رزعت اللاب
على الساعة 9:40 بالليل، وصلت مكتب الأستاذ كامل، المحامي المكتبي اللي ماسك ق.ضية الورث.
كان قاعد مستنيني، رابطة عنقه مفكوكة وجنبه كوباية قهوة وكوم أوراق.
بص للاب توب المكسور اللي تحت دراعي:
”هي عملتها بجد وكسرته؟”
حطيته على مكتبه:
”زي ما توقعنا بالضبط.”
”والنسخة الاحتياطية؟”
”على الساعة 12 بالليل.”
هز راسه:
”يبقى بكرة الصبح هنقدم طلب للنيابة والمحكمة بوقف عاجل وتدخل فوري.”
تليفوني رن.
أمي.
رديت.
صوتها فجأة بقى حنين وناعم:
”نورهان.. يمكن الأمور اتوترت زيادة عن اللزوم الليلة. تعالي البيت، اتأسفي لأختك شيرين، وربنا يسهل ونعمل لك مصروف شهري بسيط تقضي بيه حالك.”
سمعت ضحكة شيرين في الخلفية:
”ممكن تنام في أوضة الغسيل!”
بصيت من شباك المكتب على المطر بره:
”يا أمي، أظن المفروض تقومي تنامي دلوقتي.”
صوتها اتغير وفجأة بقى حاد:
”نعم؟ بتقولي إيه؟”
”بقولك هتتاجي الطاقة دي بكرة جداً.”
وقفلت الخط.
الساعة 11:59، الأستاذ كامل وصل تليفوني بالشاشة الكبيرة بتاعة غرفة الاجتماعات.
جت الساعة 12 بالليل بالضبط.
الفولدر المتشفر اتفتح.
الملفات بدأت تظهر ورا بعضها..
فيديوهات.
كشوفات حسابات بنكية.
إمضاءات وتوقيعات مزورة.
تسجيلات صوتية.
إقرار دكتور مدحت الموثق.
الأوراق المالية الخاصة بمؤسسة شيرين لرعاية الأطفال.. واللي كانت بتثبت إن الفلوس اللي رايحة للجمعية الخيرية كانت بتتصرف على مصاريفهم الشخصية.
الأستاذ كامل كان باصص للشاشة بذهول.
وفجأة، ظهر مستند تاني.
”نورهان…”
”في إيه يا أستاذ كامل؟”
كبر الشاشة..
كان الملحق الأخير والوصية الموثقة بتاعة بابا الله يرحمه.
قريت البند المكتوب مرتين عشان أصدق.
البند كان بينص صراحة: إن أي تزوير، أو إكراه، أو سوء سلوك يثبت بحجة قاطعة على إيفيلين أو شيرين، يتلغى حقهم فوراً وتتنقل السلطة والتصرف الكامل في التركة ليا أنا.
إيدي ثبتت مكانها تماماً.
أمي كانت فاكرة إنها بتدمر أضعف واحدة في العيلة..
ماكنتش تعرف إن تصرفها ده هو اللي فعّل البند اللي بابا كتبه بنفسه عشان يحميني ويحمي حقي.
الساعة 8:15 الصبح، أمي دخلت محكمة الأسرة والورث وهي لابسة العقد اللؤلؤ وشايلة وش الثقة بتاع واحدة داخلة تكسب ق.ضية مضمونة.
شيرين كانت ماشية وراها وشايلة ابنها.
لما شافتني قاعد جنب الأستاذ كامل، ابتسمت بياخة:
”يا خسارة يا نورهان.. شكل وشك تعبان أوي. هو اللوكاندة الرخيصة اللي نمتي فيها كانت وحشة للدرجادي؟”
أمي قربت مني وهي معدية:
”دي آخر فرصة ليكي. اتأسفي، وتعالي معايا بالهدوء، وبدال ما أبلغ عنك بتهمة السرقة.”
رفعت راسي وبصيت لها:
”اقعدي يا أمي وسكتي.”
وشها اتغير في ثانية.
وقبل ما تنطق، القاضي دخل وقعد على المنصة.
في أول القعدة، أمي قعدت تمثل دور الأرملة المظلومة اللي خايفة على تركة جوزها.
وقعدت تتكلم عن المسؤولية العائلية.. وعن إني غير مستقرة نفسياً.. وخايفة عليا من إدارة الفلوس.
وشيرين كل شوية تهز رأسها بتأييد.
لحد ما الأستاذ كامل وقف:
”سيادة القاضي، بنطلب وقف عاجل وصفي لأي تصرف من السيدة إيفيلين، وتجميد الحسابات الخاصة بالتركة، وتحويل الأدلة للنيابة العامة للتحقيق.”
أمي ضحكت باستخفاف:
”إيه العبط ده!”
الأستاذ كامل شغل الشاشة العارضة في القاعة.
وفجأة.. أمي سمعت صوتها طالع في القاعة كلها:
”أول ما نورهان تتقلع من هنا، نقل الأسهم باسمنا هيبقى أسهل بكثير.”
وش شيرين اتخطف وأصفر في ثانية.
وراه اشتغل التسجيل التاني..
وبعدين الكشوفات البنكية..
وحسابات الجمعية الوهمية..
والتقرير الطبي المزور..
وإقرار دكتور مدحت الموثق.
المحامي اللي كان جاي مع أمي نزل القلم ووقف تدوين.
القاضي قعد يراجع الأوراق والمستندات بدقة شديدة.
أمي بصت لي بذهول ورعب:
”أنتي بتسجلي لعيلتك يا نورهان؟!”
بصيت في عينها بثبات:
”أنا حميت حقي وحق بابا من اللي كنتم بتعملوه.”
شيرين حضنت ابنها جامد وبصت لي:
”نورهان عشان خاطري! فكري في ابن أختك!”
الكلمة دي وجعتني أكتر من أي حاجة قالتها..
عشان أنا فعلاً كنت ب think فيه.
الولد ده مالوش ذنب، وما يستاهلش يكبر ويكتشف إن أمه وجدته بيسرقوا وبيزورو.
”أنا فعلاً بفكر فيه،”رديت عليها بهدوء.
على الضهر، كان صدر قرار رسمي بتجميد كل حسابات التركة لحين انتهاء التحقيقات.
وبعدها بأيام، اتعزلت أمي تماماً من الوصاية، والمؤسسة بتاعة شيرين بقت تحت التحقيق في قضايا فساد واختلاس.
دكتور مدحت اتعلم عليه وراح للتحقيق في النقابة.
وجوز شيرين، أول ما عرف بالتسجيلات واللغوصة اللي كانت بتحصل، أخد موقفه وبدأ يرتب أمور انفصاله.
أمي اتصلت بيا عشرات المرات.
وفي مرة ردت عليها.
”أنتي دمرتي العيلة دي يا نورهان!” قالتها وهي بتعيط بهستيريا.
ساعتها كنت واقفة في مكتبي الجديد.
الشمس كانت مالية المكان، وثلاث شاشات منورة قدامي، والبرنامج والشركة الناشئة اللي قضيت سنين بشغل عليها أخيرًا انطلقت.
”لا يا أمي،” قلتها بصوت هادي. “أنا كل اللي عملته إني ظهرت الحقيقة.. واللي حصل بعد كده كان نتيجة اختياراتكم أنتوا.”
وقفلت السكة.
بعد ست شهور..
شركتي انطلقت رسمياً من مكتب جديد في وسط البلد.
حاضنة الأعمال اللي أمي كانت بتتريق عليها هي اللي دعمت مشروعي ووفرت لي التمويل.
مشروعي كان متخصص في حماية وتوثيق المستندات والأدلة الرقمية—نفس التكنولوجيا اللي ساعدتني أحمي أوراقي لما افتكروا إنهم دمروا مستقبلي بكسر اللاب توب.
ابن أختي لسه بيجي يزورني لما الظروف بتسمح.
ساعات بيقعد يلعب على السجادة جنب مكتبي وأنا شغال.
وعلى الحيطة ورا مكتبي، في حاجة غريبة متعلقة..
الشاشة المكسورة بتاعت اللاب توب القديم.
ناس كتير بتسألني ليه شايلاها ومعلقاها كده؟
بديهم دايماً نفس الرد:
”عشان الشاشة المكسورة دي بتفكرني بالليلة اللي أمي افتكرت فيها إنها دمرت مستقبلي.. مع إنها في الحقيقة دمرت الحاجة الوحيدة اللي كانت حامياني من إني أكشف مستورهم.”