يادوب

ما كدتش أخلص تجهيز العشا لما مَراة ابني داقت الشوربة وصرخت: «يا ست يا عاجزة يا بلا فايدة! هو ده اللي بتقولي عليه أكل؟» وقبل ما ألحق أتحرك، دلقت الحلة المغليّة كلها عليا. وابني بكل بساطة على صوت التلفزيون وهو بيعمل نفسه مش شايف ولا سامع حاجة. وأنا بترعش من الوجع، شلت المريلة ومسكت تليفوني وقلت: «جه الوقت.. استردوا كل حاجة ادتهالهم.»
​الشوربة نزلت على صدري زي النار المولعة، ولثانية واحدة من كتر الصدمة، محدش في الاوضة تحرك. بعد كده مَراة ابني، شيرين، حطت الحلة الفاضية على الرخامة وضحكت.
​«يا ست يا عاجزة يا بلا فايدة،» قالتها بنرفزة. «هو ده اللي بتقولي عليه أكل؟»
​ابني، كريم، حتى ما كلفش نفسه يلتفت. على صوت التلفزيون أكتر لحد ما صوت مذيع الماتش غطى على شهقتي من الوجع.
​كنت واقفة جنب ترابيزة السفره والشوربة بتنزل من شعري، والبلوزة لازقة على جسمي، والوجع بيسرح في كتفي. من ست شهور، كريم كان بيترجاني أعزل وأعيش معاه في بيته “اللي باسمه” بعد ما جوزي اتوفى. قال لي المفروض ما أقعدش لوحدي، وقال لي إن الأهل بيشيلوا بعض.
​بس اللي كان يقصده بجد، إن أنا اللي أطبخ وأروق وأدفع الفواتير في السكات.
​كنت بضحك على نفسي وأقول إنها فترة وبساعده فيها. بعد كل ده، كريم ده كان الولد الصغير اللي بيقعد جنب الشباك يستناني لما أرجع متأخر من الشغل ويجري على حضني. كنت طول الوقت بدور على الطفل ده جوا الراجل اللي بقا بيهرب بعينه مني. وشيرين أخدت بالها من أملي ده واستغلته زي الحبل، تطوق بيه رقبتي كل ما أحاول أعترض.
​شيرين بدأت بالمرقعة والتنظير. الفوط متطبقة غلط.. القهوة خفيفة.. ريحة برفيومك “قديمة”.. ولحد ما بقت تؤمرني أسيق الأرضيات وهي بتصور فيديوهات مكياج فوق. وكريم كان دايماً عنده نفس الرد:
​«ما تعمليش مشاكل يا أمي، شيرين مضغوطة.»
​في الليلة دي، وجلدي بيبقلل تحت الهدوم المبلولة، في حاجة جوايا هديت تماماً.
​فكيت المريلة، حطيتها على الكرسي، ورفعت تليفوني.
​«جه الوقت،» قلت للشخص اللي رد عليا. «استردوا كل حاجة ادتهالهم.»
​شيرين لوّت بؤها: «بتكلمي مين؟ دار المسنين؟»
​كريم أخيراً بصلي: «يا أمي بلاش دراما، دي شوية شوربة.»
​بصيت في عينه قلت له: «أيوة.. وبكرة هتفهم الشوربة دي كانت إيه تاني.»
​خرجت برة قبل ما رجليا تخونني وتقع بيا. عربية سودا كانت بتلف وبتدخل الجراج. المحامية بتاعتي، الأستاذة فريدة، نزلت منها ومعاها المساعد بتاعها ودكتور إسعاف. ضحكة شيرين اختفت تماماً.
​الأستاذة فريدة كانت ماسكة قضايا وشغل جوزي من عشرين سنة. كانت عارفة كل شركة، وكل أصل، وعقار، وحساب كريم كان فاكر إنه بتاعه.
​البيت ده مكنش ملك كريم.. ولا الكافيه اللي بيمديره في الزمالك، ولا العربية اللي بركوبها، ولا حساب الاستثمار اللي شيرين بتصرف منه على المنظرة بتاعتها على النت. كل دي كانت أملاك تحت حراسة “صندوق عيلة الألفي”، وأنا الوحيدة اللي ليّا حق التصرف فيه بعد وفاة جوزي.
​بقالي ست شهور مستحملة قسوتهم وقرفهم، بينما الأستاذة فريدة كانت بتوثق كل قرش اتسحب بدون وجه حق، كل توقيع متزور، وكل تحويل فيه شبهة.
​الشوربة مكنتش هي السبب في انتقامي..
​هي بس كانت القشة اللي خلصت صبري…. يتبع

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *