في حفلة المشاوي

​طارق قرب خطوة كمان.

​ابتسامته وسعت، “هتعيطي بقى ولا إيه؟”

​أنا متحركتش.

​بصيت له بكل هدوء وثبات.

​وهنا بالظبط ميرهان، أخت جوزي، صرخت فجأة.

​”يا طارق، ابعد!”

​الكل التفت لها. ميرهان كانت واقفة جنب باب التراس، وشها أصفر، وموبايلها بيترعش في إيدها. على الشاشة كان فيه فيديو متوقف مؤقتاً: أنا، أصغر بعشر سنين، شعري مضفور بإحكام، وحزام ذهب حوالين وسطى، وواقفة فوق خصم مهزوم والمعلق بيزعق باسمي القديم.

​فريدة “العاصفة الهادئة” كارتر.

بطلة الجمهورية السابقة في الـ MMA.

​طارق بص من الموبايل عليا وهو مبرق ومش مصدق.

​بصيت على إيده اللي ماسكة معصمي، وقلت بصوت هادئ جداً: “قدامك ثلاث ثواني…” ..

رفض يسيب إيدي.
​الرجالة زي طارق نادراً ما بيسمعوا الكلام. كانوا بيعتبروا التحذيرات تحدي، ويفسروا الهدوء خوف، ويفتكروا الست الهادية كأنها بترجوهم عشان تسيبها في حالها.
​”واحد،” قلت.
​نادية قامت. “يا فريدة، بطلي فضايح لنفسك.”
​”اتنين.”
​طارق ضغط جامد أكتر. “فاكرة إن فيديو قديم هيرعبني؟”
​”تلاتة.”
​تحركت بالقدر الكافي بس عشان أفلت من قبضته. لا ضربات، ولا شلوت، ولا حركات استعراضية. أنا بس لويت معصمي، وخطوت خطوة على جنب، وضغطت بصبعين على نقطة دقيقة جنب كوعه. ركبه اتقوسوا قبل كرامته ما تنكسر.
​اتنفس بصعوبة.
​سحبته فوراً ورجعت لورا، وإيدي الاتنين مفتوحين وواضحين.
​طارق كربس ووشه احمر بغضب. “هي اللي هاجمتني!”
​”لا،” قال رامي والدم لسه على بقه والشر في عيونه. “إنت اللي مسكتها.”
​طارق هجم تاني.
​ميرهان صرخت عشان يوقف، بس هو كان بدأ يضرب. تفاديت ضربته، مسكت معصمه، عكست اندفاعه وثبته وش في الأرض على ترابيزة الحديقة من غير ما أضرب ولا ضربة. الأطباق الورقية طارت في الهوا. صوص الشوي وسخ قميصه، وشده ضغط على كومة من المناديل.
​العيلة كلها اتسمرت في مكانها.
​قربت منه لدرجة إن هو لوحده اللي يسمعني. “كنت أقدر أوجعك جامد. بس اخترت مأعملش كده. افتكر ده كويس.”
​وبعدين سبته.
​قام وهو بيترنح وبياخد نفسه بصعوبة، وكان محرج جداً. “يا مجنونة،” قالها باحتقار. “إنتي كنتي مخطة لده.”
​كنت هضحك بجد. “إنت صبيت بيرة على دماغي في حفلة مشاوي مامتك. التخطيط مكنش محتاج تعقيد.”
​نادية جريت تطمن طارق كأنه هو الضحية. “شوفوا عملت إيه في ابني!”
​رامي جه وقف جنبي. “ابنك اعتدى عليا، وبعدين مسك مراتي.”
​ملامح نادية نشفت وبقت حادة. “يمكن لو مراتي عرفت مكانها—”
​”احترسي،” قلت.
​رمشت بعينيها، ومشتعلة بالدهشة من صوتي.
​طارق مسك موبايله. “أنا بكلم البوليس. هقولهم إنها هي اللي ضربتني.”
​”اعمل كده،” قلت.
​صباعه وقف.
​شورت بايدي ناحية السطح. “كاميرات المراقبة بتاعة مامتك مغطية التراس كله.”
​ملامح نادية اتغيرت.
​ميرهان همست بصوت واطي: “ماما قفلتهم الأسبوع اللي فات.”
​”لا،” قلت. “هي قفلت الكاميرات اللي جوه. كاميرات البلكونة لسه شغالة. رامي ركبها بعد ما طارق سكر وخبط في سور الجار السنة اللي فاتت.”
​طارق فتح بقه.
​رامي طلع موبايله. “أنا بنزل الفيديو خلاص.”
​ولأول مرة، طارق بان عليه الخوف.
​تبعات اللي حصل
​لمدة ثلاث سنين، أنا استحملت قسوتهم اللي من النوع ده: الاهتمام المزيف، النكت على “أعصابي الحساسة”، نادية وهي بتعزم خطيبة رامي القديمة على الكريسماس بحجة التقاليد، وطارق وهو بيزنق الستات في التجمعات العائلية ويتحداهم يعترضوا.
​هما مكنوش عارفين إني دلوقتي بقيت أمتلك أكاديمية للدفاع عن النفس، بدرب فيها الممرضات، والمدرسات، والأمهات اللي بيكبروا ولادهم لوحدهم، والموظفات. وكمان كنت بتعاونกับ محاميين محليين بيساعدوا ضحايا التحرش يوثقوا الحوادث قبل ما تتفاقم.
​وطارق تجاوز الحدود قدام اتناشر شاهد.
​البوليس وصل بعد ثمانية عشر دقيقة.
​طارق حاول يستخدم سحره الأول. “يا باشا، مرات أخويا اتجننت. دي لاعبة ولا حاجة. دي هاجمتني.”
​العسكري بص على شفة رامي المجروحة، وشعري المبلول بالبيرة، وقميص طارق الملطخ، وميرهان وهي بتعيط جنب الباب.
​وبعدين رامي وراه الفيديو.
​الكل سكت وهو شغال: البيرة، الزقة، اللكمة، طارق وهو بيمسك معصمي، تحذيري ليه، وهجومه التاني.
​لما خلص، نادية همست: “العائلات بتتخانق عادي.”
​العسكري بص لها بجدية. “مش بالشكل ده.”
​ثقة طارق اتهدمت تماماً. “إنتوا مش ممكن تقبضوا عليا. هي اللي أحرجتني الأول.”
​أنا خطوت لقدام بهدوء. “أنا عايزة أرفع قضية وأوجه له اتهامات.”
​نادية التفتت بحادّة. “إنتي ما تجرؤيش.”
​قابلت عينيها بثبات. “إنتِ ربيتيه عشان يفتكر إن النتائج اختيارية. أنا بصلح ده.”
​طارق اتقبض عليه قدام الجنينة كلها.
​مفيش سحب ولا ضرب. العسكريين كلبشوه بكل هدوء والجيران بيتفرجوا من ورا الأسوار، ونادية عمالة تردّد “ده عبث ومش معقول” زي الصلاة اللي مبقتش تجيب نتيجة.
​رامي وقف جنبي، وإيده حوالين كتفي وكمادات تلج على بقه. “إنتي كويسة؟” سألني.
​بصيت له، والدم على شفته، والبيرة وهي بتنشف على راسي. “دلوقتي بقيت كويسة.”
​نادية سمعتني فقالت بعصبية: “إنتي دمرتي العيلة دي عشان غلطة صغيرة.”
​ميرهان واجهت مامتها أخيراً. صوتها كان بيترعش بس ثابت. “لا يا ماما. طارق دمرها لما ضرب رامي. وإنتِ دمرتيها لما دفاعتي عنه.”
​نادية فضلت باصة لبنتها كأن الخيانة اتقلب اتجاهها فجأة.
​في المساء ده، وثقت كل حاجة: محضر البوليس، أقوال الشهود، تسجيلات الكاميرات، صور إصابة رامي، والكدمات اللي كانت بتظهر حوالين معصمي. أنا منزلتش بوستات غضب على السوشيال ميديا ولا هددت حد. مكنتش محتاجة فوضى.
​كنت محتاجة توثيق رسمي.
​بعد تلات أيام، شركة طارق اتصلت برامي.
​طارق كان شغال في الأمن في فندق سياحي كبير، شغلة بتتطلب تحكم، وضبط نفس، وسجل خالي من العنف. المحققين طلبوا الفيديو بعد ما القبض عليه بقى خبر عام. على يوم الجمعة، اتوقف عن الشغل. يوم الاتنين، طردوه من الشغل خالص.
​نادية رنت ست وعشرين مرة.
​رديت مرة واحدة.
​”لازم تقولي لهم إنها كانت سوء فهم،” قالت بنبرة حادة.
​”مكنش سوء فهم.”
​”ده ممكن يخسر كل حاجة.”
​”كان مفروض يفكر في ده قبل ما يحط إيده عليا.”
​صوتها هبط وبقى أهدى. “إنتي فاكرة نفسك أحسن منا عشان كنتي بتضربي في قفص ولا إيه؟”
​”لا،” قلت. “أنا أحسن منك لأنني بطلت لما كنت أقدر أكمل.”
​سكتت خالص.
​وبعدين أضفت: “متتصليش تاني إلا لو عن طريق محامي.”
​الإجراءات الجنائية مشيت بسرعة لأن طارق هو اللي قدم الأدلة بنفسه. عشان يتجنب المحاكمة، اعترف بالاعتداء والضرب. وعقوبته شملت مراقبة، كورسات تحكم في الغضب، خدمة مجتمعية، وأمر بعدم التعرض يحمي رامي وأنا.
​بس أكتر نتيجة أسعدتني تخص ميرهان.
​بعد أسبوعين من حفلة المشاوي، جت بيتنا وعيونها ورمة وماسكة صندوق فيه ورق. طارق كان فاتح كروت ائتمان باسمها، ونادية كانت عارفة. وكانوا بيصروا إن ميرهان “عاطفية زيادة” ومش فاهمة في الفلوس.
​عرفتها على المحامي بتاعي.
​على وقت الكريسماس، ميرهان كانت نقلت في بيت لوحدها، جمدت الحسابات المزورة، وقدمت محضر بوليس خاص بيها. صورة نادية عن العيلة المثالية اتقطعت حتت—مش لأني صرخت، بس عشان الحقيقة كان ليها شهود أخيراً.
​بعدها بست شهور، ظهر مانشيت في الأخبار المحلية تحت صورتي جوه الأكاديمية:
​بطلة MMA سابقة تفتح برنامج دفاع عن النفس مجاني بعد قضية اعتداء عائلي
​المقال متذكرش اسم طارق، بس الكل كان فاهم.
​مئات الستات اشتركوا. ميرهان بقت مديرة المكتب عندنا. رامي قضى ويك إند ورا ويك إند يساعد في تركيب سجاد التدريب الجديد، وكان بيابتسم رغم الندبة الخفيفة الباقية على شفته. وكل ما ست خايفة تدخل الأكاديمية وتخرج بثقة أكبر، حاجة جوة روحي كانت بتخف.
​طارق باع عربيته عشان يدفع مصاريف المحامين. نادية بطلت تعمل حفلات مشاوي. بيتهم اللي كان دايماً دوشة، واللي القسوة فيه كانت متخفية في شكل هزار، بقى هادي تماماً.
​بعدها بسنة تقريباً، في يوم سبت دافي، أنا ورامي كنا بنشوي في جنينتنا. ميرهان كانت بتضحك جنب الزرع، وعايشة حريتها لأول مرة بجد. شعري كان سايب على كتافي، زي اليوم ده بالظبط، بس الشمس هي اللي كانت بتلمس شعري المرة دي مش البيرة.
​رامي ناولني طبق وباس جبيني. “لسه كويسة؟”
​بصيت على الجنينة، والسماء المفتوحة، ووشوش الناس الهادية اللي بتقدر الطيبة أكتر من صلة الدم.
​وبعدين ابتسمت.
​”أحسن من كويسة بكتير،” قلت. “أخيراً بطلت أسمح لناس صغيرة تخليوني أحس إني صغيرة.”

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *