رزعت اللاب

أمي رزعــت اللاب توب بتاعي بقوة رهيبة لدرجة إن الشاشة اتكسرت ميت حتة، وافتتت الشظايا الصغيرة بتاعت الإزاز الأسود على ترابيزة الصالون.
​”أحلامك الهبلة دي ملهاش أي قيمة”، قالتها وإيدها لسه محطوطة على الكمبيوتر اللي اتدمر.
​كنت واقفة جنب باب الشقة، شنطة سفري جنبي على الأرض، والجاكيت بتاعي يا دوب قفلت سوستته للنص، وبصيت على الحاجة اللي كانت فاكرة إنها دمرت مجهود ثلاث سنين في ثانية واحدة.
​وراه، كانت أختي الكبيرة شيرين قاعدة مأنتخة على الكنبة بالبيجامة الستان، وماسكة بيبي مونيتور (جهاز مراقبة الأطفال) في إيدها.
​”لا شغلانة، ولا فلوس، ولا حتى بيت يلمك دلوقتي،” قالتها بابتسامة تشفي. “يمكن بعد كل ده تتعدلي وتتبطلي تنطيط وتفتكري إنك أحسن من بقية الناس.”
​باب باب غرفة الأطفال اللي وراها كان متوارب سنة.
​ابن أختي، ياسين، اللي عنده ثمان شهور، كان نايم في سابع نومة بسلام، ومش حاسس بأي حاجة من اللي بتحصل بره أوضته.
​رجعت بصيت تاني للاب توب اللي اتدشمل.
​تقديمي على حاضنة الأعمال للشركات الناشئة كان عليه.
​شغلي الفريلانس كله.
​نسخ من الأوراق والمستندات الخاصة بتركة بابا الله يرحمه.
​ثلاث سنين شغل، أمي قضت شهور تتظاهر إنه مش موجود، وعمالة تقول للقرايب والمعارف إني عاطلة، ومش مضبوطة، وعايشة حسنة في بيتها عشان هي اللي راضية تأكلني وتأويني تحت سقفها.
​”إنتي خلاص انتهيتي يا نورهان،” أمي قالتها ببرود. “بكرة الصبح هكون عند المحامي. ولما تطلعي من البيت ده، هتطلعي على ملا وشك ومن غير ولا مليم.”
​وطيت راسي، وسبت شعري ينزل يغطي وشي.
​ضحكت شيرين:
​”ياه، شوفوا! دي بتعيط بجد.”
​كان عندها حق.
​عيني كانت مليانة دموع.
​بس أنا ماكنتش بصلح أو بازعل على اللاب توب.
​أنا كنت بفتكر كلام بابا الله يرحمه لما قال لي من سنين، وهو قاعد على نفس ترابيزة الصالون دي:
​”لما حد يوريكي على حقيقته ويبين لك أصله، متستعجليش وتوقفيه. ركزي، وافتكري كل حاجة كويس.”
​وأنا أخدت النصيحة دي وعملت بيها بحذافيرها.
​على مدار الست شهور اللي فاتوا، كنت بسجل وثائق وبكتب كل حاجة بتحصل جوة البيت ده في السر.
​كل تهديد.
​كل إمضاء أو توقيع يثير الشكوك.
​كل كلام وقعدات كانوا فاكرين إن محدش سامعها.
​كل مناقشة حولين تحويل فلوس من تركة بابا لمؤسسة رعاية الأطفال الوهمية اللي شيرين عاملاها.
​كل ورقة ومستند كانوا فاكرين إني عمري ما هكتشفهم.
​وأهم حاجة، إن كل الأدلة دي ماكانتش موجودة بس على الكمبيوتر اللي أمي لسه دبت فيه وكسرته.
​مسكت يد شنطة سفري وزقتها ناحيتي:
​”اتفضلي، غوري بره.”
​رفعت راسي بالراحة.
​”إنتي متأكدة؟”
​حواجبها اتقفلت وعينيها أضايقت:
​”بتقولي إيه؟”
​بلعت ريقي وخليت صوتي يترعش بالقصيد:
​”ولا حاجة.”
​شيرين رفعت البيبي مونيتور وإدتني ابتماسية لئيمة:
​”بصي حواليكي كويس يا نورهان. بعد الليلة دي، إنتي مالكيش مكان في العيلة دي خلاص.”
​مسكت يد الشنطة كويس.
​كانوا فاكرين إنهم لسه طاردين بنت معهاش مليم ورايمينها في الشارع.
​كانوا فاكرين إن كسر اللاب توب معناه دمار كل شغلي ومجهودي.
​والأهم من ده كله، كانوا فاكرين إنهم مسحوا أي حاجة ممكن تثبت اللي كانوا بيعملوه من ورا الضهر.
​بس كانوا غلطانين.
​كل حاجة مهمة كانت محفوطة ومسحوبة على سيرفر محمي ومتقفل في مكان أمين ومحدش فيهم يقدر يوصله.
​وولما شيرين كانت بتلعب بالبيبي مونيتور كده بلامبالاة قدامي، ماكانتش تعرف إن في جهاز تاني كان شغال في الخفاء وبيتسجل فيه كل المكالمات والحكايات اللي هي وأمي ماكنوش متوقعين إن في مخلوق بره البيت ده هيسمعها.
​مسكت الشنطة ومشيت ناحية الباب.
​أمي ابتسمت بانتصار، وشيرين هي كمان ابتسمت.
​سبتهم يفرحوا.
​عشان كان في تفصيلة واحدة محدش فيهم يعرفها.
​على الساعة 12 بالليل بالضبط، النسخة المشفورة والأدلة كانت متبرمجة إنها تتفك لوحدها أوتوماتيك.
​ولما تتفك، الأدلة دي مش هتيجي لي أنا.
​دي هتتبعت مباشرة لحد تاني خالص.
​حد أمي بقالها ست شهور بتستموت عشان مايعرفش الحقيقة ويظل مخدوع.
​أول ما خرجت بره وسمعت الباب اترزع ورايا، بصيت في الساعة.
​11:42 بالليل.
​فاضل لهم بالضبط ثمانية عشر دقيقة عشان يفضلوا فاكرين إنهم كسبوا.
​المطر كان بينزل على وشي زي الإبر وأنا بجر شنطة سفري في مدخل الفيلا. ورايا، الفيلا كانت منورة بالنور الذهبي، شكله حلو بس قاسي، نفس الشكل اللي دايماً بتظهر بيه أكاذيب الأغنياء من بره.
​تليفوني رن وعمل فايبريشن قبل ما أوصل للبوابة الخارجية.
​شيرين: “أوعي تفكري ترجعي تزحفي لنا تاني.”
​وبعدها رسالة تانية.
​أمي: “لو اتصلتي بالمحامي، هقول للناس كلها إنك سرقتي من التركة.”
​وقفت تحت البوابة الحديد، والمطر كان بيبيد جاكيتي بالكامل.
​لثانية واحدة، كان نفسي أصرخ. كان نفسي أرجع أجروا للداخل وأرمي كل الحقيقة في وشهم زي الس.كينة.
​بس بدل ده، فتحت برنامج أوبر.
​وبعدين فتحت الفولدر المتشفر على الكلاود اللي مسمياه LULLABY (أغنية المهد).
​كل الملفات كانت هناك.
​البيبي مونيتور اللي شيرين كانت بتلعب بيه قدامي كان مجرد لعبة ديكور رخيصة. الجهاز الحقيقي كان جهاز المراقبة الذكي اللي أنا ثبته بنفسي بعد ما هي اشتكت إن الدادة بتسرق اللبن الصناعي بتاع الولد. الجهاز ده كان فيه إنذار حركة، وتجميع صوتي، والعيب الأهم والأفدى: إن شيرين عمرها ما غيرت الباسورد ولا بيانات الأدمن اللي أنا عملتهالها أول مرة.
​أول مقطع صوتي اشتغل.
​صوت أمي: “أول ما نورهان تتقلع من هنا، الأسهم هتنقل باسمنا بكل سهولة.”
​صوت شيرين: “ولو عصلجت وحاربت؟”
​أمي: “ساعتها نطلع التقرير الطبي. الناس دايماً بتصدق الأم.”
​أهو.. هو ده.
​الجواب بتاع دكتور مدحت، طبيب العيلة اللي أمي رشيته، عشان يكتب تقرير إن عندي مشاكل نفسية وغير مؤهلة لإدارة نصيبي في الورث. نفس التقرير اللي كانت ناوية تستخدمه عشان تطلعني بره وصاية تركة بابا.
​بس المشكلة إن دكتور مدحت كان خلاص اعترف بكل حاجة.
​من أسبوعين بالضبط، قعدت قصاده في كافيه على النيل وكان التليفون بيسجل بيننا، ونسخة من التقرير المزور في إيده اللي كانت بترتعش.
​”أنا ماكنتش اعرف إن إيفيلين هتستخدم الورقة دي في المحكمة،” قالها بصوت واطي ومخطوف.
​”لا، كنت عارف،” ردت عليه ببرود.
​وفي الآخر، وقع على الإقرار واعترافه الموثق.
​عربيات أوبر وصلت. ركبت ورصيت شنطتي، مبلولة وسكتة خالص.
​السواق بص لي في المراية: “خير يا أنسة؟ ليلة صعبة ولا إيه؟”
المطر التلج كان بينزل على وشي زي الإبر وأنا بجر شنطة سفري ناحية البوابة الخارجية.
​ورايا، الفيلا كانت منورة بالنور الذهبي، شكلها حلو بس قاسي، نفس الشكل اللي دايماً بتظهر بيه أكاذيب الأغنياء من بره.
​الظاهر إن المظاهر دايماً كانت أهم حاجة عند أمي.
​تليفوني رن وعمل فايبريشن.
​رسالة من شيرين:
​”أوعي تفكري ترجعي تزحفي لنا عشان نرجعك.”
​وبعدها بثواني، رسالة تانية من أمي:
​”لو اتصلتي بالمحامي، هعرف مصر كلها إنك سرقتي من تركة أباكي.”
​وقفت تحت البوابة الحديد.
​لثانية واحدة، كان كل جزء فيا عاوز يرجع. كان نفسي أرجع أجروا جوة البيت وأقول في وشهم كل اللي اعرفه.
​بس بدل ده، طلبت عربية أوبر.
​وبعدين فتحت الفولدر المتشفر على الكلاود اللي مسمياه LULLABY.
​كل الملفات كانت لسه هناك.
​تسجيلات صوتية.
​سجلات مالية.
​نسخ من المستندات.
​فيديوهات.
​تواريخ.
​أختام وتوقيتات بالثانية.
​نسخ احتياطية.
​شيرين كانت فاكرة إن البيبي مونيتور اللي رفعتوه في وشي ده مجرد جهاز بتراقب بيه ابنها.
​اللي ماكنتش تعرفه إن من شهور، لما اشتكت إن الدادة بتعمل مشاكل، أنا اللي ساعدتها وركبت نظام مراقبة ذكي.
​كان بيسجل أي حركة وبيعمل نسخ احتياطية للصوت.
​وشيرين عمرها ما كلفت نفسها تغيّر إعدادات الأدمن ولا الباسورد اللي أنا عملتهولها.
​فتحت أول تسجيل محفوظ.
​صوت أمي كان طالع واضح زي الشمس:
​”أول ما نورهان تتقلع من هنا، نقل الأسهم باسمنا هيبقى أسهل بكثير.”
​وترد شيرين:
​”ولو عصلجت وحاربتنا؟”
​أمي سكتت سنة وقالت:
​”معانا الجواب الطبي.. الناس دايماً بتصدق الأم قبل ما تصدق البنت.”
​غمضت عيني.
​هو ده.. الجواب بتاع دكتور مدحت.
​كان كاتب فيه إن عندي مشاكل نفسية وغير مؤهلة لإدارة نصيبي في الورث، وكان المفروض أمي تستخدمه عشان تطلعني بره وصاية تركة بابا.
​بس كان في مشكلة واحدة بس صغيرة.
​دكتور مدحت كان خلاص اعترف بكل حاجة وإن التقرير ده مزور.
​من أسبوعين بالضبط، قعدت معاه في كافيه هادي.
​حطيت نسخة من الورقة قدامه على الترابيزة.
​إيده بدأت ترتعش:
​”أنا ماكنتش اعرف إن إيفيلين ناوية تستخدم الورقة دي في المحكمة،” قالها بصوت واطي ومخطوف.
​بصيت في عينيه مباشرة:
​”لا، أنت كنت عارف هي عاوزاها ليه بالضبط.”
​وفي الآخر، وقع على إقرار رسمي موثق بيشرح فيه كل اللي حصل.
​وصلت عربية أوبر.
​ركبت في الكنبة الورانية.
​السواق بص لي في المراية وأنا مبلولة:
​”ليلة صعبة ولا إيه يا أنسة؟”
​بصيت على بيت طفولتي وهو بيختفي ورايا:
​”مؤقتاً بس.”

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *