وصلت

حصري لصفحة روايات رولا
حماتي وصلت قدام البيت بـ عربية نقل عفش كبيرة، وقبل حتى ما تقول السلام عليكم، شاورت على أوضتي بكل تناكة:
​— أنا هاخد الأوضة دي، إضاءتها أحسن واحدة في الشقة. شيلي حاجتك منها النهاردة.
​شريف، جوزي، كان واقف وراها. ما فتحش بقه ولا قال إن الأوضة دي كانت أوضتي على مدار تمانية عشر سنة، ولا إنها الأوضة اللي ربيت فيها بنتنا، ولا إنها شاهدة على يجي تلاتين سنة من الإهانة والقرف اللي استحملتهم عشان بس أحافظ على البيت.
​كل اللي نطقه بصوت واطي:
​— بلاش تعملي مشكلة يا هناء.. أمي تعبانة وجاية من سفر.
​في اللحظة دي، شفت واحد من عمال النقل بيشيل الكرتونة اللي فيها صور أبوي وأمي الله يرحمهم.
​— نزل الكرتونة دي عندك!
​حماتي (فاطمة) حواجبها اترفعوا باستنكار:
​— أنتِ بتقولي إيه؟
​— بقول محدش يمد إيده على كرتونة واحدة ولا يطلع حاجة.. المرة دي أنا اللي هقول إيه اللي يمشي وإيه اللي ماينفعش في البيت ده.
​أنا أصلًا من عيلة بسيطة جدًا من طنطا.. أصل أبويا كان راجل على قد حاله بيصلح ثلاجات، وأمي كانت بتفصل زي مدرسي وملايات بالطلب. لما اتعرفت على شريف، كنت شغالّة في كافيه صغير في المهندسين، وماكنتش أعرف أصلًا إن عيلته أصحاب محلات وشركات كبيرة لتاجر أدوات البناء والسيراميك في القاهرة.
​كل حاجة اتقلبت رأساً على عقب لما حملت في “سارة”.
​أول مرة فاطمة هانم شافتني فيها، بصت لجزمتي الرخيصة وبعدها بصت لبطني المرفوعة:
​— يعني أنتِ بقى البت اللي عرفت تلبس ابني وتدبسه؟
​عرضت عليّ فلوس عشان أخلع وأغور من حياتهم. ولما رفضت، سألت ابنه بصلافة قدامي إن كانوا متأكدين أصلًا إن اللي في بطني ده ابن شريف!
​خرجت من عندها وأنا بدمع، وحلفت إني هربي بنتي لوحدي ومش معتمدة على حد. بس شريف فضلي ورايا وأسبوعين يحايل فيا ويجيبلي ورد، ووعدني إنه هيعمل حدود لأمه، ويدافع عني، ويجبرها تحترمني.
​وللأسف.. صدقته.
​فاطمة هانم وافقت على الجوازة بالعافية، بس عمرها ما قبلتني ولا هضمتني. جابتلنا شقة في التجمع، وطول السنين دي كانت حريصة كل يوم تفكرني إن كل حيطة في البيت ده موجودة بفضل جيبها وفضل خيرها عليا.
​طول فترة حملي كانت تطلبني عشان أروح أنضفلها شقتها في الزمالك، وأرتب عزوماتها، وأمشي وراها زي الخدامة. لو ركبت تاكسي، تقول عليا بضيع فلوس ابنها وبعيش في دور مش دوري. ولو ركبت أتوبيس ولا مترو وتأخرت، تقول عليا خايبة وما بعرفش أتصرف.
​أما كلامها بقى.. فكان زي السكاطين:
​— الفقر بيطرد من العين حتى لو حاولت الواحدة تلبس ماركات.
​— أوعي تنسي نفسك، جوازك من شريف ده ما يخليكيش من عيلتنا ولا شبهنا.
​كنت برجع بيتي مكسورة ودموعي على خدي، وأروح لشريف أشتكيله:
​— يا ستي هي أمي طبعها كده، كبري دماغك وسيبيها تقول اللي تقوله!
​ومع السنين الوضع بقى أوحش وأضل:
​— أنتِ ما خلاص عرفتي طبعها، بتمثلي ليه وخاطرك بيوجعك على كل كلمة؟ احمدي ربنا إنك عايشة في خيرها وما ناقصكيش حاجة.
​ما كانتش فاهمة —ولا هو فهم— إن الشقة الكبيرة والعيشة المريحة ما بتعوضش الإهانة وكسرة النفس.
​استحملت وقعدت عشان خاطر “سارة”. كنت بقول لنفسي هعدي وهستحمل لحد ما تكبر وتعتمد على نفسها.
​ولما سارة بقى عندها خمسطاشر سنة، اكتشفت إن شريف بقاله شهور على علاقة بست تانية. فاطمة هانم اتدخلت ساعتها، مش عشان خاطري ولا عشان تظلمني، لأ.. عشان خايفة على شكل العيلة قدام الناس والفضايح. شريف قعد كذا يوم يعتذر ويتأسف، وبعدها بقى يتعامل معايا كأني مفروض أستبوس إيدي وش وظهر إنه أترجالي ورجعلي!
​من ساعتها إحنا اتفصلنا تمامًا كزوج وزوجة، بس كنا عايشين تحت سقف واحد زي الأغراب.
​بعدها بتلات سنين، فاطمة هانم سابت القاهرة وقعدت فترة طويلة في الجونة وشارم. افتكرت إني أخيرًا هتنفس وهشوف يومين روقان، بس حتى وهي بعيدة كانت ممشية البيت بالريموت كنترول وتطلب مني أفرغلها وقتي وأعملها كل طلبتها.
​ولما بقيت في سن الواحدة وخمسين، شريف دخل عليا في يوم وقالها بكل برود:
​— أمي راجعة القاهرة خلاص.. وهتقعد معانا هنا على طول.
​— أنت اتكلمت معاها واتفقتوا من غير ما ترجعلي ولا تاخد رأيي؟
​— ده بيتها يا هناء!
​— وأنا عايشة هنا وبطبخ وبخدم فيه!
​— أنتِ عايشة هنا عشان هي الكريمة اللي سمحتلك بكده.
​في اللحظة دي، في حاجة جوايا اتكسرت وماتت للأبد.
​— طب خلاص، روح دورلك على حتة تقعد فيها معاها.. أنا عايزة أطلق.
​شريف فرقع بالضحك وبصلي بتريقة:
​— طلاق؟ في سنك ده؟ وهتمشي تروحي فين وعلى إيه يا فكيكة؟ تقريبًا كل حاجة مكتوبة باسم أمي. برة البيت ده مش هتلاقي العيشة ولا اللقمة اللي بستاكليها هنا.
​بعدها بيومين على طول، نزلت ورحت لمكتب محامية اسمها الأستاذة نجلاء. أخدت معايا كل أوراقي، كشوف الحسابات، والرسائل اللي كنت شايلاها على مدار السنين.
​— أنا مش هبعهالك وأقولك هطلعك بملايين —قالتلي نجلاء وهي بتقلب في الأوراق— بس أنتِ مش ضعيفة ولا مكسورة الجناح زي ما هم بيفهموكي.. الأول هنشوف إيه اللي حقيقي وإيه اللي ورا المستندات دي.
​وأنا قاعدة، شريف كان سافر عشان يجهز حاجتها ونقلها، وجالي اتصال من رقم غريب:
​— مدام هناء؟ أنا الأستاذ صلاح. أنا اشتغلت مدير حسابات ومسؤول مالي عند فاطمة هانم لمدة دعشَر سنة.. ومحتاج أقابلك ضروري قبل ما تمضي على أي ورقة أو تاخدي أي خطوة.
​خفت لتكون لعبة منهم، فقلتله:
​— تقابلني في مكتب المحامية بتاعتي، الأستاذة نجلاء.
​صلاح جه ومعاه شنطة جلد تقيلة ومليانة ورق. فاطمة هانم كانت طردته ومشيته بعد ما رفض يزوّر ويرفض يغير بيانات في دفاتر ومستندات معينة.
​نجلاء سألته بجدية:
​— والورق ده إيه علاقته بهناء؟
​صلاح طلع صور من عقود ومستندات كتير:
​— مدام هناء اسمها متسجل وموجود على أوراق كتير جداً، أوراق هي فاكرة إنها كانت بتوقع عليها بصفتها تفويضات أو صيانة شقق ومحلات. الورق ده تدبس في معاملات مالية وشركات تابعة للعيلة.
​وأضاف صلاح:
​— فاطمة هانم كانت دايماً تقول “هناء بتبصم وتوقع على أي ورقة بتتحط قدامها من غير ما تقرأ”. معايا تسجيلات وصوتيات وهي بتأمرني أستخدم اسمها عشان هي عارفة إن مدام هناء عمرها ما هتسأل ولا تفهم.
​نجلاء بصلته بثبات وحزم:
​— هنراجع كل ورقة ونتأكد من صحتها.. ولو ده بجد، إحنا هنرفع قضايا تسحبهم من لسانهم ونحمي هناء بالقانون.
​صلاح شغل وتسجيل صوتي من تليفونه.
​صوت فاطمة هانم كان طالع واضح وزي السم:
​— حط اسمها في التوقيعات والأوراق مع هناء.. هي بتمضي وخلاص، وشريف مش هيدرى بحاجة ولا هي هتاخد بالها من أصلها.
​في الليلة دي، روحت البيت وحكيت كل حاجة لسارة بنتي.
​سارة ما اتفاجئتش ولا بصلتلي باستغراب، بالعكس.. بصتلي بنظرة كلها ثقة وقالتلي:
​— ماما.. أنا كمان معايا حاجة ليكي.
​وطَّت وطلعت تليفونها…
سارة فتحت شات هي كانت واخدة منه سكرين شوتس من على أبلة تليفون أبوها أو الكمبيوتر بتاعه.
​— ماكنتش عايزة أوريكي الكلام ده من بدري عشان عارفة إنه هيوجعك أكتر يا بابا.. قصدي يا ماما.
​كانت رسائل متبادلة بين شريف وفاطمة هانم.
​فاطمة كانت كاتبالموا: “أول ما أرجع التجمع، اضغط عليها في المعاملة. لو زهقت وطفشت لوحدها من البيت، يبقى دار السيد سلمت.. وعشان ما تطلعش بالليل وتقول طردناها.”
​شريف رد عليها: “عندك حق، هي كل شويه بتهدد بالطلاق بس أجبن من إنها تاخد خطوة.. لو سابت البيت ومشت بعيد، المسرحية اللي عاملاها دي هتخلص على مفيش.”
​حسيت بخنجر اتغرس في قلبي، ومزيج قاسي من الوجع والكسوف من نفسي.
​مش بس جوزي كان عارف أمه بتعمل فيا إيه على مدار السنين دي وساكت.. ده طلع كمان بيمثل معايا وبيشاركها في خطة عشان يزهقني ويطردني من الشقة من غير ما يلبس هو في الوش ولا يديني مليم!
​سارة مسكت إيدي وقوتني:
​— أوعي تستحملي وتيجي على نفسك عشاني تاني يا ماما.. أنا كبرت خلاص.
​— خلاص يا سارة.. ما بقاش في مجاملة ولا سكوت تاني.
​نجلاء المحامية راجعت السكرين شوتس وطلبت نحتفظ بيها بشكل رسمي قانوني مع بقية الأوراق والملفات. وكمان جابت محاسب قانوني محايد عشان يراجع كل ورقة وكل الدفاتر اللي الأستاذ صلاح جابها.
​وخلال الأيام اللي بعد كده، كل حاجة ظهرت على حقيقتها وبانت الشفافية.
​توقيعي واسمي اتعمل بيهم إجراءات وتوريدات أنا عمري ما فهمت معناها ولا أخدت فيها جنيه.
​وكان في إيميلات ورسايل واضحة من فاطمة بتبعت فيها تعليمات واستغلال لاسمي.
​وفلوس وحسابات رايحة وجاية لازم تتقفل وتتحاسب.
​وأهم من ده كله، بقا معايا أوراق كفاية ومستندات تخلي فاطمة وشريف ما يعرفوش يتعاملوا معايا كأني واحدة ملهاش ظهر ولا معاها دليل.
​بس الأستاذة نجلاء اكتشفت حاجة ثانية أكبر.
​الشقة اللي إحنا عايشين فيها في التجمع ما كانتش “باسم فاطمة هانم” وبس زي ما شريف كان بيذلني وبيقولي كل شوية.
​من سنين، الشقة دي تدبست ودخلت جوة شركة عائلية، وشريف كان له أسهم وحصة في الشركة دي من قبل ما نتجوز، وطول فترة جوازنا كان بيحصل حركة بيع وشراء وتغيير ملكيات شريف عمره ما قال لي عليها ولا حكاهالي.
​نجلاء وضحتلي بصراحة:
​— ده مش معناه إن نص الشقة بقى في جيبك أوتوماتيك يا هناء.. بس معناه إن جوزك ما يقدرش يقف قدام القاضي ويعمل فيها شحاذ ومعندوش أملاك، إلا لما يتفتش في كل كبسة وكل حساب يملكه.
​ساعتها بس فهمت ليه شريف كان يتكلم بثقة وتناكة كده.. هو ما كانش أشطر مني ولا أذكى مني، هو بس كان مراهن إني عمري ما هسأل ولا هتدور وراه.
​ميعاد النقل والملاية جه أسرع من المتوقع.
​فاطمة هانم دخلت الشقة ونازلة تزعق وبتشاور على الأوض: “شيلوا ده وحطوا ده هنا!”
​وفجأة.. شافت نجلاء المحامية قاعدة في الصالة ومعاها الأستاذ صلاح والمحاسب القانوني والورق مفروش على الترابيزة.
​وشها اتخطف ولونها اتغير:
​— الراجل ده بيعمل إيه هنا؟ من دخله بيتي؟

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *