قبل جوازنا 1
”ما تحرجنيش قدام الناس دي كلها.”
رفعت عيني فوق.
كلماته دي وضحت لي كل حاجة في النهاية.
ما اعتذرش ولا سألني أنا عايزة إيه.
كل اللي كان عايزه إني أحميه من عواقب أفعاله وغلطاته.
فتحت الباب.
بسنت كانت واقفة ومعاها ثلاث دبابيس إنجليزي، وابتسامتها اختفت أول ما شافت تعبيرات وشي.
”ندى؟”
”لو سمحتِ روحي هاتي القسيس توماس،” قلت.
سيف خطى قدام.
”أنتِ بتعملي إيه؟”
فضلت باصة لباسنت.
”قولي له إن مفيش جواز.”
الفصل الرابع — الفرح اللي ماحصلش
بسنت ما ناقشتنيش في قراري.
بصت لسيف ومسكت إيدي بحنان.
”تمام.”
سيف مشي ورانا في الطرقة.
”استني. مفيش حد بيغيّر أي حاجة.”
لفيت له.
”لا، أنا اللي بكنسل.”
ملامحه نشفت وقسيت.
”أنتِ أكيد مش جادة في كلامك.”
”لا، جادة جداً.”
”عشان قعدة عيال؟”
”لا.”
”امال عشان إيه؟”
بصيت في عينيه مباشرة.
”عشان أنت كنت عارف إني ممكن أرفض، فخدت القرار من غير ما ترجع لي وحاولت تضمن إني ما أقدرش أغيره.”
بدأ يرد، بس أنا كملت كلامي.
”مش دي الطريقة اللي عايزة أبدأ بيها جوازي.”
القسيس توماس جه بعدها بشوية صغيرة.
كان راجل طيب في الستينيات وقضى الشهر اللي فات يساعدنا نجهز الوعود بتاعتنا.
بص في وشوشنا.
”تحبوا تاخدوا دقيقتين لوحدكم تتكلموا؟”
”إحنا تكلمنا خلاص،” قلت.
هز رأسه.
”هل أنتم طالبين تأجيل المراسم؟”
بصيت ناحية سيف.
كان واضح إنه مقتنع إني في الآخر هبطل عند.
”لا،” قلت.
”أنا طلبت منك تقول للناس كلها إن مفيش فرح.”
سيف شتم بصوت واطي.
القسيس توماس اقترح ندخل أوضة العروسة، وأمي وصلت بعد دقيقة.
وقفت أول ما شافتني.
”فيه إيه يا حبيبتي؟”
الشرح معناه إني أعترف إن الراجل اللي أمنت له خد قرارات في سرّها عن مستقبلي كله.
قعدت جنب المراية.
”أنا ما أقدرش أتزوجه.”
عيون أمي اتملت دموع.
”فيه حاجة حصلت؟”
هزت رأسي بنعم.
قعدت جنبي.
”عايزة تحكي لي؟”
”مش دلوقتي.”
مسكت إيدي.
”حاضر.”
مفيش أي كلمة تانية.
ما جابتش سيرة فلوس الفرح ولا القرايب اللي مستنيين بره.
قبلت إجابتي ببساطة شديدة.
ولأول مرة بعد الظهر ده، انهارت في العياط.
سيف ظهر على باب الأوضة.
”ممكن أتكلم مع خطيبتي لو سمحتِ؟”
أمي وقفت.
”قالت مش عايزة تتكلم دلوقتي.”
بص من فوقيها.
”يا ندى، أنتِ بتعصفي بـ ثلاث سنين في ثواني.”
مسحت خدودي.
”مش أنا اللي عملت كده.”
هز رأسه.
”مش مصدق إنك بتعملي فيا كده.”
رغم كل حاجة، الذكريات الحلوة رجعت تتراسم قدامي.
سيف في يوم ساق ساعتين عشان يصلح بلكونة بيت أبويا، وجاب لي شوربة لما جالي برد، ومسك إيدي ليلة وفاة جدتي.
اللحظات دي كانت حقيقية وصادقة.
ده اللي كان مخلي الموضوع صعب يتجمع مع تصرفاته دلوقتي.
القسيس توماس طلب منه يسيبنا لوحدنا.
المره دي سمع الكلام وخرج.
بعد دقايق، موسيقى الكنيسة سكتت.
سمعت همس، حركة كراسي، والقسيس توماس وهو بيتكلم في المايك.
أعلن إن المراسم اتلغت، واعتذر عن الإزعاج، وطلب الخصوصية.
ما قالش أي تفاصيل أو أسباب.
كنت مقدرة كتمانه واحترافيته.
الضيوف بدأوا يمشوا.
بسنت قعدت جنبي بينما أمي كانت بتكلم مسؤول قاعة الاستقبال.
الأكل كان جاهز. جزء منه ممكن يتوضب ويُتبرع بيه لو أمكن، بس معظم العربونات ما كانش بيترد.
دفعنا تمن الورد، والتورتة كانت مستنية في قاعة الاحتفال.
التوابع المادية دي هتاخد أسابيع عشان تتظبط وتتحل.
تليفوني قعد يتردد ويهتز ورا بعضه.
بنت عمتي بتسأل لو أنا كويسة. خالة سألت لو فيه طوارئ. وحد من عيلة سيف كان مصر إن الأزواج بيتخانقوا دايماً وإني ماخدش قرار نهائي وأنا زعلانة.
قفلت التليفون خالص.
بسنت ساعدتني أفرد طرحتي، واضطرت تحاول ثلاث مرات تفك دبوس عنيد من غير ما تشد شعري.
فضلنا ساكتين لحد ما خلصت.
وبعدين همست: “تأكدي إنك ليكي الحق تزعلي وتكوني صح في نفس الوقت.”
عيطت أكتر وأكتر.
بعد حوالي أربعين دقيقة، بسنت جابت عربيتي لحد باب جانبي.
كنت قررت أرجع شقتي القديمة.
سيف وأنا كنا لسه ما نقلناش سوا. كنا مقرّرين نلغي عقد إيجار شقتي بعد الفرح وننقل حاجتي لبيته آخر الشهر.
ولأول مرة، تأجيل النقلة دي طلع في صالحي.
أمي عرضت تاخدني بيتها، بس كنت محتاجة أرجع لمكاني ومساحتي المعتادة.
بسنت شالت شنطتي وراحت بيا على الخروج.
وقبل ما نوصل للباب، هدير ظهرت في أول الطرقة.
عينيها كانت حمرا من العياط.
”ندى. ممكن أتكلم معاكي؟”
بسنت اتحركت بخطوة دفاعية وقربت مني.
هدير خدت بالها.
”أنا مش جايّة أتعارك.”
وقفت.
وراها، كان فيه كم ضيف بيلمّوا الزينة من ترابيزات القاعة. والعيال كانوا بيلعبوا بره، وغالباً مريم كانت منهم.
ورغم كل اللي حصل، كنت شايلة همّ ترتيبات هدير ليوم الاتنين.
”فيه إيه؟” سألتها.
هدير بصت وراها.
”سيف قال لي إنك أنتِ اللي هتساعدي عشان أنتِ عايزة كده. وربي ده اللي قاله لي.”
”مصدقة إن ده اللي قاله لك.”
بانت عليها الراحة للحظة.
وبعدين أضفت: “بس كان مفروض تسأليني أنا بنفسي.”
”عارفة.”
فركت وشها بإيديها.
”فيه حاجة تاني.”
استنيت.
”من حوالي سنة، سيف كان عنده مشكلة في عربيته النقل.”
كشّرت.
”عارفة. الموتور اتغير كله.”
”هو قالك دفع تمنه منين؟”
”قال إنه كان محوش.”
هدير غمضت عينيها.
”يا رب.”
”فيه إيه؟”
تعبير وشها قللقني.
”هو سيف عمره قالك إنه استلف مني فلوس؟”
”لا.”
”ستة آلاف وأربعمائة دولار.”
بصيت لها بذهول.
”مديون لك بالمبلغ ده كله؟”
هزت رأسها.
”ومن ثلاث أسابيع، قال لي إنه لقي طريقة يرجعهم بيها.”
إحساس مزعج ومخيف استقر في بطني.
”طريقة إيه؟”
هدير بصت لفستان فرحي.
وبعدين نطقت بهدوء.
”يا ندى، أعتقد إنك محتاجة تقعدي.”
الفصل الخامس — السعر اللي حطه لوقتي
دخلنا أوضة صغيرة جنب قاعة الاجتماعات.
كراسي بلاستيك فوق بعضها كانت محطوطة جنب الحيطة، وفيه ترابيزة تلوين أطفال في الركن.
بسنت فضلت قاعدة معايا.
هدير فتحت تليفونها.
”أنا سلفت سيف الفلوس دي الربيع اللي فات،” قالت. “عربيته كانت محتاجة موتور جديد، وماكنش يقدر يدفع تمن التصليح.”
افتكرت الموقف ده.
سيف كان متعصب جداً من تكاليف الإصلاح واستلف عربيتي مرتين وقت ما كانت عربيته في الورشة.
وكان ادعى إن معظم تحويشته راحت على الموتور.
”أنا اديته المبلغ ده،” كملت هدير. “ووعدني إنه هيسددهم لي أول ما يخلص من بقية فواتيره.”
”وهل عمل كده؟”
”دفع لي مائة دولار مرة واحدة وبعدين وقف تماماً.”
هدير بصت في الأرض.
”كنت محتاجة الفلوس ترجع يا ندى. الحضانة كانت بتاكل معظم مرتبي. كريم بيدفع نفقات العيال، بس لسه عليا إيجار وأكل وكل مصاريف البيت التانية.”
كنت فاهمة يعني إيه ضائقة مالية.
بس ماكنش قادرة أفهم ليه مشاكلي بتتربط بدين أخوها.
”من ثلاث أسابيع،” قالت هدير، “سيف جالي البيت وقال لي إنه لقي حل.”
استنيت.
”قال لي إنك قررتي تقعدي في البيت بعد الفرح. وإنك عايزة تاخد بريك من شغل عيادة الأسنان.”
ريقي نشف.
”وعرض عليكي تقعدي تراعي العيال لمدة سنة.”
بصيت لها بشلل فكري.
”وأنتِ تسامحيه في الدين بتاعه،” قلت ببطء.
هدير هزت رأسها.
لعدة ثواني، ما عرفتش أنطق بكلمة.
سيف ما اكتفاش بعرض مساعدتي لأخته.
هو تاجر بسنة كاملة من مجهودي وشغلي عشان يخلص دينه الشخصي.
هدير قلبت في رسايل تليفونها.
”أهو.”
مدت لي التليفون.
رسالة سيف الأولى كانت بتقول:
ندى جادة جداً في إنها تسيب الشغل بعد الفرح. وهي بتحب وجود العيال حواليها. وأنا شايف إن ده هيساعدنا إحنا الاثنين.
هدير كانت ردت:
أنت متأكد إنها هتعوز التلاتة كل يوم؟ دي شغلة متعبة جداً.
سيف رد:
هي أصلًا مخططة تقعد في البيت. مكنش هعرض كده لو مكنش تكلمنا في الموضوع.
وتحت شوية، هدير كانت كاتبة:
لو ندى هتهتم بالعيال لحد الربيع الجاي، هل قصدك إن كده فلوس العربية خلصت بينا وخالصين؟
سيف رد: