الشر.طة خبطت على بابي
الشرطة خبطت على بابي الساعة 4 الصبح وقالوا: “ابنك اتوفى في المستشفى”. بس لما بصيت ناحية المطبخ، لقيت ابني عنده 9 سنين قاعد بيفطر قدامي. ما اتناقشتش؛ مسكت تليفوني وطلبت أشوف الملف. وساعتها ظهرت تفصيلة صغيرة حولت الغلطة دي لشيء أظلم بكتير.
الجزء الأول
— أستاذ أحمد، أنا آسف إني ببلغك، بس ابنك معاذ اتوفى النهاردة الساعة أربعة الصبح.
الظابط قال الكلمتين دول على باب شقتي، وفي نفس الوقت، على بعد أقل من عشرة متر مننا، كان ابني عنده تسع سنين قاعد بياكل ك think ويجمع طيارة بلاستيك على ترابيزة المطبخ.
للحظة حسيت إني سمعت غلط.
— كرري الاسم تاني كده معلش؟
الظابط بص في الورقة اللي كانت في إيده.
— معاذ أحمد سالم. تسع سنين. اتوفى في مستشفى الأطفال التخصصي في الدقي.
فتحت الباب على آخره.
— ابني قاعد في المطبخ جوه.
الظابط الشاب بصلي كأني بقول كلام مش منطقي خالص.
أخدته من إيده ولحد جوه.
معاذ رفع عينه من الطيارة.
— صباح الخير يا باشا.
الظابط وقف في مكانه مذهول.
أنا اشتغلت تقريباً ثلاثين سنة في التفتيش عن النصب والاحتيال لشركات التأمين. اتعلمت وما بعتمدش على ورق ولا إمضاءات ولا صدق الصدف اللي باينة مثالية زيادة عن اللزوم. بس ما فيش حاجة في الدنيا كانت هتقدر تجهزني لإني أشوف شهادة وفاة باسم ابني وهو قاعد قدامي بحجمه وشكله، حي يرزق.
فجأة الظابط بص ناحية باب البلكونة الازاز اللي مطل على الجنينة.
وشه اتغير تماماً.
كان في راجل بدقن سودة واقف بره، حاطت إيده على أكرة الباب.
— يا أستاذ، ابعد عن الباب فوراً!
الراجل الغريب شافنا، ساب الأكرة وجري ناحية الشارع.
في أقل من خمس دقايق كانت العربيات بتاعة الشرطة مالية الشارع قدام البيت.
لقوا جنب السور كارنيه موظف في المستشفى يخص واحدة ست.
مش للراجل اللي لسه شايفينه بيجري.
كلمت جارتنا، الحجة جيهان، ممرضة بالخارجية وعارفة معاذ من يوم ما اتولد، وطلبت منها تقعد معاه.
قبل ما أتحرك على المستشفى، ابني مسك في قميصي.
— بابا…
وشه كان أصفر ومخطوف.
— لو ماما كلمتك، أوعى تقولها إني حكيتلك عن البيت اللي جنب الشاليهات في القناطر.
حسيت بنغزة جامدة في صدري.
— بيت إيه يا معاذ؟
معاذ وطي صوته خالص.
— البيت اللي عايش فيه الولد اللي شبهي بالظبط.
ما كانش في وقت أسأله أكتر من كده.
في الطريق كلمت مراتي، نيرة، ست مرات.
ما ردتش خالص.
كان المفروض إنها نازلة بدري عشان عندها اجتماع شغل.
في المستشفى كانت مستنياني الرائد سارة من المباحث.
على الترابيزة كان في ملف طبي مفتوح.
الاسم: معاذ أحمد سالم.
تاريخ الميلاد: نفس تاريخ ميلاد ابني.
العنوان: عنوان بيتي.
التأمين الطبي: البرنامج العائلي اللي شركتي بتدفعه من سنين.
بس الملف ده كان شغال بقاله ست سنين.
عمليات في القلب.
حجز في المستشفى.
أدوية شهرياً.
متابعات مع دكاترة واستشاريين.
أكتر من مية وخمسين مطالبة تأمين بمبلغ قرب من أربعة وعشرين مليون جنيه.
معاذ ابني عمممره ما عمل عمليات.
ولا حتى قضى ليلة واحدة حجز في مستشفى.
— الطفل اللي اتوفى الفجر ده كان بياخد العلاج ويتعالج باسم ابنك بقاله ست سنين — الرائد سارة قالتلي.
بعدها حطت صورة قدامي.
كان طفل عنده حوالي سبع سنين، جسمه ضعيف، نايم على سرير مستشفى وحاضن دبدوب صغير.
كان ليه نفس العينين الرمادي.
نفس عينين معاذ.
نفس عينين نيرة.
— عندنا تسجيلات من كاميرات الجراج — سارة كملت كلامها.
عرضتلي فيديو.
الساعة 5:31 الصبح، بعد ما سابوا الولد المتوفي، في حد خرج من المستشفى عربية جيب فضي.
عرفت أرقام النمر في نفس اللحظة.
دي كانت عربية مراتي.
في الليلة دي، نيرة رجعت البيت الساعة سبعة وتلت، وجايبة معاها حواوشي من المكان اللي معاذ بيحبه.
پست ابني في دماغه.
وابتسمتلي.
— يوم كان صعب أوي ومزحوم. كل حاجة تمام هنا؟
بصيت فيها وفهمت إني بقالي حداشر سنة متجوز ست تقدر تقعد تاكل وسطنا عادي بعد ساعات قليلة من ما سابت طفل يموت في مستشفى وهو متسجل رسمياً باسم ابننا.
والألعن من كده إني لحد اللحظة دي ما كنتش عارف مين الطفل ده.
ولا ليه معاذ كان بيقول إنه شبهه.
ولا مين الراجل اللي كان بيحاول يدخل بيتنا.
بالليل، ونيرة نايمة جنبي، افتكرت حاجة معاذ كان قالها من كام أسبوع.
المنبه الجديد اللي أمه حطتهوله في أوضته.
طلعت الأوضة من غير ما أعمل أي صوت.
بصيت على الجهاز كويس.
وشفت نقطة سودة صغيرة جداً ورا الشاشة.
ده ما كانش منبه عادي.
دي كانت كاميرا مخفية متوجهة على سرير ابني بالظبط.
في اللحظة دي فهمت إن موت معاذ المزور ما كانش غلطة ولا بالصدفة.
في حد بقاله شهور بيجهز لحاجة كبيرة.
وما كنتش متخيل الحقيقة اللي كنت على وشك أكشفها…
اليوم اللي بعده ما واجهتش نيرة. ده كان بالظبط اللي هي مستنياه. كلمت الرائد سارة. فني الكاميرات جه وفحص المنبه وأكد شكوكي: كان فيه كاميرا مخفية متوصلة بالنت وبتنقل كل حاجة كل ليلة بقالها تلات شهور. مراتي كانت بتراقب ابننا وهو نايم.
بس ما كانش ده الأسوأ.
الشرطة لقوا جهاز تاني مستخبي جوه فيشة الكهربا في مكتبتي. الجهاز ده كان بقاله يجي عشرين شهر بيسجل مكالماتي، حواراتي مع المحامين، أموري المادية، وحتى الكلام اللي كنت بكلمه لنفسي وأنا براجع الورق. نيرة ما كانتش بس بتراقب معاذ.. كانت بتدرسني أنا كمان.
الظهر أخدت ابني وسألته عن البيت اللي جنب الشاليهات في القناطر. معاذ سكت كذا ثانية قبل ما يتكلم:
— ماما أخدتني هناك من حوالي تلات شهور.. قالتلي رايحين نزور صاحبتها.
— مين كان هناك؟
— راجل وولد رفيع خالص.. ماما كانت بتناديه سيف.
جسمي اقشعر.
— عملتوا إيه هناك؟
— ماما طلبت مننا نغير التيشيرتات ونبدلها مع بعض، وبعدها صورتني بتليفونها.. وقالتلي بص للكاميرا وقول: “أنا معاذ أحمد وطالع النهاردة حاسس إني أحسن كتير”.
ما بقاش عندي أي شك.. نيرة كانت بتعمل أدلة ومستندات مزيفة عشان تثبت إن الطفل العيان اللي في المستشفى وابني هما نفس الشخص.
— شفت الراجل اللي كان في جنينة بيتنا الصبح؟
معاذ هز راسه.
— أيوه هو.. كان موجود في البيت بتاع سيف.
وفجأة فتح شنطته، وطلع كشكول الحساب. في صفحة من الصفحات كان كاتب أرقام عربية وتواريخ.
— الراجل ده ركن عربية جيب سودة جنب مدرستي تلات أيام.. وفي مرة قال لي لو حسيت في يوم إنك تعبان ممكن أوديك لماما. بس أنت كنت قايلي لما حد كبير يحسسك بالخوف أو يعمل حاجة غريبة، ما أتكلمش معاه وأبعد وأكتب كل حاجة.
دورت وشي الناحية التانية عشان ابني ما يشوفش الدموع اللي اتملت بيها عيني.
الشرطة جابت بيانات الراجل. اسمه برعي رجب. كان شغال في شركتي من كام سنة، وأنا بنفسي اللي كنت طارده بعد ما اكتشفت تجاوزات واختلاسات مالية عنده.
بس المفاجآت كانت لسه بتبدأ.
المحامي بتاعي لقي ضمانة قرض بـ 40 مليون جنيه لشركة نقل وتوصيل.. توقيعي كان موجود في آخر الورقة.. طبعاً كان مزور. والمفوض اللي سلم الأوراق للبنك كانت نيرة.
بعدها المحاسب بتاعي جالي ومعاه سجلات متدارية بقالها 14 شهر.. تحويلات.. فواتير وهمية.. فلوس مبعوتة لجمعية أهليّة اسمها “جمعية الإشراق”.
وهناك ظهر اسم.. إبراهيم جودة. صاحب شركة شحن وتفريغ صغيرة، وهو نفسه صاحب البيت اللي جنب الشاليهات في القناطر.. وأبو الطفل سيف.
سوقت عربيتي ورحتله هناك ومعايا المحامي. إبراهيم فتح الباب.. كان باين عليه إنه راجل مكسور ومدمر. على الكرسي بتاع السفرة كان لسه موجود الدبدوب اللي شفته في صورة المستشفى.
— أنت أستاذ أحمد سالم؟ — سألني.
— أيوه.
وشه أصفرّ والدم هرب منه. حطيت الملف الطبي على الترابيزة.
— بقالها ست سنين ابنك بياخد العلاج وبيتعالج باسم ابني.
إبراهيم جسمه بدأ يترعش.
— نيرة قالتلي إن ده وضع مؤقت.. قالتلي هتحل مشكلة التأمين.
— أنت تعرف مراتي من إمتى؟
بصلي وما ردش في ساعتها. أخته اللي كانت قاعدة جوه غمضت عينها بتعب. إبراهيم اتكلم في الآخر:
— من قبل ما هي تتعرف عليك أساساً.
حسيت إن الهواء اتسحب من الأوضة.
— سيف كان ابن نيرة.
الكلام أخد كذا ثانية عقبال ما استوعبته. إبراهيم قام وجاب ورقة متطبقة.. كانت ورقة نعوة الجنازة.
”سيف إبراهيم جودة، 7 سنين. ابن إبراهيم جودة ونيرة صبري.”
وتحت خالص كان فيه جملة خلت إيدي ترتجف:
“وَيودعه أيضاً أخوه الأكبر، معاذ.”
مراتي كان عندها عيلة تانية كاملة بقالها سنين أنا وابني ما نعرفش عنها أي حاجة!
بس إبراهيم حلف إنه هو كمان ما كانش يعرف الحقيقة كاملة. وقبل ما يلحق يشرح أكتر، تليفوني رن. كانت الرائد سارة.
— أستاذ أحمد.. إحنا لسه لاقيين اللاب توب بتاع نيرة.
— فيه إيه؟
سارة سكتت لحظة..
— فولدر كامل فيه تسجيلات بصوتك، عينات لتوقيعك، أوراق الوديعة والتأمين بتوع معاذ.. وملف مكتوب عليه “Plan B”.
— مكتوب فيه إيه؟
سمعت صوت أوراق وصوت حركة جنبية، وبعدها سارة ردت بصوت مرعوب:
— أستاذ أحمد.. أوعى ترجع البيت! وروح هات معاذ فوراً في ساعتك!
— ليه؟!
— لأن الخطة ما كانتش واقفة عند النصب والتأمين بس.. مراتك كانت بتجهز حاجة ليك أنت شخصياً.. وبرعي كان واخد تعليمات تخص ابنك مباشر.
اللي لقوه جوه الملف ده غير كل حاجة كنت فاكر إني عارفها…