التوأم
إخواتي، رفعت وحاتم، عرضوا المساعدة هما كمان. رفعت عنده شغل لاندسكيب، وحاتم شغال إداري وعنده خبرة في تنظيم الورق القانوني.
عملنا خطة بسيطة مع بعض.
أنا ركزت في أني أجيب بناتي بالسلامة، وأوثق أي حاجة تحصل، وأكلم أهلي أول ما أحتاجهم.
عمري ما تخيلت إن عاصم هيخلي المكالمة دي ضرورية في نفس يوم رجوعي البيت.
ثلاث زيارات قبل الفجر
الساعة خمسة وعشرين دقيقة الصبح، خبطة خفيفة سمعت على باب الشقة.
أبويا كان واقف بره في جاكيته البني المعروف، وإخواتي جنبه. نظرة واحدة على وشي التعبان كانت كفاية عشان يضمني من غير ولا كلمة.
ملامحه هديت أول ما دخل أوضة الأطفال وشاف التوأم نايمين تحت البطاطين القماش الخفيف.
”الله، هو فيه جمال كده ولا الطعمة دي؟” قالها بصوت واطي.
ولأول مرة من ساعه ما رجعت البيت، كتفي ارتاحوا وقعدت على إيقاع أهدى.
اتجمعنا على ترابيزة المطبخ، ووريتهم الصور، والمحادثات اللي حفظتها، والورق اللي جمعته.
حاتم راجع ورق الشقة بعناية.
”البيت مكتوب باسمك يا ليلى،” قالها بحماس. “دي حاجة مهمة قوي، بس لسه لازم نمشي في الإجراءات القانونية الصح. المحامي بتاعك يقدر يخلص قصة الانفصال وأي كلام عن مين يقعد هنا.”
”مش عايزة خناق وجوجة،” قلت لهم. “أنا كل اللي عايزه بيتي يرجع زي الأول، وأحس بالأمان فيه.”
أبويا هز راسه.
“خلاص، هنتكلم زي الكبار.”
الساعة سبعة إلا ربع، عاصم ظهر في باب المطبخ، بيفرك عينه ولابس تيشرت قديم.
وقف مكانه لما لاحظ التلات رجالة قاعدين حوالين الترابيزة.
ورق ملكية الشقة كان مترتب قدامهم بانتظام.
كنت واقفة جنب الشباك، وصغيرة مريم نايمة على كتفي.
”فيه إيه؟” سأل.
أبويا سحب كرسي فاضي.
“صباح الخير يا عاصم. اقعد. شكلنا محراين نتكلم في كذا حاجة كده.”
وقبل ما عاصم يرد، كريمة طلعت من التريق لابسة روبها العنابي.
”مين اللي عزم الناس دي كلها هنا؟”
أبويا بص لها بهدوء.
“بنتي هي اللي عزمتنا. وإحنا هنا عشان نقف في ضهرها ونقويها.”
كريمة كتفت إيديها.
“دا بيتنا العائلي.”
”دا بيت ليلى وحدها،” رديت عليها. “وأظن جه الوقت اللي نتكلم فيه عن اللي حصل وأنا في المستشفى.”
عاصم بص للورق.
“إنتِ عاملة قصة كبيرة من مفيش.”
طلعت تليفوني وفكيت قفله.
“طب يمكن تقدر تفسر الرسايل دي.”
قريت كذا محادثة بصوت عالي، ومنهم خطة كريمة إنها تنقل وهي في المستشفى، وكلامهم عن إزاي يخلوني مدينة ومسؤولة مالياً لوحدي.
عاصم بص في الترابيزة.
كريمة بعدت عينها.
”المحادثات دي متخدة برة سياقها أصلاً،” تمتم.
”طب فهمنا ليه حاجتي اترميت في كراتين قبل ما البنات تتولد أصلاً؟”
كريمة ردت قبله.
“كنا بنفضي مكان للعيال.”
”بأنكم تحطوا حاجتي في الجراج وتدخلوا حاجتكم أوضتي؟”
محدش منهم رد.
أبويا قرب من الثلاجة الجديدة وبص على الاستيكر اللي عليها.
”عاصم وماما،” قالها بصوت هادي.
فتح الباب، لقي جبن مترتبة بعناية، أكل جاهز، فاكهة فريش، وعلب أكل من هايبر غالي.
وبعدين فتح ثلاجتنا القديمة، اللي كان فيها الحاجات العادية اللي أنا نزلت جبتها قبل ما أروح المستشفى.
أبويا قفل البابين.
“بنتي لسه مروحة بطفلتين لسه مولودين،” قال. “وبدل ما تتأكد إن معاها كل اللي هي محتاجاه، قولت لها تدبر أمورها لنفسها هي وبناتك.”
عاصم اتحرك بقلق في قعدته.
“الموضوع كان شكله تاني امبارح.”
”لا،” قلت له. “كان شكله بالظبط زي ما إنت كنت ناوي.”
فضل باصص لي لحظة.
“يا ليلى، أنا كنت تحت ضغط كبير. ماما فضلت تقولي إن لازم حاجات كتير تتغير.”
كريمة التفتت له بعنف.
“متلبسنيش أنا لوحدي الغلط! إنت اللي قولت إنها بتعاملك زي الضيف في بيتك!”
”عشان إنتي كنتي على وداني ليل نهار وتقوليلي إنها مسيطرة على كل حاجة!”
وفي وسط ما خناقتهم علت، أكتشفت إن مفيش ولا واحد منهم سألني أنا حاسة بإيه أو بناتي محتاجين إيه.
كانوا بيتنادوا ويتخانقوا بس على مين فيهم هيشيل المسؤولية.
بطريقة ما، الوجع ده كان أكبر من وجع الثلاجة التانية.
القرار على ترابيزة المطبخ
ستنيت لحد ما صوتهم هدي شوية قبل ما أنطق.
”أنا كلمت محامي،” قلت لعاصم. “عايزة نتفصل، وناوية أبدأ إجراءات الطلاق.”
كان مذهول بجد.
“عشان ثلاجة؟”
”لا يا عاصم. عشان شهور من التخطيط عشان تسلبوني استقلالي. وعشان تنقل أمك أوضتنا من غير ما تأخد رأيي. وعشان تقولي إن الصرف على بناتنا مسئوليتي أنا لوحدي.”
قعد على الكرسي كأنه اتقصف.
“فكر في البنات.”
وفي اللحظة دي، فريدة الصغيرة بدأت تعيط فوق. رفعت جابها لي عشان أشيل التوأم مع بعض.
ولما بصيت لوشوشهم الصغيرة وخصلات شعرهم الناعمة، حسيت بيقين غاب عني أسابيع.
”أنا فعلاً بفكر فيهم،” قلت. “عايزة أربيهم وهما عارفين إن الحب والاحتراْم مبيتجزأوش.”
المحامي بتاعي كان حذرني قبل كده إني مأطلعش حد بالقوة أو أغير الكوالين من غير رأي قانوني. وضحت إن كريمة لازم تلاقي مكان تاني تقعد فيه، وطلبت من عاصم يمشي برضاه لحد ما نظبط إجراءات الانفصال.
قاوم كذا دقيقة.
بعدين بص للسراير الصغيرة وهز راسه.
”هقعد في مكان تاني دلوقتي.”
كريمة اعترضت، بس عاصم وقفها في الآخر.
“يا ماما, ارجوكِ. ولا كلمة تاني.”
لموا حاجتهم الصبح بدري. إخواتي ساعدوهم ينزلوا الشنط للعربية، وحاتم صور الحاجات اللي خدوها عشان ميبقاش فيه مشاكل بعدين.
وعلى الباب، كريمة التفتت لي وقالت:
“إنتي مكيش فكرة تربية بنتين لوحدك هتبقى صعبة قد إيه.”
بصيت لتحت لمريم وهي نايمة في حضني.
“عارفة إنها مش هتبقى سهلة،” رديت. “بس أفضل أواجه أيام صعبة في بيت هادي، ولا أيام سهلة ماليش فيها صوت.”
عاصم فضل واقف شوية بعد ما كريمة خرجت.
“أنا حبيتك بجد يا ليلى.”
كنت مصدقة إنه حبني بطريقته المعقدة.
بس اتعلمت إن العطف من غير احترام بيخلي الواحد يحس بوحشة كبيرة قوي.
”يبقى ابقى راجل بناتك يفخروا بيه،” قلت له. “لسه محتاجين أبوهم.”
ساب مفتاح البيت على الترابيزة وخرج.
ولما الباب اتقفل، انهيار عياطي نزل لوحده، وأبويا اضطر ياخدني يقعدني على الكنب.
قعد جنبي وأنا ماسكة التوأم.
“هتبقي كويسة يا حبيبتي،” همس.
كنت عايزة أصدقه.
بس كنت عارفة إن الأصعب لسه قدامنا.
البداية من جديد
إجراءات الطلاق خدت شهور. عاصم تقبل في الآخر إن الجواز خلص، بس حل الأمور العملية خد صبر ومساعدة قانونية وورق أكتر بكتير مما تخيلت.
المحامين اتفقوا على ترتيبات الولاية والنفقة. وعاصم بدأ يبعت مصروف البنات حسب الاتفاق المؤقت.
في يوم، رجع ومعاه ورد واعتذار.
“أنا سبلت أمي تأثر عليا،” قال. “شايف ده دلوقتي.”
سمعته من على الباب.
“أمك شجعتك يا عاصم. بس إنت اللي أخدت قراراتك بنفسك.”
”ممكن نرجع نجرب تاني؟”
افتكرت الشهور المتععبة والمخيفة قبل ما البنات تيجي، ورجعة البيت اللي كان مفروض تبقى من أسعد لحظات حياتنا.
”أتمنى تبقي راجل أحسن،” قلت له. “بس مأقدرش أرجع أبني جوازنا وأنا بتجاهل اللي حصل.”
بعد ما مشي، قعدت على ترابيزة المطبخ فترة طويلة.
مكنش فيه إحساس بالنصر.
كان فيه بس حزن، وتعب، وراحة غير متوقعة.
تربية التوأم لوحدي كانت أصعب بكتير مما تخيلت. فيه صباحيات بتدبدب من قبل الساعة أربعة، وفيه ليالي كنت بسخن نفس كوباية الشاي تلات مرات من غير ما أحصل أشربها.
الشغل في الشركة وافقوا على الشغل المرن من البيت، وده خلاني أقدر أرسم اللوحات الهندسية وقت نومهم وأرد على الإيميلات وطفلة نايمة على كتفي.
الفواتير كانت بتيجي، الغسيل مكنش بيخلص، وغالباً أخت بتنام لما التانية تصحى وتعيط.
أبويا كان بيجي كتير، يجيب طلبات البيت ويصمم إني أريح وهو يزق عربية الأطفال في الشارع بتاعنا.
”مش لازم تثبتي لكل الناس إنك خارقة وتعملي كل حاجة لوحدك،” كان بيفكرني.
وبشووية بشوية، قبلت مساعدته.
رفعت صلح صور البلكونة واهتم بالجنينة. حاتم رتب الورق. صحابنا جابوا أكل، قعدوا مع البنات ساعة، أو حتى عملوا معايا قاعدة حلوة لما احتاجت كلام كبار.
العيلة اللي كنت خائفة أخسرها طلعت أكبر بكتير مما كنت متخيلة.
بس كان فيه فصل تاني صعب مستنيني.
بعد الطلاق بشهور، موظف من الشؤون الاجتماعية اتصل بيا بخصوص بلاغ مجهول عن رعاية التوأم.
الشكوى كانت بتقول إن شغلاني وطريقتي في الشغل بتمنعني أديهم الرعاية الكافية.
رحبت بالمفتشة دخلت، وجاوبت على أسئلتها، واديتها الملفات الطبية للبنات، ونظام نومهم ومواعيدهم.
الزيارة خلصت من غير ما تلاقي أي مشاكل.
معرفش مين اللي عمل البلاغ، بس بعت الورق ده للمحامي وفضلت أسجل أي رسايل مزعجة من كريمة.
وفي الآخر، الرسايل دي قطعت.
شوية بشوية، الحياة الطبيعية رجعت.
اللي علمهولي المكان الفاضي
بعد سنة من الصباحية اللي عيلتنا اتجمع فيها على ترابيزة المطبخ، مريم وفريدة بدأوا يمشوا.
ضحكتهم ملت البيت. اللعب كانت مالية الصالون، وكانوا بيجروا ورايا في كل حتة بحماس الأطفال اللي لسه بيتعرفوا على الدنيا.
كنت لسه تعبانة معظم الوقت. تحويشي بيزيد ببطء، الويك إند كله لف على السوبر ماركت والمرجيحة، وبقيت شاطرة جداً أطبخ وبنت متعلقة في كل رجل من رجلي.
بس بيتنا رجع هادي ودافي زي الأول.
في يوم، وقعت عيني على صورة لعاصم وهو بيحتفل بجوازه الجديد. كريمة كانت واقفة بفخر جنب العريسين وهي بتضحكة.
بصيت لها ثانية، وكنت مستنية الوجع القديم.
بدل ده، تمنيت بهدوء إنه يكون اتعلم حاجة من تجربتنا.
قفلت الصورة لما فريدة ضحكت على مريم، اللي كانت حطت أرنب فايبر جوة سلة غسيل فاضية.
ضحكتهم جابتني لحد المطبخ.
الثلاجة التانية كانت اتشالت من شهور، وسايبة مكان فاضي جنب الثلاجة القديمة.
كنت بفكر أحط دولاب صغير للمطبخ أو ترابيزة لألوان البنات هناك. بس كل ما أقيس المكان أرجع في كلامي.
فضلت أسيبه فاضي.
كان بيفكرني بكل حاجة اتغيرت واللي قدرتن ارجعه.
وفي الليل، بعد ما نيمت التوأم في سريرهم، عملت شاي بابونج وقعدت على ترابيزة المطبخ تحت النور الهادي.
افتكرت لما كريمة كانت بتسأل هي ست معاها طفلتين لسه مولودين هتروح فين.
دلوقتي الإجابة بقت واضحة.
مكنتش محتاجة أروح في حتة.
كنت محتاجة أفتكر إن بيتي، وشغلي، واستقلالي مش مجرد حاجات حد تاني ممكن يمنحهالي أو ياخدها مني.
وقبل ما أطفي النور، فتحت الثلاجة عشان أشيل زبادي البنات.
جواها كان فيه فراولة، خضار، لبن، بواقي عكل امبارح، وعلبتين صغار تفاح مهروس. وعلى باب الثلاجة صورة ملونة من حضانة البنات مثبته بمغناطيس.
مفيش رفوف مقسومة. مفيش قوانين بتحدد مين يستحق أكل إيه. ومفيش أي حاجة تقول إن رعاية بناتي مسؤولية أب لوحده.
كانت مجرد ثلاجة في مطبخ عيلتنا.
ابتسمت، قفلت الباب، وطلعت فوق أطمن على بناتي.
وأنا بظبط البطاطين عليهم، فكرت في القيم اللي أتمنى يحملوها لما يكبروا: الاحترام هو الأهم، البيت لازم يكون راحة مش سيطرة، والحب عمره ما يطلب إنك تضحي بكرامتك.
حياتي مكنتش مثالية، ومبقيتش أدور على المثالية.
دايماً هيبقى فيه صباحيات متعبة، مصاريف مفاجئة، ولحظات بحس فيها إني مقصرة.
بس هيبقى فيه كمان أعياد ميلاد، حفلات مدرسة، فطار يوم الحد، ولحظات صغيرة كتيرة كنت خايفة أتخيلها زمان.
بست بهدوء على جبين الاتنين.
”ناموا كويس يا حبايب قلبي،” همست. “قدامنا حياة جميلة قوي.”
وبعدين رجعت نزلت، فتحت لابتوبي، وخلصت الشغل اللي كان مستني على ترابيزة المطبخ.
البيت كان هادي.
وبناتي في أمان.
ولأول مرة من زمان، فهمت إن البيت الهادي مش اللي بيمشي دايماً على الخط المرسوم.
دا البيت اللي كل اللي فيه حاسين إنهم قاعدين في مكانهم الصح ومقدرين حق قدرهم.