وصلت
صلاح ما قامش من مكانه ولا اتهز:
— بنقفل وبنراجع حاجات حضرتك سبتيها مفتوحة ووراكي يا فاطمة هانم.
شريف بصلي وهو مش فاهم:
— إيه المهزلة دي يا هناء؟ أنتِ بتعملي إيه؟
— بعمل اللي كان مفروض أعمله من تلاتين سنة.
رميت في وشه فايل أسود:
— أنا عايزة أطلق.. والمحامية جهزت ورقة دعوى الطلاق والطلبات القانونية اللي هنبدأ بيها.
فاطمة هانم ضحكت بصوت عالٍ ومستفز:
— ويا ترى جايبة الحرامي اللي كان شغال عندي ده عشان تخوفيني بيه؟
ردت نجلاء بثبات وقوة أخرجم عن شعورهم:
— لأ يا هانم.. الأستاذ صلاح سلمنا مستندات وأوراق بنراجعها، وفيها استخدام لاسم وتوقيع موكلتي في عمليات مالية هي ما اديتش موافقة عليها بالصورة دي. ده غير إننا بنراجع كل ذمة مالية وممتلكات الزوج من يوم ما اتجوزوا.
فاطمة وشها أصفر لحظة، بس سرعان ما جمعت تناكتها وقالت:
— كلام فارغ وكدب! أنا عندي أكبرها محامي في مصر يمسح بيكم الأرض.
نجلاء ردت ببرود:
— تمام جداً.. يبقى المحامين بتوعك يهمسوا في إذنك إن الأفضل تحترمي الموقف وتبطلي تهديد، وتسيب القانون وياخد مجراه في المحكمة.
شريف كان بيمسك الورق وبيقلب فيه بذهول:
— أمي.. إيه الورق ده؟ وإيه الحسابات دي؟
فاطمة شدت منه الفايل بعنف:
— مالكش دعوة أنت! دي أمور أنت ما تفهمش فيها!
— بس اسمي أنا كمان مكتوب في التنازلات دي يا أمي!
في اللحظة دي، ثقة شريف كلها اتكسرت ووقعت في الأرض.
ولأول مرة في حياته، ما بصش لأمه على إنها الست القوية اللي بتحميه وبتحلله كل مشاكله.. بص لها كأنها حد ممكن يشتغله ويعمل حاجات من ورا ظهره هو كمان!
فاطمة بصلتي بشر وغل:
— بعد كل اللي عملته عشانك وكل اللي طفحتهولك.. بتبصميلي على ده وتجازيني كده؟
وقفت على حيلي وبصيت في عينها لأول مرة:
— أنتِ عمرك ما دتيني حاجة من غير ما تدفعيني تمنها إهانة وكسرة نفس.. والنهاردة اكتشفت إنك قبضتي تمنها من صحتي واسمي أضعاف أضعاف.
— إحنا لمنكي من الشارع وماكنتيش تسوي حاجة!
— لأ! ابنك هو اللي جالي ووراي لغاية ما وافقت عليه.. أنا كنت شغالة بشرفي وعندي عيلة وعندي كرامة.. وأنتم قعدتوا تمانية وعشرين سنة بتحاولوا تقنعوني إني ولا حاجة.
المكان بقى هادي زي المقابر.. محدش قادر ينطق.
في اللحظة دي، سارة نزلـت من على السلم وهي شايلة شنطة هدوم صغيرة.
شريف بص لها وهو متلخبط:
— راحة فين يا سارة؟
— ماشية مع ماما.
— سارة.. الكلام ده بين الكبار والزوجين مالكيش دعوة بيه!
— أنا بقالي سنين بلم قرفكم وأسمعه يا بابا.. أنا جيل كامل من العيلة دي ومن حقي أختار.
سارة حطت تليفونها على الترابيزة وفتحت شات الرسائل قدامهم:
— ده غير إني شفت الكلام القذر ده كمان.
شريف قرا كلامه ورسايله لأمه.. وما قدرش ينطق ولا حيا بكلمة، ولا قدر يقول إن الشات ده متزور.
فاطمة زئرت في شريف بغضب:
— أنت سيبت الموبايل المفتوح ده قدامها يا غبي؟
وده كان أوحش رد كان ممكن تفتحه فاطمة.. لأنها ما كدبتش الخطة، هي كانت بتتحسر بس إن أمرهم اتكشف بسببه!
تاني يوم الصبح.. ومحامي فاطمة هانم اتصل بـ نجلاء وطلب قعدة ومفاوضات ودية وطلب حل للموضوع بتهدئة.
ولأول مرة من تمانية وعشرين سنة.. المحامي ما قالش “البنت اللي اتجوزها شريف”.. قال: “عايزين نقعد مع المدام هناء Lucía عشان نوصل للحل اللي يرضيها.”
ولأول مرة في حياتي.. بقيت أنا اللي بحدد إذا كنت أقبل أسمعهم وأقعد معاهم.. ولا أسيب القانون ياخد حق سنين عمري لحد آخره.
مكتب الأستاذة نجلاء كان هادي، بس الهوا جواه كان متكهرب.
أنا وقعدت على كرسي الفوتريه، وسارة بنتي قاعدة جنبي ماسكة إيدي بقوة. قدامنا كان قاعد الأستاذ أسامة، محامي فاطمة هانم وشريف، ووشه باين عليه الوجق والملاوعة اللي بيحاول يداريها ورا ابتسامة رسمية.
بدأ كلامه بنبرة هادية وبيحاول يعزف على وتر الحنية:
— يا مدام هناء، إحنا عيلة واحدة في الأول وفي الآخر، والمشاكل العائلية دي بلاش تطلع لسانها برة وتتوصل للنيابات والمحاكم.. فاطمة هانم شايلاكِ الخير، وشريف موكلي عايز يلم الموضوع بالود عشان خاطر سارة.
الأستاذة نجلاء ابتسمت ابتسامة خفيفة وفتحت الفولدر الأسود قدامه:
— ود؟ يا أستاذ أسامة، الود ده كان المفروض يفتكروه قبل ما يستغلوا اسم موكلتي في عمليات مالية وتزوير توقيعات، وقبل ما يخططوا لطردها من بيتها بعد تمانية وعشرين سنة خدمة.. إحنا هنا مش بنتكلم في “زعل حموات”، إحنا بنتكلم في ق\ضية تزوير وتبديد حقوق واستغلال ذمة مالية.
المحامي بلع ريقه ونقل نظره بيني وبين الأوراق:
— طب إيه الطلبات؟ فاطمة هانم مستعدة تقدم تنازلات وتنهي الموضوع فوراً من غير شوشرة.
بصيت له بثبات، ولأول مرة في حياتي حسيت إن صدمة الخوف والكسرة راحت، وصوتي طلع قوي ومفهوش هزّة:
— الطلبات مش كتير يا أستاذ.. أولاً: الطلاق بالضرر يتم فوراً وبدون أي تنازل عن حقوقي الشرعية والقانونية. ثانياً: الشقة دي تتكتب باسم سارة بنتي، أو يتسدد نص قيمتها السوقية كتعويض عن حقوقي في الشركة العائلية اللي اسمها اتورط فيها. ثالثاً: بريمة ذمة كاملة وتعهد بعدم التعرض ليّ أو لبنتي بأي شكل.
المحامي اتقمص وقال:
— الشقة باسم الشركة يا مدام هناء! وفاطمة هانم مش هتقبل بالمبالغ دي!
نجلاء قامت وقفت وقبل ما يقفل كلامه قالت له:
— يبقى حُكم المحكمة هو اللي يفيصل بيننا يا أستاذ أسامة.. صلاح مدير الحسابات جاهز بالشهادة، والبلاغ للنيابة العامة بخصوص التوقيعات المزورة جاهز ومستني إشارة مني النهاردة قبل الساعة تلاتة.
المحامي اتلخبط وقام بسرعة:
— استني يا استاذة نجلاء.. أديني ساعة واحدة أرجع لموكليني وأرد عليكي.
بعد ساعتين بالظبط، التليفون رن.
فاطمة هانم، اللي كانت فاكرة إن الفلوس والصلف يخلوا أي حد يركع، اضطرت تنزل على أرض الواقع. كان قدامها خيارين: يا إما تنفذ الطلبات وتشتري سترها وسمعة شركتها واسم ابنها من الفضايح وقضايا التزوير، يا إما تدخل في محاكم وتخسر أكتر بكتير.
وافقت فاطمة هانم على الشروط، وقدمت تنازل رسمي عن جزء كبير من الأصول لصالح سارة، وتم الاتفاق على تسوية مالية محترمة تضمن لي عيشة كريمة ومستقلة، وبصمت على أوراق الطلاق.
يوم ما خرجت من الشقة، ما خرجتش مطรودة ولا مكسورة الخاطر.. خرجت وأنا شايلا شنطة هدومي وبنتي في إيدي، وراسي مرفوعة لفوق.
شريف كان واقف عند باب الصالة، وشه باهت وعينيه مليانة ندم متأخر، بس ما نطقش بكلمة.. عرف إن الصورة اللائقة اللي كان بيحاول يحافظ عليها راحت، وإن أمه اللي كان بيستخبى وراها ما قدرتش تحميه من حقيقة إنه خسر مراته وبنته للأبد.
النهاردة، أنا وسارة قاعدين في شقتنا الجديدة الصغيرة في المعادي، إضاءتها هادية ودافية.. ما فيهاش طمع ولا إهانة ولا صوت عالي.
عرفت إن القوة مش في إنك تستحمل الإهانة عشان تعيش، القوة الحقيقية هي إنك تعرف إمتى تقول “كفاية”، وتاخد حقك بالقانون والكرامة حتى لو بعد تمانية وعشرين سنة.