يادوب

في المستشفى، الدكاترة عالجوا حروق من الدرجة التانية كانت ممتدة على كتفي وأعلى صدري. أمين شرطة جه وصور كل حاجة، في الوقت اللي فريدة كانت قاعدة بتهديني وبمنتهى الهدوء والدقة.
​«تحبي تعملي محضر وتوجّهي تهم؟» أمين الشرطة سألني.
​«أيوا،» قلت له. «وعايزة كل حاجة تتثبت في المحضر.»
​على طلوع الشمس، شيرين كانت نزلت فيديو بتقول فيه إني أنا اللي دلقت الشوربة على نفسي عشان أتبلى عليها. كريم كان واقف وراها في الفيديو، وشه أصفر بس متساق وراها زي الخاتم في صباعها.
​«أمي مخها اتأثر،» قالها في الفيديو. «مبقتش متزنة من ساعة ما بابا اتوفى.»
​الكدبة دي وجعتني أكتر من الحروق نفسها.
​فريدة حطت تابلت على الترابيزة جنب السرير. «سحبوا وتمكنوا يحولوا تمانين ألف دولار من احتياطي الكافيه إمبارح بالليل.. ناويين يهربوا.»
​«خليهم يحاولوا.»
​على ما كريم وشيرين كانوا بيلموا شنط الماركات بتاعتهم وبيحضروا نفسهم، كانت فريدة بتفعل بنود الحماية بتاعة الصندوق. البنك جمد الحسابات المتقرصن عليها، وشركة العربيات وقفت عربيتهم الدفع الرباعي عن بعد. مجلس إدارة الكافيه وقف كريم عن العمل لحين انتهاء التحقيق في اختلاسات ومخالفات مالية. كل خطوة كانت قانونية، متوثقة، ومترتبة على مخالفات هو ماضي عليها بإيده. الإمضاء دي هي اللي هتبقى الحبل اللي يتلف حوالين رقبته وأحلامه.
​بس التكبر والافتراء عمى عينيهم وخلاهم متخلفين.
​رجوعهم للبيت كان بعد الضهر بشوية، ولقوا اثنين نجاريين بيغيروا كالون الأبواب. كريم جرى على الجنينة وهو بيزعق وبيصرخ:
​«أنتم اتجننتم؟ مش من حقكم تطردونا من بيتنا!»
​فريدة إدته ملف. «البيت ده ملك الصندوق.. وعقد إقامتك هنا اتلغى تماماً بعد الاعتداء والجريمة اللي وثقناها ضد المالك والوصي.»
​شيرين مسكت الورق وقطعته نصين وهي بتصرخ: «الست الكركوبة دي هي اللي إدتنا البيت ده!»
​«لا،» قلتها وأنا قاعدة في الكنبة الوراانية للعربية السودا. «أنا سبتكم تعيشوا فيه بس.»
​ولأول مرة، شيرين وكريم وراهم الخوف الحقيقي.. وكريم بصلي بذهول.
​ساعتها فريدة كشفت عن البند اللي كان ناسيه: أي مستفيد يمارس عنف، أو استغلال، أو يحاول يضر بالوصي أو يعجزه، بيترفع منه أي حق في الفلوس أو الريع. المصروف الشهري بتاع كريم، مرتبه من الشركة، امتيازات السكن، وميراثه المستقبلي كله بقى تحت التحفظ والمراجعة.
​وش شيرين جمد: «كل ده عشان حتة حادثة بسيطة؟»
​فريدة فتحت ملف تاني: «لا.. ده عشان تمنتاشر استمارة استرداد متزورة، وتلات تحويلات بنكية بدون إذن، وتسجيل صوتي لكم وأنتم بتتفقوا إزاي تحجروا على مدام الألفي وتثبتوا إنها غير أهلية.»
​السكوت نزل على المكان زي الصاعقة.
​قبل شهور، كنت ركبت كاميرات مراقبة مستخبية بعد ما أدوية من أوضتي بدأت تختفي. الكاميرات جابت شيرين وهي بتوشوش كريم جنب رخامة المطبخ:
​«أول ما يتثبت إنها خرفت، أنت اللي هتمسك الصندوق والفلوس كلها.. وساعتها نبيع كل حاجة.»
​كريم كان رادد عليها: «دوسي عليها بس وضغطيها زيادة.. هي هتتكسر لوحدها.»
​هما مكنوش بس بيهينوني.. هما كانوا بيحاولوا يسرقوا شقا عمري وحياتي ورقة ورقة.
​شيرين اندفعت ناحية العربية وهي بتصرخ وتزعق إن التسجيلات دي غير قانونية. كانت غلطانة.. الأماكن المشتركة ملك الصندوق، ويافطات المراقبة بالكاميرات كانت متعلقة وواضحة عند كل المداخل.
​البوليس وصل قبل ما تلمس العربية حتى.
​وهم بيكلبشوها وبيقيدوها بتهمة الاعتداء الجسدي، كريم كان واقف متثبت في مدخل الجراج مش قادر يتحرك.
​«يا أمي،» همس بصوت مكسور، «قوليلهم دي مسألة عائلية وهنحلها سوا.»
​بصيت للولد اللي حميته وراعيته أربعين سنة.
​«كانت عائلية،» قلت له. «لحد ما اخترت بنفسك تبقى عدوي.»
بعد ما البوليس أخد شيرين في عربية النجدة وهي بتصرخ وتسب وتلعن، كريم فضل واقف في مكانه زي الصنم، عينه مثبتة عليا وبيرتعش.
​فريدة قفلت إزاز العربية السودا بالراحة، وقالت للسواق: «اطلع يا إبراهيم على مستشفى دار الفؤاد، الدكاترة مستنيين مدام الألفي عشان يطمنوا على الحروق.»
​العربية اتحركت وكريم أخد خطوتين وراها وهو بينادي بصوت متقطع: «يا أمي! استني يا أمي! هتسيبيني كده؟ أروح فين؟»
​ما بصيتش ورايا ولا رديت. في اللحظة دي، الوجع اللي في كتفي كان أهون بكتير من وجع قلبي على ابن عمري اللي بعني عشان واحدة ما تسواش.
​بعد يومين في المستشفى، الشقة اللي كانوا عايشين فيها اتغيرت كوالينها تماماً، وحراس أمن من الشركة مسكوا العمارة في المعادي. فريدة كانت بتجيلي كل يوم بالتقارير.
​«كريم حاول يدخل الكافيه في الزمالك إمبارح،» فريدة قالتلي وهي بتقدم لي كباية العصير، «أمن الكافيه منعه يدخل بناءً على قرار مجلس الإدارة، وبلغوه إن حسابه البنكي الشخصي اتحفظ عليه لحين رد المبالغ المختلسة.»
​سألتها وأنا بحاول أداري غصتي: «وشيرين؟»
​«شيرين النيابة أمرت بحبسها 4 أيام على ذمة التحقيق بتهمة الاعتداء الجسدي والضرب وإحداث عاهة، ده غير المحضر التاني بتهمة التزوير والشروع في النصب. أهلها جوم يترجوا عشان نتنازل، وكريم بيلف على طوب الأرض عشان يلاقي كفالة أو محامي يدافع عنهم، بس محدش راضي يقف جنبه لأن الكل عارف إن الفلوس كلها تحت إيد صندوق عيلة الألفي.»
​بعد أسبوع، ورجلي ابتدت تشيلني تاني، رجعت لبيتي.. البيوت والأملاك اللي جوزي الله يرحمه سابها أمانة في إيدي عشان أحميها، مش عشان ييجي ولد ملوش كلمة ومراته يرموني في الشارع.
​كريم حاول يقابلني كتير. كان بيبعت رسائل كل دقيقة:
“يا أمي أنا اسف.. شيرين هي اللي ضحكت عليا.. أنا ابنك الوحيد، هتهديني عشانها؟ أنا بنام في العربية ومش معايا جنيه نجيب بيه أكل!”
​مسكت التليفون وكتبت له رد واحد بس:
«العربية اللي بتنام فيها ملك الصندوق، والونش جاري يسحبها عشان متأخرات الصيانة. روح دور على شغل يا كريم.. زي ما أباك بدأ من الصفر، ابدأ أنت كمان، يمكن تتعلم يعني إيه راجل.»
​عملت له بلوك.
​الأستاذة فريدة كملت إجراءات الحجر العكسي، وسحبت كل الامتيازات. الكافيه اتعين له مدير جديد أكفأ منه، والبيت الاتعرض للإيجار لصالح حسابات الخير بتاعة المؤسسة.
​شيرين لبست قضية الاعتداء والتزوير وأخدت حكم بالتنفيذ، وكريم اضطر يبيع ساعته والموبايل عشان يأجر أوضة وصالة في منطقة شعبية، واشتغل موظف استقبال في فندق صغير بمرتب لا يذكر.
​في يوم، بعد سنة كاملة، كنت قاعدة في كافيه في الزمالك بنتابع شغل المؤسسة الخيرية اللي عملتها باسم جوزي، شفته بالصدفة ماشي في الشارع شايل شنطة أوراق وشه بهتان وهدومه دبلانة. شافني من ورا إزاز الكافيه، وقف ثواني، ودس عينه في الأرض ومشي.
​الشوربة المغليّة اللي اندلقت عليا يومها حرقّت جسمي.. بس الحرقة دي هي اللي فوقتني من غففلتي، وعرفتني إن العافية والأصول مش بتتباع، وأن اللي يفرط في أمه عشان شوية مظاهر.. يستاهل يرجع يدور على اللقمة وما يلاقيهاش.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *