مراتي هربت
مراتي هربت مع أخويا، وسابوا لي كل مدخراتنا، ورموا عليا أنا المسؤولية مع ابني الصغير العيان. كانوا مفكرين إني هتكسر وانهار… حتى أهلي قلبوا ضهرهم لي ومشوا في صفهم. بس بعد عشر سنين، لما رجعوا بيضحكوا وبكل غرور… ابني هو اللي خلاهم يندموا على كل ثانية وعلى كل حاجة عملوها…
”لسه برضه بتصرف على العيل المريض ده يا عماد؟” قالها رمزي بسخرية، بعد عشر سنين كاملة من يوم ما سرق مرات أحمد وفلوسه وتحويشة عمره.
أحمد وقف مسمّر في نص مول المعادي.
لثانية واحدة، خريف القاهرة وضوضاء الشارع اختفوا. لقى نفسه رجع للشارقة الباردة في شقة الهرم دي من عشر سنين، باصص بعينين مزغللة على كوبايتين نبيذ فاضيين، وعلى الأخ الصغير اللي كان قاعد قريب زيادة عن اللزوم من مراته.
دلوقتي رمزي واقف قدامه ببدلة مفصلة عالفرازة ونظارة شمس ماركة، وبيضحك كأن مفيش أي ذنب ارتكبه.
وفاطمة جنبه لابسة بالطو فرو غالي جداً وبتتمنظر بيه.
بصت لأحمد من فوق لتحت – جاكيت قديم مبقع بالزيت، بوت مليان تراب الترعة، وإيدين ميكانيكي خشنة – وادته نفس الابتسامة الباهتة المتعالية اللي فاكرها كويس.
”يا أحمد،” قالت بصوت مترفع. “إنت زي ما إنت، ما تغيرتش خالص ولا كبرت سنتي.”
ضحك رمزي بصوت عالي.
”لسه شغال في الورشة دي يا كبير؟ ولسه بتمشي حالك بالقرشين؟”
أحمد ما ردش بكلمة واحدة.
هو اتعلم من زمان وبعمره إن فيه ناس عقولها صغيرة وبتفتكر السكوت ده ضعف وهزيمة.
رمزي قرب منه أكتر وبطريقة مستفزة.
”ولسه برضو بتشيل هم العيل المريض ده وتعالجه؟ منظر يصعب على الكافر بصراحة.”
الكلمة دي نزلت على قلب أحمد بطريقة تانية خالص غير كل الشتايم.
عضلات وش أحمد شدت وجسمه نشف.
من عشر سنين، زياد كان عنده تسع سنين، ضعيف وهزيل لدرجة تخليه يشيل بخاخ الصدر في جيبه في كل حتة بيروحها، وصغير لدرجة إنه لسه مش فاهم ليه أمه على طول شايل هم الدنيا.
أحمد كان بيشتغل ورديات متغيرة ورا بعض في ورشة كبيرة في أبو رواش عشان يقدر يدفع ثمن دواء زياد وجلسات التنفس.
كان بيجي البيت كل يوم بالليل وريحت هدامه كله زيت وموتور وحديد.
فاطمة كانت بتكره العيشة دي بمرارتها.
في يوم من الأيام كانت مدرسة رسم في مدرسة قريبة. كانت وحشاها سهرات الزمالك، الخروجات، الكافيهات، والشخص اللي كانت مفكرها قبل ما تلبس لبس البيت، والفواتير، والابن العيان اللي واخد كل الوقت.
بعدين رمزي ظهر في حياتهم فجأة.
أخو أحمد الصغير كان كل حاجة أحمد مش فاضي يكونها أو يعرف يعملها.
فرفور، لسانه حلو، بيجيب هدايا غالية، وبيحكي حكايات وهمية وكبيرة عن الشغل في التجمع الخامس والساحل الشمالي.
في الأول، رمزي كان بييجي البيت عشان يسأل على زياد ويبان طيب.
وبعدين بقى بييجي يقعد بالساعات لما أحمد بيبقى غايب في الورشة.
في ليلة من الليالي، أحمد جه البيت مصدوم وتعبان ولقى فاطمة لابسة الفستان الأخضر الغלاني اللي نادراً ما كانت بتلبسه عشان خايفة عليه.
ورامي كان قاعد في الصالة مفرطد.
”كنت بس بصلح له ماسورة المطبخ،” قالت فاطمة بسرعة وتوتر أكتر من اللازم.
في مساء تاني، أحمد فتح باب الشقة وسمع رمزي بصوت واطي بيقول لها، “إنتِ تستاهلي عيشة أحسن بكتير من الحتة الشعبية دي ومن الراجل ده.”
فاطمة ضحكت.
الضحكة دي فضلت رانّية في ودانه وبتأكله من جوه.
وبعدين، وردية أحمد في يوم شتا برد وغرقان مية اتلغت فجأة.
جه البيت بدري على غير العادة.
باب الشقة اتفتح على صمت مريب.
فاطمة ورمزي كانوا قاعدين جنب بعض على الكانبة في قعدة قريبة أوي، وإيدها مستريحة على فخذه.
كوبايتين شاي أحمر كانوا على الترابيزة والجو مشطشط.
ضحكتهم صفرت وقفت أول ما شافوه.
”جيت بدري ليه يا أحمد؟” فاطمة اتتلجلجت ووشها جاب ألوان.
رمزي اكتفى بابتسامة صفراء خبيثة.
أحمد بص لأخوه نظرة واحدة نطق فيها كل حاجة.
”اطلع بره بيتي.”
فاطمة قامت وقفت بسرعة.
وبدل ما تحط راسها في الأرض وتعتذر على المنظر، هجمت هي بالصوت العالي والكلام الجارح.
”إنت مش موجود أصلاً يا أحمد في البيت! كل اللي همك الشغل والآلات الملعونة دي. هو إنت فاكر إني عايزة أقضي عمري كله هنا وسط العرق وزيت الموتور والفواتير؟”
أحمد كان بيموت نفسه في الشغل والورديات دي عشانها هي.
وعشان علاج زياد.
وعشان يستر بيتهم.
ما قدرش ينطق بكلمة واحدة توقفها.
رمزي طبطب على كتفه ببرود وقرف.
”ماتكبرش الموضوع ولا تحرق دمك يا كبير. العمر مش مستاهل.”
أحمد سابهم وخرج من البيت قبل ما غضبه يرتكب مصيبة ما تتوصفش.
لما رجع تاتي بالليل، كانت الشقة هادية تماماً.
فاطمة مشيت وسابت كل حاجة.
وهدومها وجزمتها اختفوا.
ورمزي كمان غاب.
ورقة مكتوبة بخط إيدها محطوطة على ترابيزة المطبخ.
ولما أحمد فتح تطبيق البنك على تليفونه وشاف حساب التوفير المشترك – القرشين اللى كانوا محطوطين حصاد سنين لعلاج زياد ولحلم الشقة الصغيرة فيصل أو الهرم – لقى الرصفر صفر تماماً.
باب الأوضة اتفتح، وزياد دخل منها وهو بيدعك عينه.
”يا بابا، هي ماما فين؟”
أحمد ركع على ركبتيه في الأرض وضمه لحضنه بكل قوته وقهرته.
”أنا هنا يا حبيبي،” همس ودموعه نازلة بصمت. “مش هسيبك أبداً مهما حصل.”
وبعدين أحمد عمل أكبر غلطة في حياته من طيبة قلبه.
راح لأهله في بيتهم القديم في شبرا، وهو متخيل إنهم هيقفوا جنبه وهيفهموا المصيبة اللي هو فيها.
أبوه نزل الجورنال من إيده ببطء وبكل برود.
”رمزي لسه شاب وطايش. وإنت الأخ الكبير وعاقل.. عديها يا أخي.”
أحمد بص له ومات من الصدمة.
”سرق مراتي! وسرق تحويشة عمرى وفلوس علاج ابني! أعدي إيه؟!”
أمه قامت مسحت إيدها في المريلة وقالت بجفاء:
”يمكن فاطمة طهقت وزهقت عشان إنت على طول شغال وسايبها. المفروض كنت تعرف إزاي تحافظ عليها وتبسطها وتخليها سعيدة في بيتها.”
دي كانت اللحظة اللي أحمد فهم فيها الحقيقة المرة وانكسر من جوه للأبد.
التمييز والظلم اللي عاش بيه طول عمره من أهله لسه مستخلصش ومخلصش أبداً.
وهو صغير، أحمد قضى الصيف كله بيبني عربية خشب بأدوات بسيطة في السقيفة. رمزي جه كسرها في ثانية، وأمه وأبوه قالوا لأحمد معلش.. إنت الكبير سيب أخوك الصغير يفرح بيها.
لما أحمد كسب جايزة أول مسابقة كتابة في الإعدادية وفرحان بالشهادة، أبوه دوبك بص لها برمشة عين وسأل بسرعة عن ماتش الكورة اللي رمزي لعبه.
لما رمزي كسر فازة كريستال غالية بتاعة أمهم، أحمد هو اللي اتمسك واتعاقب عشان مسابش عينه على أخوه كويس.
سنين بتعدي والقاعدة ثابتة متغيّرتش.
رمزي يعمل المصيبة والكارثة.
وأحمد هو اللي يشيل الشيلة ويدفع التمن.
علشان كده خد ابنه ومشي للأبد.
بطل خلاص يرجو منهم كلمة طيبة أو عطف.
مفيش صراخ ولا شتيمة.
مفيش تفكير في انتقام رخيص.
جلال وبس هو اللي باقي له في الدنيا دي كلها.
لمدة عشر سنين كاملة، الأب وابنه بنوا حياتهم من تحت الصفر الحقيقي.
أحمد اشتغل بدم قلبه.
وزياد كبر وبقى شاطر جداً في مذاكرته.
لما أزمة الربو تمكنت من زياد في شتا قاسي ودخل المستشفى وهو بيصارع الموت، أحمد قعد جنبه على الكرسي لا بينام ولا ياكل طول الليل.
لما زياد ربنا نجاه وخف، بقى عنده هوس بحب الطب ومساعدة المرضى.
”أنا هكبر يا بابا وهبقى دكتور عشان أساعد كل الناس اللي بتتعب في نفسها ومش قادرة تتاخد نفسها زبي،” قالها لأبوه وعينه بتلمع.
أحمد اشتغل واجتهد لحد ما بقى مشرف فني كبير في مصنع كبير.
نقلوا من الشقة الضيقة دي لبيت ملك صغير هادي في ضواحي المعادي.
زياد طول وبقى شب طويل ومالي مكانه.
وبخاخ الصدر مابقاش هو الحاجة الوحيدة اللي بتعرفه في حياته.
وهو عنده تمانتاشر سنة، جاله جواب القبول الرسمي بكلية الطب بجامعة القاهرة.
أحمد قرا الجواب مرة واتنين وتلاتة ودموعه مش واقفة.
”يا بابا،” قال زياد وهو بيحضنه جامد، “عملتها ونجحت زي ما وعدتك.”
دي بقت إجابة أحمد الوحيدة على كل مليم رامي وفاطمة سرقوه.
مش فلوس.
مش خناقات.
زياد وبس.
ودلوقتي، بعد عشر سنين من وجع القلب والغروب، أحمد واقف في شمس خريف المعادي الهادية، ورامي ومراته القديمة واقفين قدامه بيتريقوا على “العيل المريض” اللي هما متخيلين إنه لسه نايم في السرير ومش بيعرف يتحرك.
فاطمة ربعت إيديها باستهزاء.
وابتسامة رمزي الصفرا وسعت على آخره.
أحمد كان يقدر يفضحهم ويحكي لهم عن كل ليلة عذاب قضاها في المستشفيات، وعن كتب الطب وجواب القبول، وعن السنين اللي هما ضيعوها وهما سارحين في الملذات.
بس ما تكلمش.
لأن من وراهم، كان فيه شاب طويل ومرتب لسه خارج من مكتبة الكتب الكبيرة.
صوت هادئ ومحترم قطع زحمة الشارع:
”يا بابا.”
ابتسامة رمزي هربت من على وشه في ثانية.
فاطمة لفت وشها بسرعة الفزع.
أحمد بص من وراهم وشاف زياد ماشي ناحيتهم بثقة وهدوء، طويل لابس بدلت وتحتها بالطو الكلية الأبيض، وماسك في إيده كتاب طب تخيل محترم.
وش فاطمة اتخشب تماماً وبقى أصفر كالميت.
شفايفها فتحت من الصدمة ومش قادرة تنطق.
”زياد؟!”