلة أحسن” لبنت أختي! ندى عرفت لما إدارة القاعة اتصلت وتسأل: “هو اسم صاحبة عيد الميلاد بقى مريم كول دلوقت؟” بكت وقالتلي: “هي تيتة شايفاني مش كفاية؟” قعدت جنبها وقلت لها: “قومي. لمي شنطتك. هنمشي الساعة ستة.” ما كانتش فاهمة إني حاجز باريس، ومجمّد حساب البنك، وقاطع كل دولار كان رايح يمول استيلاء أختي المظهري. على ما نزلنا من الطيارة، كانت شيرين بعتتلي 73 مسج.
ندى كانت بتمسح وشها المبلول بكم بلوزتها الواسع بقسوة، وصوتها بيرتجف: “ماما… هو إحنا ينفع نلغي كل حاجة؟ ينفع مانعملش حفلة خالص؟”
حسيت بعصرة وجع باردة في صدري: “عايزة تتنازلي عن ليلتك؟ عن عيد ميلادك الـ16؟”
“مش عايزة أقف في قاعة وكل الناس بتتهامس ورا ضهري إن تيتة شايفة إن مريم تستاهل الأضواء أكتر مني.”
هنا كانت الصدمة. الموضوع ما كانش مجرد زعل عابر في عينين بنتي اللي عندها 16 سنة. كان إهانة وجرح عميق بيحرق فيها. أمي وأختي سرقوا القاعة اللي أنا دافعة فلوسها، غيروا اسم ندى باسم بنت أختي مريم، وطلبوا أكل وديكورات زيادة بـ9,400 دولار—كل ده بالفيزية بتاعتي اللي كانت متسجلة عندهم.
ما قعدتش أقولها كلام معسول. ما قلتلهاش “كل حاجة هتبقى تمام”. أخدت التليفون من شنطتي، وما فكرتش حتى أدخل على جروب العيلة. فتحت أبلكيشن البنك المشفر.
صباعي تحول لسلاح.
بكل دقة وتركيز، دخلت على شاشة الصلاحيات. شلت حق أمي في السحب أو الاستخدام تماماً. وقفت الكارت اللي معاها بنقرة واحدة، وعملت حظر كامل لأي تحويلات خارجة.
بعدها كلمت قسم الاحتيال في البنك.
“معايا المالك الرئيسي للحساب؟” الموظف سألني.
“أيوة، هالة الشناوي معاك،” أكدت وصوتي ناشف زي الحجر. “أنا ببلغ عن استخدام غير مصرح بيه للفلوس من حد كان معاه صلاحية قديمة. محتاجة حظر كامل وشامل على أي معاملة تمشي من الحساب ده.”
بعدها كلمت القاعة. “يا دينا، لو أمي أو أختي حاولوا يمرروا أي كارت عشان حفلة مريم، ارفضي المعاملة فوراً.”
لما نزلت التليفون من على ودني، الأوضة كانت ساكتة تماماً. ندى كانت بتبصلي، دموعها كانت نشفت خلاص، وحل محلها انبهار وذهول وخوف بسيط.
“أنتِ بتعملي إيه يا ماما؟”
بصيت للبنت اللي كانت من شوية بتطلب تتنازل عن وجودها عشان تريح عيلتنا التوكسيك. ابتسمت. ما كانتش ابتسامة طيبة. كانت ابتسامة ست بتبدأ حملة الأرض المحروقة.
“قومي،” قلت لها بصوت هادي. “لمي شنطتك.”
برشت بسرعة: “إيه؟ يعني… شنطة ظهر؟”
“شنطة سفر صغيرة من بتوع الطيارة. تكفي أربع أيام.”
“ليه؟ هو إحنا رايحين فين؟”
وقفت وظبطت لياقة بنطلوني. “هتعرفي أول ما نوصل صالة المطار. آه، وصحيح يا ندى؟” وقفت ثواني وسبت السكوت يملى المكان. “طلعي پاسبورك.”
اهتز تليفوني على الترابيزة الخشب الكبيرة في الصالون، وفصل حبل أفكاري بالضبط الساعة 4:17 العصر في يوم الخميس الحر ده. كنت غرقانة في مناقشة عقيمة مع ثلاثة مهندسين برمجة في الشركة، بحاول بالعافية أشرح لهم إن نقل زرار الشراء 6 بكسل لشمال الشاشة مش هو ده اللي هيزود المبيعات ولا يعتبر خطة تطوير للمنتج.
شاشة التليفون نورت في الأوضة المظلمة، وظهر اسم المتصل: قاعة السرايا للمناسبات.
صوباعي كان رايح على الزرار الأحمر عشان أكنسل. كنت خلاص هرفض المكالمة وأرجع لشغلي، بس فجأة افتكرت وسط زحمة التصميمات والشغل: ده الميعاد النهائي لتأكيد حجز ليلة عيد ميلاد بنتي الـ16!
قلت للفريق بنبرة حازمة: “سيبوني دقيقة واحدة بالضبط.” وخرجت من الأوضة الزجاجية على الطرقة الهادية في مكتبنا بالشيخ زايد.
رديت وحطيت التليفون على ودني: “ألو، مع حضرتك هالة الشناوي.”
جاني صوت البنت الموظفة الرقيق والمترتب من الناحية التانية: “أهلاً يا أستاذة هالة، معاكي دينا من قاعة السرايا. كنت بكلم حضرتك عشان نأكد التفاصيل الأخيرة للحجز بتاع يوم السبت الجاي 19 سبتمبر.”
ابتسمت ابتسامة حقيقية ونادرة وسط اليوم الزحمة ده، وسندت ضهري على الحيطة الملساء: “جيتي في وقتك بالضبط! بنتي ندى نازلة فيّ استجواب كل ست ساعات عن جدار الصور الكلاسيكي وهل فعلاً هيبقى جاهز ولا لأ.”
ضحكت دينا ضحكة لطيفة ومحترفة: “اطمني تماماً، جدار الصور متأكد ومحجوز. إحنا بس محتاجين نراجع المراجعة الأخيرة عشان تغيير الاسم.”
رجلي اتسمرت في مكانها. صوت كعبي وهو بيخبط على الأرض الرخام وقف فجأة.
سألتها والابتسامة اختفت من وشي تماماً: “تغيير اسم إيه؟”
كررت دينا كلامها، وصوتها بدأ يتردد شوية لما حست إن الجو اتغير: “تغيير الاسم.. الحفلة متسجلة عندنا في السيستم دلوقت باسم عيد ميلاد مريم الشناوي الـ16.”
في لحظات الصدمة الشديدة، مخي بيرجع يعمل حاجة محددة ودقيقة بشكل غريب.. بيعد.. بيرتب.. بيحلل البيانات المجردة: 19 سبتمبر.. 48 معزوم.. 6 طاولات مدورة.. دي جي محلي.. تورته فانيليا دورين.. وبنت واحدة بحبها من كل قلبي اسمها ندى الشناوي. وعادي جداً، صفر بنات باسم مريم الشناوي!
قلت بصوت واطي جداً وحاد زي الموس: “دينا.. بنتي اسمها ندى.”
سكتت دينا سكتة طويلة جداً لدرجة افتكرت المكالمة اتقتعت. وبعدها طلعت منها كلمة: “أوه..” زي ما تكون طاح منها كاس زجاج واتكسر. “أنا.. أنا آسفة جداً يا فندم! طلب التعديل ده انبعت على السيستم بتاعنا امبارح العصر.”
”مين اللي بعته؟” الكلمات كانت طالعة من زوري زي الشظايا.
”الطلب تم اعتماده ورقم البطاقة كان باسم الحاجة ماجدة الشناوي.”
أمي.
تخدير وتلج مشي في أطراف صوابعي وطلع لحد دراعاتي. الطرقة فجأة حسيت إن الأوكسجين اختفى منها. “هي.. هي لغت حجز ندى؟”
ردت دينا وهي بتبص في الشاشة قدامها وترتجف: “هو الحجز الأساسي لسه شغال، بس اسم صاحبة العيد ميلاد اتغير، مع شوية تعديلات وإضافات كبيرة اتعملت.”
”تعديلات؟” كررت الكلمة وأنا بدقق في كل حرف.
”أيوة يا فندم، الباقة كلها اترقت لأعلى فئة. طلبوا ديكورات ورد طبيعي كاملة، بوفيه مفتوح إضافي، مشروبات وأكل فندقي للضيوف الكبار، ساعات زيادة للـ DJ، وإضاءة لايت شو كاملة للروف.”
غمضت عيني وضغطت بصوباعي جامد على بين حواجبي وأنا بحارب صداع نصفي مفاجئ وشديد: “الحساب الجديد كام؟”
”الباقي المطلوب دفعه دلوقت 180 ألف جنيه.”
عقدي الأصلي اللي كنت ميزانيته محسبة بالبنس كان واقف عند 115 ألف جنيه!
أمي كانت عرضت عليا بذوق إنها “تتولى هي التفاصيل الأخيرة البسيطة” عشان أسبوعي في الشغل كان مطحنة ومواعيد تسليم معقدة. كنت ماسكة إعادة تصميم أبلكيشن كامل لشركة إعلامية كبيرة. وواضح إن كلمة “تتولى التفاصيل” في قاموس عيلتنا المريض كانت ترجمتها: “مسح وجود بنتي تماماً!”
قلت بصوت هادي وخالي تماماً من أي مشاعر: “ما تغيريش بكسل واحد في الحجز ده تاني يا دينا.”
”أستاذة هالة، أنا مجبورة أقول لحضرتك إن الحاجة ماجدة أكدت لنا إنها بتتحرك بطلب وإذن شفاهي منك شخصياً.”
”ما حصلش.”
”تمام.. فهمت.”
”عايزاكي تعملي حاجة واحدة يا دينا. أبعتيلي على الإيميل فوراً كل طلبات التغيير اللي انبعتت، بالوقت والتاريخ، مع صورة الطلب اللي أمي قدمته. عايزة البيانات الكاملة.”
”حاضر.. هجمعهم وأبعتهم فوراً.”
”ودينا؟ ما تتصليش بأمي ولا تتواصلي معاها إطلاقاً لحد ما أكلمك.”
ترددت دينا وواضح إن دراما العيلة وترتها: “حاضر، مش هكلمها.”
قفلت السكة. السكوت لف الطرقة للحظة قبل ما صوت تاني يكسره.. الصوت ما كانش جاي من أوضة الاجتماعات.. كان جاي من كف إيدي.
فيس تايم.
اسم “ندى” كان بينور على الشاشة.
أخدت نفس مكسور، وفتحت الخط ورفعت التليفون. وشها ظهر على الشاشة.. بنتي اللي فاضل على عيد ميلادها الـ16 بالضبط 11 يوم. شعرها الأسود المرفوع بكليبس مكسور، وغرقانة في هودي واسع بأسورة مطاطية بتشد فيها بتوتر.
همست وهي بتتكلم: “ماما؟”
”أيوة يا حبيبتي.”
” هي القاعة كلمت تليفوني ليه؟”
كل حاجة جوايا وقفت.. “قصدك إيه؟”
”كلموني على تليفوني أنا الأول.”
كنت حاطة رقم ندى كـ رقم طوارئ احتياطي في الاستمارة الأولى لأن الموظفة من أسابيع كانت عايزة تبعتلها صور لألوان المناديل والمفارش عشان تختارها بنفسها.
ندى بلعت ريقها بالعافية، وشفت الخوف بيزيد في عينها: “هم.. هم قالوا إنهم بيتأكدوا من حروف اسم مريم عشان يكتبوه على يافطة الترحيب بره.”
سندت ضهري على الحيطة بكل تقلي وغمضت عيني جامد.
كملت ندى وصوتها بيكش وبيصغر بالطريقة الدفاعية اللي بيكرهها قلبي: “قلت للبنت إنها طالعة بنمرة غلط.. بس هي قالتلي إن تيتة هي اللي اتصلت وغيرت الاسم بنفسها.”
”ندى.. اسمعيني—”
”ماما.. هو عيد ميلادي اتلغى؟”
”لأ.”
”ماما…”
”والله العظيم ما اتلغى!”
”أمال ليه تيتة كتبت اسم مريم على الدعوات بتاعتي؟”
ما عرفتش أرد بسرعة.. والسكوت ده كان هو التأكيد اللي هي محتاجاه. ندى بصت بعيد عن الكاميرا، وفكها اتشنج.
مريم كانت بنت أختي الصغيرة شيرين. عندها 16 سنة هي كمان، ومولودة في نفس السنة قبل ندى بـ18 يوم بالضبط. وفي النظام البيئي المريض بتاع عيلتنا، المصادفة دي تحولت لصراع وسباق دموي.. بطولة مستمرة ندى ما وافقتش تشترك فيها ولا مرة.
مريم دخلت فريق الجمباز ونجمة المدرسة، ومريم عندها آلاف المتابعين على إنستجرام. أما ندى، فكانت بتلاقي نفسها في الرسم والسكيتش بوك، وعندها 12 صديق مقرب بتحبهم ومكتفية بيهم جداً. مريم كانت عايزة عيد ميلاد زي حفلات النجوم، وندى كانت بصتلي من شهرين وقالتلي كل اللي عايزاه: “عايزة أكل شارع حلو، ودي جي مش بيشغل أغاني هابطة، وتصوير كاميرا فورية على الترابيزات.. عايزة كل اللي بحبهم بجد يبقوا في أوضة واحدة معايا.”
ودلوقت، جدتها قررت بدم بارد إن الأوضة دي من حق “البنت الذهبية” مش ندى!
قلت وأنا بتحرك بسرعة ورايحة ألم حاجتي: “أنا قفلت الشغل وراجعة البيت فوراً.”
”بس أنتِ عندك اجتماع وإطلاق الأبلكيشن الجديد!”
”أنا خلصت شغل خلاص.”
”ماما—”
”ندى،” قطعت كلامها وأنا بطلع كل الثقة اللي في الدنيا من نبرة صوتي وهي بتبصلي في الشاشة: “أنا جاية في السكة.”
قفلت المكالمة، وأنا مش مدركة إن العد التنازلي لهدم العيلة دي وتدمير مجدها المزيج كان خلاص بدأ.
هل فعلاً ههد العيلة كلها عشان مجرد حفلة؟ وأنا ماشية باخد مفاتيحي من الترابيزة، كنت عارفة إن الإجابة أيوة.. لأن الموضوع عمره ما كان مجرد حفلة، دي كانت الأعراض الأولى لمرض أخطر بكثير!
الفصل الثاني: هندسة الخيانة
قَطَعْتُ زحمة الطريق من التجمع لحد شقتنا البسيطة في المعادي في زَمَن قياسي—اتنين وأربعين دقيقة بالضبط. كنت بسوق بتركيز مرعب وذهن صافي زي الثلج، وإيدي ماسكة دركسيون عربيتي السيراتو اللي دافعة تمنها بالكامل لحد ما عقلة صوابعي أبيضّت.
لما فتحت باب الشقة، كان السكوت يطربق فيها زي المقابر. باب أوضة ندى في آخر الطرقة كان مقفول بدبة.
الساعة 5:36 مساءً، خبطت بالراحة على الخشب المدهون.
جاني صوتها من جوة مكتوم ومكسور: “لأ.”
رديت عليها بصوت هادي: “عندك حق تماماً، وحاسة بيكي.”
رجع السكوت يلف المكان تاني. ما ضغطتش عليها، وما طلبتش إنها تفتح. بدل ده، قعدت على أرضية الطرقة، وتربعت، وسندت ضهري على حلق الباب. بقيت حاجز صامت بينها وبين العالم اللي برة.
الساعة 6:02 مساءً، تليفوني اتهز في جيبي. شيرين. بصيت لاسمها وهو بينور، وحسيت بجرعة أدرينالين صافية بتجري في دمي، وقبل ما أفكر، عملت رفض للمكالمة.
الساعة 6:04 مساءً، أمي اتصلت. كنسلت.
الساعة 6:07 مساءً، الشاشة نورت برسالة من أمي: “أرجوكي بلاش تهور وما تعمليش حاجة تندمي عليها قبل ما تسمعي وجهة نظرنا ونشرحلك.”
هي دي.. الحركة الشهيرة بتاعتهم. النبرة الهادية، المتكبرة، اللي بتظهرني أنا دايماً إني الطرف المجنون والمتهور. دي شغلانة العيلة، مدرسة في اللف والدوران واللاعب النفسية اتدربوا عليها على مدار سنين.
الساعة 6:15 مساءً، أكرة الباب اتتحركت. الباب اتفتح حتة صغيرة جداً تكفي ندى عشان تبصلي وهي متستخبية. عينيها السودا كانت ورمانة من كتر البكا، والجلد حواليهم أحمر ومتهيج.
سألتني وصوتها بيرتجف زي وتر مشدود: “هي تيتة عملت كده بجد؟”
”أيوة.”
دقنها اتهزت وهي بتحاول تتمالك نفسها: “ليه؟”
كان عندي الحصيلة اللغوية اللي تخليني أكذب. كان ممكن بكل سهولة ألف وأدور وأقولها غلطة إدارية من القاعة، أو إن تيتة اتلخبطت، أو إنه سوء فهم بسيط. كان هيبقى الطريق الأسهل. بس بدال ده، بصيت لبنتي الشاطرة اللي قلبها اتكسر وقلتلها الحقيقة المرة:
”عشان تيتة أخدت قرار مش من حقها إطلاقاً، لا قانوناً ولا أخلاقياً.”
ندى رجعت على الأوضة، وقعدت بتقل على حرف سريرها المكركب. قمت من على الأرض وقعدت جنبها، وسبت مسافة صغيرة بيننا.
كان متعلق على درفة الدولاب فستان عيد ميلادها. فستان بسيط وأنيق لونه كحلي. كنا شاريينه بـ 1500 جنيه من محلات في وسط البلد بعد ما قاست بكل صبر يجي 14 فستان مطرزين ومكلفين، وكانت متضايقة جداً وشايفة إن شكلها فيهم “مصنع” ومش شبهها.
كانت بتبص للقماش الكحلي وكأنها بتبص لجثة!
همست ندى وهي بتبص للأرض: “مريم قالت للبنات في المدرسة الأسبوع اللي فات إن فستاني شكله رخيص ومقضي.”
لفيت وشي بسرعة وبصيت لها: “الكلام ده حصل إمتى؟”
”الشهر اللي فات.. في الكانتين.”
”يا ندى، ليه ما قلتليش إنها قالت كده؟”
هزت كتفها حركة ضعيفة وموجعة: “عادي يعني.. ما كانش موضوع مستاهل.”
الجملة دي بالذات—ما كانش موضوع مستاهل—نزلت على صدري أشرس من أي صرخة بكا. لأن دي كانت جملتي أنا! دي كانت التعويذة اللي برددها لنفسي طول حياتي عشان أعدي الأيام: مش مستاهلة.. مشي الدنيا.. بلاش تعملي مشكلة.. استحملي.. العيلة لبعضها.
ندى مسحت وشها المبلول بكم بلوزتها الواسع بقسوة: “هو إحنا ينفع… ينفع نلغي كل حاجة؟ ينفع مانعملش حفلة خالص؟”
حسيت بعصرة وجع باردة في صدري: “عايزة تتنازلي عن ليلتك؟”
”مش عايزة أقف في قاعة وكل الناس بتتهامس ورا ضهري إن تيتة شايفة إن مريم تستاهل القعدة والشو ده أكتر مني.”
أهو ده.. الموضوع ما كانش مجرد زعل في عينين بنتي. كان إهانة وجرح عميق بيحرق فيها.
ما قعدتش أقولها كلام معسول. أخدت التليفون من شنطتي، وما فكرتش حتى أدخل على جروب العيلة. فتحت أبلكيشن البنك المشفر.
المصاريف الأولى للقاعة كانت مربوطة بحساب مخصوص عملته من ست شهور للحفلة. حسابي أنا، اتملى من شغلي وعرقي. أمي كانت واخدة صلاحية “مستخدم مسموح له بالسحب” للسبب الوحيد وهو إنها تدفع العربون والموردين وأنا مطحونة في تسليمات التصميمات في الشركة.
أختي شيرين، اللي المفروض إنها شريكة في الحفلة الكبيرة دي، ما حطتش جنيه واحد في الحساب. أمي كانت حاطة 10 آلاف جنيه كـ “هدية عيد ميلاد” لندى. وأنا اللي حطيت بقية الألوفات اللي في الحساب.
دوست على سجل المعاملات. امبارح بس، كان فيه 3 عمليات معلقة جديدة نزلوا على الحساب: 35 ألف، 18 ألف، و13 ألف جنيه. المبالغ اللي كانت بتتسحب عشان تجهيزات برج الفلورز وشلال العصير بتوع مريم كانت واصلة لـ 180 ألف جنيه!
صباعي تحول لسلاح.
بكل دقة وتركيز، دخلت على شاشة الصلاحيات. شلت حق أمي في السحب أو الاستخدام تماماً. وقفت الكارت اللي معاها بنقرة واحدة، وعملت حظر كامل لأي تحويلات خارجة.
بعدها كلمت قسم الاحتيال في البنك.
”معايا المالك الرئيسي للحساب؟” الموظفة سألتني.
”أيوة، هالة الشناوي معاكي،” أكدت وصوتي ناشف زي الحجر.
”حضرتك بتطالبي بوقف حساب بسبب معاملات مشبوهة يا فندم؟”
”أنا ببلغ عن استخدام غير مصرح بيه للفلوس من حد كان معاه صلاحية قديمة. محتاجة حظر كامل وشامل على أي معاملة تمشي من الحساب ده لحين التحقيق.”
بدأت تقرأ عليا الشروط والأحكام وتفهمني التبعات القانونية لجمود الحساب. سمعتها بتركيز، وخليتها تكرر بندين محددين عن المسؤولية القانونية، وسجلت رقم البلاغ بدقة: 8842176.
بعدها كلمت القاعة. دينا ردت من أول رنة.
”يا دينا، من اللحظة دي بالضبط، مفيش أي مبالغ جديدة مصرح بسحبها على العقد بتاعي. لو الحاجة ماجدة أو شيرين حاولوا يمرروا أي كارت، ارفضي المعاملة فوراً.”
لما نزلت التليفون من على ودني، الأوضة كانت ساكتة تماماً. ندى كانت بتبصلي، عينيها واسعة، ودموعها كانت نشفت خلاص، وحل محلها انبهار وذهول وخوف بسيط.
”أنتِ بتعملي إيه يا ماما؟”
بصيت لساعة التابلوه اللي جنب سريرها: 7:11 مساءً. بصيت للبنت اللي كانت من شوية بتطلب تتنازل عن وجودها عشان تريح عيلتنا التوكسيك.
ابتسمت. ما كانتش ابتسامة طيبة. كانت ابتسامة ست بتبدأ خطة الأرض المحروقة.
”قومي،” قلت لها. “لمي شنطتك.”
برشت بسرعة: “إيه؟ يعني… شنطة ظهر؟”
”شنطة سفر صغيرة من بتوع الطيارة. تكفي أربع أيام.”
”ليه؟ هو إحنا رايحين نأجر شقة في الساحل؟”
”هنطلع على مطار القاهرة الساعة 6:00 الصبح بالدقيقة.”
”على فين؟!”
”هتعرفي أول ما نوصل صالة المطار.” وقفت وظبطت لياقة بنطلوني. “آه، وصحيح يا ندى؟ طلعي پاسبورك.”
فكت بؤها من الصدمة، وما عرفتش تنطق. ولأول مرة من ساعة ما دخلت من باب الشقة، غمامة الهوان والإهانة اتزاحت من على وشها، وحل مكانها شرارة فضول حقيقية.
”انتِ بتتكلمي بجد؟”
”بجد جداً.”
ما قلتلهاش إني لسه حالا حابسة تذكرتين لباريس. ما ورتهاش إيميل تأكيد الطيران اللي نزل في الـ Inbox عندي. وأكيد ما جبتلهاش سيرة إن شريان الفلوس اللي كان هيمول شو الـ 180 ألف جنيه بتوع مريم تقطع تماماً.
لفيت على عقبي، ودخلت أوضتي، وطلعت شنطة السفر الكبيرة من تحت السرير.
أنا هالة الشناوي. وقت الانفجار ده كان عندي 38 سنة، وشغالة مهندسة واجهات مستخدم (Senior UX Designer) في شركة برمجيات كبيرة في القاهرة. للناس اللي برة المجال، الاسم يرن ويوحي بالرفاهية. لكن الحقيقة إن نص يومي بيضيع في إني أشرح بجمال وأدب لمديرين دماغهم ناشفة ليه الزبون مش هيحب يضغط على 7 إعلانات رخمة قبل ما يعرف يستعمل الابلكيشن!
مرتبي كان ييجي 60 ألف جنيه في الشهر.
بالنسبة لعيلتي، المبلغ ده كان بيبان لهم وكأنه ثروة قارون، رقم يخليهم فاكرين إن من حقهم يمشوا كلامهم عليا. كانوا ناسيين تماماً مصاريف الإيجار في المعادي، وأقساط المستشفيات، ومصاريف تربية بنت في سن المراهقة، والضرائب، والواقع المر بتاع إن والد ندى كان بيبعت 2000 جنيه بالعافية شهرياً مصاريف—وده بس لما ضميره يفتكر يدخل يحولهم على فودافون كاش!
أنا وندى كنا عايشين مستورين. ثابتين. بس أكيد مش طافحين ثراء. شقتنا الصغيرة كانت بتاكل جزء كبير من المرتب أول كل شهر. عربيتي السيراتو كنت مخلص أقصاطها. وكنت شايلة قرشين أبيض لليوم الأسود على جنب.
والأهم من كل ده، إني قضيت عشر سنين من عمري بفرم نفسي عشان أبني حياة مفيش فيها مخلوق يقدر يهدد سكني أو أكلي أو أمان بنتي لمجرد إني اعترضت على كلامه!
التفصيلة دي بالذات كانت مهمة جداً. لأني اتربيت في عيلة القرش فيها عمره ما كان مجرد ورق ورقم. الفلوس عندهم كانت سلاح للسيطرة. كانت هي المقياس الوحيد لمدى حبهم ليكي، وهي اللي تديكي حق الكلام على سفرة الأكل.
أختي الصغيرة شيرين تشربت الدرس ده صح. عرفت إزاي تستغل النقطة دي، إزاي تعيط عشان تأخد، وإزاي تلعب بالفلوس.
أنا بقى اتعلمت العكس: اتعلمت إزاي أعيش وأنجح من غير ما أحتاج لجنيه واحد منهم.
وأنا بحط الوصلات والشواحن في الشنطة، ذكريات السنين اللي فاتت بدأت تهاجم الأوضة.
أول ذكرى ات حفرت في دماغي كانت وندى عندها 8 سنين. أمي، في لحظة كرم مفاجئة، وعدت البنتين إنها هتوديهم الملاهي في ويك إند فاخر. ندى من كتر حماسها، عملت شريط زينة طويل من الورق الملون—23 حلقة. كل يوم الصبح قبل المدرسة، تقطع حلقة عشان تحسب الفاضل.
قبل السفر بـ 3 أيام بالضبط، أمي اتصلت.
”هالة، فيه تغيير صغير خالص في الترتيبات،” قالتها بكل بساطة.
حسيت بالقبضة في بطني: “تغيير إيه؟”
”أصل مريم صممت تأخد صاحبتها معها، والعربية مش هتاخدنا كلنا.. فاستسهلت وقلت نطلع بعربيتك إنتِ.”
أمي اتنهدت تنهيدة درامية: “هالة…”
سكتت وأنا ماسكة رخامة المطبخ جامد.
”بصراحة، الأسهل إن ندى بتقعد المرة دي، وأنا هبقى أطلعها خروجة خاصة أنا وهي الشهر الجاي.”
بصيت على المطبخ.. ندى كانت بتغني بصوت واطي وهي بترسم ودان ميكي ماوس على آخر 3 حلقات ورق.
”أنتِ اللي عزمتيها بنفسك!” زيقت في التليفون وأنا بلف عشان ندى ما تشوفش وشي.
”عارفة يا هالة، بس الظروف اتغيرت! عارفة إنها بتحسب الأيام من أسبوعين، بس وحياتك بلاش تعملي من الحبة قبة ومشكله!”
مشكلة.. دي الكلمة المعتمدة في عيلتنا التوكسيك. “المشكلة” هي أي موقف أو إحساس أو حد يضايق شيرين هانم!
”شيرين هي اللي طلبت كده؟” سألتها.
”الموضوع ملوش أي علاقة بأختك!”
بس الموضوع دايماً كان مخصوش غير شيرين! وبعدها بشهور، وفي قاعدة عائلية، عرفت الحقيقة: مريم هي اللي قالت لأمي إنها مش عايزة ندى معاهم في العربية لأن ندى “بتخاف من الألعاب السريعة وبتخرب الصور!”
لما جيت أقول لندى، ما صرختش. قعدت تعيط في سكوت لمدة 20 دقيقة. وبعدها، بجمود يوجع القلب، لمت شريط الورق الملون، وطبقتها بالراحة، ورامتها بنفسها في زبالة المطبخ.
أخدتها السبت اللي بعده وخرجتها في الفسحة على النيل. ركبنا المركب والشمس بتبتعد. كانت بتبتسم وهي بتاكل غزل البنات، وأنا بكذب على نفسي وأقول إن الهوا رد فيها الروح وتخطت الخيانة.. بس هي ما تخطتهاش، هي بس دفنتها جوة!
الموقف التاني كان في الكريسماس وكتن عندهم 12 سنة. أمي، بدور الجدة الحنونة، جابت لمريم أحدث تليفون آيفون نزله سوق. وندى، اللي كانت قاعدة جنبها على نفس السجادة، اتمدت لها ظرف فيه كارت مشتريات بـ 200 جنيه!
أنا ما كانش فارق معايا فرق الفلوس.. الأطفال مش محتاجين حاسبة عشان يعرفوا مين المحبوب. بس ندى كانت قاعدة كتف بكتف مع مريم لما أمي طبطبت على ركبة مريم وقالت: “مريم محتاجة تليفون نضيف يا بنات، عشان مريم وراها مستقبل وفرص كبيرة.”
فرص!
الكلمة دي نزلت زي الصاعقة. وفي قاموس عيلة الشناوي، كلمة “فرص” كان معناها: مريم شكلها حلو، واجتماعية، وواجهة حلوة نتباها بيها قدام القرايب واليران.
ندى بصت للكارت البلاستيك اللي في إيدها، وبعدين بصتلي بعينين ضايعة. ومن غير ما تنطق كلمة، حطته بالراحة في جيب بنطلونها.
بالليل وأنا بغطيها، كانت بتبص للسقف وهمست: “ماما؟ هو أنا عملت حاجة غلط السنة دي؟”
”لأ يا حبيبتي.. أبداً.”
”أمال ليه تيتة بتحبها هي أكتر مني؟”
قلت لها الجملة البليدة اللي كل الأباء بيقولوها لما بيحاولوا يداروا على خيبة أمل كبيرة: “هي مش بتحبها أكتر.. هي بس.. بتحبك بطريقة تانية يا ندى.”
أول ما طلعت الجملة من بؤي كرهت نفسي.. وندى هَزّت رأسها بس وقالت: “تمام.”
كانت عندها 12 سنة بس، وكانت خلاص اتعلمت إزاي تصغر نفسها وتختفي عشان ترضي كبرياءهم!
الموقف التالت كان الأوسخ، لأن إيدي كانت متلوثة فيه معهم.
جوز شيرين اتساب من شغله في أزمة الشركة. اتصلت بيا الساعة 10:21 بالليل وصوتها طالع شارب خوف وسيطرة:
”أنا محتاجة فلوس ضروري عشان اشتراك نادي الجمباز بتاع مريم للبطولة.”
”كام؟” سألت وأنا بفتح أبلكيشن البنك بالتعود.
”40 ألف جنيه.”
ضحكت بمرارة وهي فضلت ساكتة: “شيرين انتِ بتتكلمي جد؟”
”لو ما دفعتش قبل يوم الجمعة هتشال من الفريق الأساسي!”
”أنا مش معايا 40 ألف أدفعهم في هوا!”
”انتِ بتقلبي ألوفات في شغلك يا هالة!”
أهو ده.. التحول المتوقع. اللحظة اللي مرتب شغالتي وتعب أيايم بيتحول لـ ملكية عامة للعيلة أول ما يحسوا إنه رقم كبير.
”عندي إيجار ومصاريف وبنت!” رديت بعصبية.
صوت شيرين بقى حاد وشرس: “مريم طفحت الدم عشان المكان ده!”
”وكل العيال اللي أهاليهم بيدفعوا من جيبهم طفحوا الدم برضه!”
الهجوم كان سريع ومنظم. أمي اتصلت بعد 10 دقائق بتعيط عن لَم الشمل، وأبويا اتصل بعد ساعة يطلب مني “أكون الكبيرة وأعدي”، وعلى نص الليل كانت الرواية اتكتبت خلاص: أنا الأخت الأنانية، الخبيثة، اللي بتستمتع بذل طفلة بريئة بسبب ظروف أختها!
الساعة 12:31 بالليل، وأنا مهدودة وتعبانة، فتحت الحساب وحولت 25 ألف جنيه.
شيرين ردت بأيموجي قلب أحمر. مفيش سيرة لمواعيد سداد.. ولا حتى مكالمة شكر.
بعدها بـ 4 شهور، نزل صور على فيسبوك من قرية سياحية فاخرة في دهب. بصيت للشاشة وكلمتها:
”انتِ مسافرة مصيف في دهب؟”
”أصل العرض كان لقطة!” دافعت عن نفسها فوراً.
”انتِ لسه عليكي ليا 25 ألف جنيه!”
ضحكت شيرين ضحكة مستفزة: “انتِ لسه فاكرة وحاسباها؟ دي من شهور!”
بصيت لحيطة الشقة: “أيوة، دي فلوسي.”
”يا باي عليكي يا هالة كبري بقى.. العيلة لبعضها!”
رجعنا تاني.. القانون الذهبي. العيلة لبعضها كان طريق اتجاه واحد بس: أنا اللي أدفع.. وهما اللي يقرروا إمتى تعبي يستاهل يتقدر.
على مدار سنين، بلعت السم ده. ما اتولدتش بحدود من حديد ولا بملف للجرائم بتاعتهم. لسنين طويلة كنت فاكرة إني لو فضلت هادية، ولو كنت كريمة، ولو قدمت خدمات، النتيجة في الآخر هتتغير والتجاهل ده هيختفي. كنت فاكرة إن خدمة العيلة دي فترة وستنتهي.
بس كنت غلطانة. وعيد الميلاد الـ 16 كان هو القشة اللي قطعت ظهر الكلب، وأثبتت إن طمعهم ملوش علاج.
قَفَلْتُ سوستة الشنطة، وصوت المعدن رن في الأوضة الهادية. الحساب اتجمد، والتذاكر اتحجزت، والسيستم كله على وشك إنه يقع، ولأول مرة في حياتي، مش أنا اللي هجري عشان أصلحه!