من غيري كنتِ هتسرحي شحاتة في الشوارع

—من غيري كنتِ هتسرحي شحاتة في الشوارع، فبلاش تعملي فيها الشريفة العفيفة وتعودي على نسواني —قالها سامح وهو بيطفي رماد السجارة على الأرض اللي كانت نهى لسه مسحاها حالا.
​هي ماردتش.
​كانت قاعدة على حرف الكنبة المتهالكة في البيتون القديم ده على أطراف التجمع، وبتتفرج على جوزها وهو حاطط جزمته المتربة على ترابيزة السفرة. من ثلاث سنين، الكلام ده كان يخلي دموعها تنزل ما تقفش. دلوقتي، يادوب بيخليها تتأثر.
​سامح كان فاكر إن سكوتها ده خوف.
​ماكانش يعرف إن دي كانت لحظة الوداع.
​—وعمليلنا عشا عدل —زود كلامه—. إنجي جاية كمان ساعة. مش عايز القرف والوش المكسور ده لما توصل.
​إنجي كانت سكرتيرته. وكانت كمان ثالث واحدة يعرفها عليها سامح.
​نهى لفت براحة ناحية الشباك.
​ثلاث عربيات جيب سودا فاميه لسه واقفين حالاً قدام البوابة.
​ولأول مرة من شهور، ابتسمت.
​—بتضحكي على إيه؟ —سألها سامح.
​—عندنا ضيوف.
​سامح شد الستارة على جنب وشبه اتخض لما شاف كمية رجالة ببدل نازلين من العربية. ومن العربية اللي في النص، نزل راجل عدى الستين، شيك جداً، شعره أبيض، وماشي بقلب جامد.
​نهى عرفته من أول لحظة.
​حسين باشا علام.
​أبوها.
​—مين ده يا بنتي؟
​—بابا.
​سامح ضحك ضحكة متوترة.
​—أبوكي؟ أنتِ مش قايلالي إنك مالكيش دعوة بأهلك ولا ليكي حد؟
​—قلتلك إن قررت أبعد وأعيش مع نفسي. أنت اللي عمرك ما طلبت تتعرف عليهم.
​ثلاث خبطات جامدين رنوا على الباب.
​سامح جري يظبط قميصه.
​أول ما فتح، دخل راجلين الأول. ووراهم دخل حسين باشا.
​عينيه لفّت في المكان: الحيطان المتقشرة، الطقطوقة المليانة سجاير، علم الجزمة على الترابيزة، وأخيراً وش بنته.
​—نهى.
​هي وقفت.
​طول ثلاث سنين كانت ب dofض أي زيارة منه. الليلة دي، ماقدرتش ترفض.
​—بابا.
​حضنها جامد.
​سامح كان واقف يبص وبؤه مفتوح.
​—أنا مش فاهم حاجة.
​حسين بعد عن بنته.
​—أنت بقى سامح الشناوي.
​—أيوه… يا باشا.
​—بنتي طلبت مني ما أتدخلش في جوازكم. كانت عايزة تثبت إنها تقدر تبني حياتها من غير اسم عيلة علام. وأنا احترمت رغبتها.
​بص تاني حوالين الأوضة.
​—لحد النهاردة.
​سامح بلع ريقه ببالعافية.
​—إحنا بس بنتشاكل عادي. أي اتنين متجوزين بينزلوا ويطلعوا في الكلام.
​—وهو العادي برضه إنك تجيب نسوانك البيت وتجبر مرتك تعملهم العشا؟
​سامح بص لنهى بغل.
​—أنتِ حكيتيلو؟
​فضلت واقفة مكانها ما تحركتش.
​حسين طلع دوسيه من الجاكتة بتاعته.
​—لم حاجتك.
​—إيه؟
​—الليلة دي مش هتبيت هنا.
​سامح ضحك بقلة حيلة ومش مصدق.
​—أنت مش من حقك تطردني من بيتي! البيت ده ملك ستي الله يرحمها. ده ورثي.
​حسين فتح الدوسيه وحط قدامه صورة طبق الأصل من الشهر العقاري.
​—ستك باعت البيت ده من ثلاث سنين.
​سامح نفسه اتطلع منه بالعافية.
​—ده كلام فارغ وكدب!
​نهى قربت من الترابيزة.
​—لا مش كدب. أنا اللي اتكلمت معاها.
​سامح رفع عينيه ليها بالراحة.
​—أنتِ؟
​—ستك كانت عارفة أنت إيه كويس أوي. باعت البيت بمحض إرادتها قدام النوتر، وأخدت فلوس تعيشها ملكة بقية حياتها.
​—ومين اللي اشتراه؟
​نهى بصت في عينيه بثبات.
​—شركة من شركات مجموعة علام.
​سامح بص للورقة تاني.
​ولقط اسمها بالكامل مكتوب في الأوراق الرسمية.
​نهى علام.
​وشه اتخطف والدم هرب منه.
​—يعني… يعني إيه الكلام ده؟
​أخدت نفس عميق.
​—يعني بقالك ثلاث سنين بتهين وتخون وتذل في الست اللي كنت فاكر إن مالهاش ظهر ولا مأوى.
​في اللحظة دي، صوت عربية تانية اتسمع بره.
​نهى بصت ناحية الباب.
​—أكيد دي إنجي. مش قلت إنها جاية تتعشى برضه؟
​سامح فتح عينيه على أخرهم من الرعب.
​بس نهى لسه ما خلصتش كلامها، لأن البيت ده ماكانش آخر حاجة هيعرفها الليلة دي.
​ولا حتى هي نفسها كانت تتخيل سامح ممكن يعمل إيه لما يفهم حجم كل اللي خسروا في لحظة…
إنجي دخلت وهي لابسة فستان قصير، وكعب عالي، وابتسامة على وشها اختفت أول ما شافت الرجالة اللي ببدل واقفين في الصالة.
—سامح… في إيه؟
​محدش رد.
نهى بصتلها:
—تهيألي أنتِ الست اللي كانت جاية تتعشى هنا الليلة دي.
​إنجي بصت لسامح:
—أنت مش قايللي إنها تعتبر خلاص مشيت وسبتكم؟
​سامح انفجر فيها:
—اخرسي واطلعي بره!
​—لا —تدخل حسين باشا—. خليها واقفة دقيقة. يمكن ينفعها تعرف كانت ناوية تعيش مع مين.
​إنجي مربعة إيديها وهي مش فاهمة حاجة.
حسين حط دوسيه تاني على الترابيزة.
—سامح عنده اتنين وتلاتين سنة، اتطرد من كليتين، وحالياً شغال مدير وسطاني في شركة على قدها. وطول السنين دي عمال يتمنظر إنه عايش من ورث وأملاك عيلته.
​سامحجز على سنانه:
—ده كلام ملهوش دعوة بحضرتك.
​—الغريب بقى —كمل حسين كلامه— إن الأملاك دي هي كمان مش بتاعتك.
​سامح اتسمر مكانه.
—إيه؟
​نهى غمضت عينيها ثانية. من سنتين، كانت اكتشفت إن جوزها غرقان في الديون بسبب القمار والقروض والكروت الذكية. شقتين صغيرين كان وارثهم كانوا مرهونين للبنوك. ولما الديون قربت توديه في داهية والمزاد العلني هيفتح، هي اشترت حقوق الدفع والديون دي بشكل قانوني عن طريق صندوق استثماري مقفول. سامح عمره ما عرف. وكان فاكر إن القروض دي اختفت كدة بقدرة قادر بسبب “حظه الحلو”.
​—أنا اللي دفعت —قالتها نهى—. دفعت كل اللي عليك عشان كان لسه عندي أمل إنك تفوق في يوم من الأيام.
​سامح بص لها كأنه شايف واحدة غريبة قدامه لأول مرة.
—يعني أنتِ طول عمرك معاكي فلوس؟
​—عمري ما قلت إني معيش.
​—أنتِ خدعتيني!
​نهى ضحكت ضحكة كلها مرار:
—أنا اللي خدعتك؟ أنا اللي كنت بلاقي ريحة برفان حريمي على قمصانك. أنا اللي شفت الرسائل. أنا اللي سمعتك ووداني دي بتسمعك وأنت بتتفشخر قدام صحابك وبتقول إنك تقدر تنام مع أي واحدة براحتك لأن مرتك “حيلتهاش حتا القماش اللي تستر بيها نفسها ولا تروح بلكونة فندق”. والنهاردة جاي تدخل صاحبتك لغاية سفرتي!
​إنجي اتراجعت لورا خطوتين:
—سامح قاللي إنك ست مالكيش أهل. وقال كمان إنك… تقيلة على قلبه، وإنه قاعد معاكي شفقة ورأفة بيكي.
​السكوت نزل على الأوضة زي الحجر.
سامح لف لها وزعق:
—انزلي بره!
​إنجي ما استنتش إنه يكررها تاني
اللي المحامين اكتشفوه ماكانش مجرد ديون ولا بلاغات عادية… سامح كان بايع نفس الشقتين المرهونين للبنوك بتوكيلات مزورة لأكثر من شخص، وكان واخد تسقيع وقروض باسم نهى نفسها باستخدام صورة بطاقتها وتوقيع مزور منها من سنتين! يعني ماكانش مجرد جوز خاين ومستغل، ده كان متورط في قضايا تزوير ونصب واستيلاء على أموال.
​حسين باشا حط الأوراق قدام بنته وقال بنبرة هادية بس مرعبة:
—ده كده مش هيسلك من السجن أقل من عشر سنين… القضايا دي كفيلة تنهي حياته.
​نهى رفعت رأسها، وبصت في الأوراق بثبات:
—خلوا القانون ياخد مجراه بالمليم. مش هتنازل عن حق واحد.
​في نفس الليلة، سامح كان قاعد في كافيه في المهندسين مع صحابه بيتفشخر ومستني تليفون من محامي نهى عشان يساومهم على الستة مليون جنيه. كان فاكر إن الضغط الإعلامي هيخليهم يخافوا على سمعة “عيلة علام” ويدفعلوا الفلوس عشان يسكت.
​وفجأة، اتفاجئ بأربعة من رجال الشرطة داخلين عليه الكافيه.
​—سامح الشناوي؟
—أيوه أنا… في إيه؟
—مطلوب القبض عليك في بلاغات تزوير، واستيلاء، واستخراج عقود مزورة، ونصب.
​اتكلبش قدام كل الناس اللي كانوا قاعدين، وشه اصفر ورجليه ماكانتش شايلاه. حاول يتصل بوالدته، وحاول يتصل بالمحامي بتاعه، بس الكل بلغه إن الموقف مقفول تماماً والأدلة المستندية اللي قدام النيابة قاطعة.
​بعد ثلاثة أيام في التخشيبة، طلب سامح يقابل نهى بأي طريقة. نهى وافقت تروحله السجن ومعاها محامي العيلة.
​أول ما شافها من ورا السلك، كان شكله متبهدل، قميصه متوسخ، وعينيه دبلانة. مسك السلك بلهفة وقال بصوت بيبكي:
—نهى! الحقيني يا نهى! أنا آسف… والله العظيم آسف! الشيطان غواني، أرجوكي تنازلي عن القضايا، أنا ممكن أموت هنا! افتكري أي حاجة حلوة كانت بينا!
​نهى بصتله بمنتهى الهدوء، ومن غير ما تتردد لحظة، ردت عليه بصوت ثابت:
—افتكرت يا سامح… افتكرت لما كنت بتقولي “من غيري هتشحاتي في الشوارع”، وافتكرت لما كنت بتطفي السجارة قدام رجلي، وافتكرت لما كنت جايب صاحبتك البيت عشان تذلني… أنت مش زعلان إنك آذيتني، أنت زعلان إنك اتمسكت.
​—أنا بحبك يا نهى! أرجوكي ما ترمينيش الرمية دي!
​ابتسمت ابتسامة هادية وقالت:
—أنا ما رمتكش… أنت اللي رميت نفسك في البلاعة دي بقشعرك وطمعك. أنا بس بطلت أكون الستارة اللي بتغطي قرفك.
​سابت المكان ومشيت من غير ما تبص وراها، وصوت صريخه وتوسلاته يرن في الممر.
​بعد ستة أشهر، صدر الحكم على سامح الشناوي بالسجن ثماني سنوات مع الشغل والنفاذ، وإلزامه برد كافة المبالغ والمصروفات.
​أما نهى، فرجعت مسكت إدارة واحدة من أكبر شركات مجموعة علام، واستردت كل حقوقها، والبيت القديم في التجمع هدمته وبنت مكانه مؤسسة خيرية لرعاية النساء المعيلات والمطلقات.
​ولأول مرة من سنين، عاشت نهى حياتها وهي مرفوعة الرأس، عارفة إن قوتها الحقيقية ماكانتش في فلوس أبوها ولا اسمه… بل في كرامتها اللي ما سمحتش لحد يكسرها للأبد.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *