بنتي رمت شنطي على الرصيف
بنتي رمت شنطي على الرصيف وقالتلي: “خطيبى هيعيش هنا، أنتِ خلاص مش محتاجة كل المساحة دي”. ماجادلتهاش. أخدت حاجتي، فتحت الدفتر اللي شايالة فيه تحويشة 45 سنة وعديت الشارع. في نفس الليلة كلمت محامي عشان أشتري البيت اللي قصادها… بس هي ماكانتش تعرف السجل العقاري بتاع البيت اللي لسة واخداه مني فيه إيه.
الجزء الأول
— شنطتك جنبية الزبالة يا أمي! إبراهيم جاي يعيش معايا النهاردة، وإحنا محتاجين البيت ده عشان نبدأ حياتنا.
وأنا في سني ده، تسعة وستين سنة، عمرها ما جالي على بال إن بنتي الوحيدة هي اللي هترميني برة البيت اللي بنيته وشقيت فيه مع أباها.
في عصر اليوم ده، كنت راجعة من الكنيسة في شاريقي الهادي في شبرا. الشمس كانت لسة حامية على الرصيف، وأنا ماسكة شنطة إيدي الجلد تحت دراعي، زي ما متعودة من أكتير من عشرين سنة.
على بعد نص الشارع، لمحت شنطتين كبار لونهم أزرق مرميين جنب صفيحة الزبالة.
كانوا شنط هدمي.
واحدة منهم كانت مليانة لدرجة إن روبي البمبي كان طالع من السوستة.
سارة ظهرت عند باب الشقة وفي إيدها فنجان قهوة.
— كويس إنك جيتي —قالتها بكل بساطة—. وفرت عليكِ تعب التوضيب.
فضلت باصلها ومش مصدقة.
أنا اللي سهرت للصبح قدام مكنة الخياطة بأفصل زي المدارس عشان تروح مدرستها لبسها جديد ونظيف. بعت فساتين فرح وستاير ومفارش عشان أدفع مصاريف تعليمها وأعملها أعياد ميلادها، وحتى فرحتها في خطوبتها القديمة اللي كنت بفتخر بيها لحد النهاردة.
ودلوقتي بنتي اللي عندها خمسة وتلاتين سنة باصالي وكأني حتة كراكيب مالهاش لازمة.
— يعني إيه الكلام ده؟
— إبراهيم جاي يعيش معايا. أنتِ كبرتي يا أمي، ومش محتاجة كل المساحة دي. ممكن تقعدي كام يوم عند أي حد من طنطين الكنيسة.
— يا سارة، البيت ده بيتي.
ضحكت ضحكة صفرا وقالت:
— بيتي أنا كمان. أنا اللي بدفع الفواتير ومقيمة هنا من سنين. إبراهيم اتكلم مع واحد صاحبه يفهم في القوانين، ولو عايزة تلجأي للقضاء الجئي، وريني بقى فلوسك هتجيبلك محامين إزاي.
في اللحظة دي، سمعنا صوت الموتوسيكل وهو بيطلخ في الشارع.
إبراهيم وصل، على ضهره شنطة ومربوط وراه كرتونة. عنده اتنين وتلاتين سنة، بقاله مع بنتي تلات شهور بس، وعلى حد علمي ملوش أي شغلانة ثابته.
شال الخوذة وابتسم لما شاف الشنط على الرصيف.
— إيه يا حمايا العزيزة؟ ماشيين على فين؟ رايحة مصيف؟
سارة ضحكت.
حسيت بحاجة اتكسرت جوايا.
لسنين طويلة كنت بسيب بنتي تقرر نطبخ إيه، ونغير عفش إيه، وحتى أنهي أوضة أقعد فيها. وكانت دايماً بتغلف كل ده بعذر الإحسان.
”يا أمي أنتِ مش حمل طلوع ونزول سلم.”
”يا أمي سيبين أتصرف أنا في كل حاجة.”
”يا أمي ارتاحي أنتِ.”
وشوية شوية لقيت نفسي عايشة زي الضيفة في بيتي.
بس لما شفت هدومي مرمية جنب الزبالة، حاجة جوايا اتغيرت تماماً.
— ماشي —قلت.
سارة برشت بعينيها ومش مصدقة.
— بالسهولة دي؟
— بالسهولة دي.
شلت شنطي.
إبراهيم ابتسم بنصر ودخل الصالة وكأنه فتح عكا.
مشيت لحد الدكة اللي تحت شجرة الفيكس في أول الشارع. طلعت من الشنطة دفتر التوفير الأخضر بتاع البنك الأهلي، اللي بقالي عقود بشيل فيه كل قرش.
الجمعة اللي فاتت بس كنت ممتدة ومحدثة الحساب.
خمسة وأربعين سنة خياطة وشقا كان ليهم رقم في الدفتر.
ورقم سارة عمرها ما كانت تتخيله في أحلامها.
رفعت عيني.
قصاد بيتي بالظبط، كان فيه بيت تاني أصغر، واجهته بيضا وفيه شباك ألوميتال كبير، ومكتوب عليه يافطة:
للبيع. من المالك مباشرة.
ابتسمت لأول مرة في اليوم ده.
بنتي كانت فاكرة إنها سابتني من غير مأوى.
اللي ماكنتش تعرفه إن قبل ما الأسبوع ده يخلص، هكون بقيت جارتها الجديدة وش في وش.
واللي هتكتشفه بعدين عن البيت اللي فاكرة إنها طردتني منه… هيكون ألعن وأمر.
الجزء الثاني
سبت الشنط في دكان بقالة عم مجدي، جارنا اللي كان يعرف جوزي المرحوم إبراهيم من عشرات السنين.
— ست هدى —قالها وهو باصصلي باستغراب—، إيه اللي حصل؟
— بعدين هحكيلك يا عم مجدي. الأول بس محتاجة مفاتيح البيت اللي قصادنا.
صاحب البيت، عم حلمي، كان عزّل وقعد مع عياله في الإسكندرية وبقاله شهور بيحاول يبيعه. وكان سايب نسخة من المفاتيح مع عم مجدي عشان يوري البيت لأي حد عايز يشتري. لما قلتله إني عايزة أشوفه عشان أشريه، بصلي وكأنه سمع غلط.
— تشتريه؟
فتحت دفتر التوفير بتاعي بالراحة ومن غير ما حد ياخد باله. ملامح وشه اتغيرت تماماً.
بعد نص ساعة كنت بتمشى جوة البيت الفاضي. كان بيت متواضع: أوضة نوم، مطبخ، حمام، صالة صغيرة، وشباك كبير على الشارع ينفع جداً أحط قدامه مكنة الخياطة. كانت ريحته تراب وخشب مقفول… بس بالنسبة لي، كانت ريحة الحرية.
من جوة البيت اتصلت بالمحامي عشان نخلص الإجراءات. البيت كان معروض بمليون واربعمية ألف جنيه.
— أقدر أدفع المبلغ كاش من غير تقسيط —قلتله—. لو الأوراق جاهزة ومضبوطة، نخلص بكرة الصبح.
سكت ثواني على الناحية التانية من التليفون من الصدمة.
تاني يوم الصبح، نزلت على مكتب الشهر العقاري وأنا لابسة أشيك تاير رمادي عندي، اللي كنت مفصلاه بإيديا من سنين. قريت كل ورقة بتركيز قبل ما أمضي. على الساعة حداشر وتلت كنت مستلمة المفاتيح… البيت بقى بيتي رسمياً.
في نفس اليوم، اتفقت مع اثنين صنايعية من المنطقة عشان يبيضوا الحيطان، ويصلحوا الفيش، ويظبطوا السباكة. والست أم أحمد وبنتها جوم يفتدوا معايا ويتعاونوا في التنظيف.
أول ما السقالات وجرادل البوية بدأت تدخل البيت، سارة خرجت من الشقة ووراها إبراهيم.
— أمي! أنتِ بتعملي إيه هنا؟
— بأوضب بيتي.
سارة ضحكت بتريقة.
— بيتك؟
طلعت المفاتيح ووريتها لها.
— اشتريته النهاردة الصبح.
ضحكتها اختفت فجأة.
— اشتريتيه بإيه؟ ومنين؟
— من شقايا وتعب خمسة وأربعين سنة خياطة.
إبراهيم اتدخل وقرب وقال:
— جر إيه يا ست هدى، ما نكبرش الموضوع بقى. عايزة تقنعينا إن كان معاكِ كاش أكتر من مليون جنيه وشايلاهم، وبنتك بتطحن عشان المادة؟
بصيتله بجمود:
— بنتي عمرها ما جاعت ولا انقطعت عن حاجة. مشاكلها بدأت لما بلبلت بين الاحتياجات وبين الدلع والمنطرة.
سارة وشها احمر من الغضب:
— أنا بنتك! كان ممكن تساعدينا!
— ساعدتك خمسة وأربعين سنة. اللي مش هصرف عليه بقى هو اثنين كبار بالغين عايزين يعيشوا على قفا تعبي وشقايا.
إبراهيم برطم بكلام مش مفهوم وربّع إيديه.
في اللحظة دي طلعت ملف من الشنطة.
— وبما إننا بنتكلم عن الفلوس، امبارح راجعت أوراق البيت القديم مع المحامي.
سارة قطع نفسها لثانية.
لما إبراهيم جوزي اتوفى، الشقة كانت متسجلة باسمنا إحنا الاثنين. حصته اتوزعت بحسب الإعلام الشرعي والقانون بيني وبين سارة. أنا ليا فيها التلتين وهي ليها التلت (خمسة وسبعين في المية ليا، وخمسة وعشرين في المية ليها).
إبراهيم (خطيبها) كان مفهم سارة إنها عشان عايشة في الشقة، فمن حقها تقوش عليها وتملكها. بس الكلام ده ملوش أي أساس من الصحة.
— من أول الشهر الجاي —قلت بوضوح—، قدامكم حل من اثنين: يا تمضوا عقد إيجار لحصتي وتدفعوا تمان تلاف جنيه في الشهر، يا إما المحامي هيstart في إجراءات بيع المزاد والتصفية.
— أنتِ ما تقدرش تعملي معايا كده! —سارة صرخت—. دي شقتي!
— ليكِ فيها نيب، مش الشقة كلها.
إبراهيم وشه جاب ألوان واصفرّ. بس اللي جاي كان أتقل.
— وغير كده، عدادات المية والنور والنت اللي باسمي أنا قدمت على إيقافها النهاردة. مش أنتم عايزين استقلالية؟ تمام، تقدروا تروحوا ببطاقاتكم وتعملوا عقود جديدة باسمكم وتدفعوا من جيبكم.
سارة لفت لإبراهيم وهي مصدومة:
— أنت مش قلت لي إن صاحبك المحامي راجع كل حاجة وتأكد إن البيت بتاعي؟
هو نزل عينه في الأرض وما ردش.
لأول مرة أشوف نظرة الخوف في عين بنتي. مش الخوف من إنها تخسرني… لا، الخوف من إنها تكتشف إن الراجل اللي رمت أمها عشان خاطره، طلع بيخدعها وبيشتغّلها من أول يوم.
بس دي كانت مجرد بداية سقوط إبراهيم.
ولما سارة تكتشف اللي هيعمله بعد كام أسبوع… السكينة هتسرقها ومش هيلاقي حاجة يداري بيها الحقيقة.
الجزء الثالث والأخير
مرت الأسابيع الأولى وأنا متفرغة تماماً لبيتي الجديد. حطيت مكنة الخياطة قدام الشباك الكبير، وبدأت أرجع لزباني القدام بتوع شبرا اللي فرحوا جداً لما عرفوا إني بقيت ساكنة وش في وش مع شقتي القديمة. من مكان قعدتي قدام الشباك، كنت بلمح اللي بيحصل على الرصيف التاني كأني قاعدة في الصالة عندهم.
أول حاجة ات قطعت كانت الكهربا والمية بعد ما المهلة خلصت. سارة وإبراهيم اتفاجئوا بالواقع؛ القعدة في الضلمة والحر خلّتهم يتخانقوا بأعلى صوت في الشارع. اضطر إبراهيم يروح يدفع المبالغ المطلوبة ويمشي في إجراءات العقود الجديدة من جيبه، وده طير جزء كبير من الفلوس القليلة اللي كانت معاه.
بس ده ماكانش أتقل كارت.
بعد شهر بالتمام، وصل لسارة جواب رسمي على البوسطة من مكتب المحامي: إشعار بدفع إيجار حصتي (تمان تلاف جنيه) أو البدء فوراً في إجراءات “دعوى فرز وتجنيب” وبيع الشقة في المزاد العلني بمرور ستين يوم.
في نفس الليلة، سمعت صوت دبة رجليها وهي معدية الشارع. سارة خبطت على بابي بانهيار.
— أمي! أنتِ بجد هتبرمي عقود بيع للمزاد؟ عايزة ترمي بنتك الوحيدة في الشارع عشان خاطر الفلوس؟
— أنا مرميتش حد يا سارة —رديت بهدوء وأنا بصلح ياقة فستان شغال فيه—. أنتِ اللي رميتي هدومي جنب صفيحة الزبالة لما افتكرتي إني مالياش قيمة ولا مأوى.
— إبراهيم هو اللي قالي إن القانون معانا!
— وإبراهيم فين دلوقتي؟
سارة سكتت ودموعها نزلت.
الحقيقة بدأت تتكشف بسرعة؛ إبراهيم ماكانش جاهز لا للبيت ولا للجواز. لما اكتشف إن الشقة مش ملك سارة بالكامل، وإن مفيش توريث أو بيع يقدر يعمله من ورايا، وإن فيه مصاريف وإيجار مطلوبين كل شهر، طبعه الحقيقي ظهر.
في الأسبوع التاني، إبراهيم اختفى.
أخد شنطته والكرتونة بتاعته وركب موتوسيكله وما رجعش. مش بس كده… سارة اكتشفت إنه استلف منها تحويشة صغيرة كانت شايلاها على جنب، وأخد فيزا مشتريات باسمها وسحب منها مبالغ كبيرة قبل ما يخلع ويدور على صيدة جديدة.
جتلي سارة بعد ثلاثة أيام من اختفائه، وشتان بين اللي رميت شنطي على الرصيف وبين اللي واقفة قدامي دلوقتي. كانت باهتة، عينها مانامتش، ومكسورة تماماً.
قعدت على الكرسي الخشب قدامي ونزلت على ركبها مسكت إيدي.
— سامحيني يا أمي… أنا أتعميت. افتكرت إنه بيحبني، واكتشفت إنه كان عايز شقة يضمنها وفلوس يعيش عليها. أنا أسفة.. ارجعي بيتك يخليكِ.
سحبت إيدي بالراحة بس بحزم.
— البيت القديم هتأجريه يا سارة، وهتدفعيلي حصتي من الإيجار كل شهر. وأنتِ هتدوري على شغل وهتعتمدي على نفسك عشان تسددي ديونك للبنك.
— وأنتِ يا أمي؟
— أنا هنا في بيتي —قلت وأنا بشاور على بيتي الأبيض المنور اللي اشتريته بعرقي—. البيت ده بتاعي، ملكي أنا وبس.
سارة اتعلمت الدرس الأقسى في حياتها؛ إن الأُمومة مش معناه استباحة، وإن الشقا اللي بيبني البيوت مش بيضيع بالساهل.
دلوقتي، كل يوم الصبح، بفتح شباك صالوني الكبيرة، أسمع صوت المكنة وهي شغالة، وأبص على الشارع اللي قضيت فيه عمري… وأنا عارفة كويس إن القيمة مش في الحوائط ولا المساحة، القيمة في الكرامة اللي ما تتقدرش بأي مال.