يوم الخميس

وفجأة، سمعت صوت خفيف جاي من فوق.
صوت باب أوضة بيتفتح.
رفعت عيني للسلم، ولقيت ملك واقفة عند أوله، ماسكة الدبدوب بتاعها، وشعرها منكوش من النوم.
كانت بتبص لنا بخوف.
ماما؟
جريت عليها وطلعت لها،
كانت دافية، لكن جسمها الصغير ارتعش أول ما سمعت صوت أحمد.
قال لها
تعالي يا حبيبتي، بابا هنا.
ملك استخبت في رقبتي، وهمست
لأ يا ماما… مش عايزة أروح مع عمو محمود تاني.
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
بعد أربع مرات من الإغماء، والكدمات اللي ظهرت على جسمها، دي كانت أول مرة بنتي تتكلم عن اللي بيحصل لها.
قعدت على السلم، وضمّيتها لصدري.
ليه يا حبيبتي؟ عمو محمود كان بيعمل لك إيه؟
هزت راسها بسرعة، وعينيها اتمَلَت بالدموع.
هو كان بيقول لي ما أقولكيش. وكان فيه ست بتخليني أشرب حاجة مُرّة، وبعدها دماغي بتلف، وببقى عايزة أنام ومش بعرف أقوم.
حسيت إن قلبي اتعصر.
ست مين يا روحي؟
نادين.
أحمد وقف مكانه، ووشه بقى أبيض.
ملك كملت وهي بتعيط
وفيه أوضة بيقفلوا عليّا فيها. وأنا لما بعيط، عمو محمود بيقول لي لو حكيتلك، إنتِ هتزعلي مني ومش هتحبيني.
وقلت لها
بصي لي يا ملك. إنتِ عمرك ما هتكوني غلطانة عشان تحكي لماما أي حاجة. مهما حصل، أنا هصدقك، فاهمة؟
هزت راسها وهي بتعيط.
وفي اللحظة دي، عرفت إن الموضوع أكبر من مجرد ديون أو أدوية.
فيه ناس استغلوا ثقة طفلة صغيرة، وخوفوها من أمها، وحولوها لوسيلة يحققوا بيها مصالحهم.
أما أحمد، فكان واقف قدامنا، عاجز عن إنه يبص في عينيها.
ما استنيتش الصبح.
رجعت أوضتي، أخدت موبايلي، وصورت ملف التسجيل وحفظت نسخة منه في مكان آمن. وبعدها اتصلت بأختي منى، وطلبت منها تيجي تاخدني أنا وملك.
ما قلتلهاش تفاصيل كتير في التليفون، لكن صوتي كان كفاية يخليها تتحرك فورًا.
لما أحمد عرف إني بتصل بيها، وقف قدامي.
رايحة فين دلوقتي؟
لمكان بنتي فيه تبقى آمنة.
سارة، لو خرجتي من البيت بالتسجيل ده، إنتِ مش فاهمة إنتِ بتعملي إيه. الناس دي مش سهلة.
بصيت له وقلت
كنت أتمنى أسمع منك الكلام ده قبل ما تسلّم بنتك ليهم.
حاول يقرب مني، لكني رجعت لورا.
ما تقربش مني.
لأول مرة، شاف في عينيّ حاجة ما شافهاش طول السنين اللي فاتت.
مش خوف.
ولا تردد.
قرار.
بعد أقل من نص ساعة، وصلت منى. خرجت أنا وملك من البيت، ومعانا هدوم بسيطة، وشهادة ميلادها، وملف التسجيل.
ما بصتش ورايا.
لكن قبل ما أقفل باب العربية، سمعت أحمد بينادي عليّا
سارة! أنا أبوها، ومش هسمح لك تحرميني منها!
بصيت له من الشباك وقلت
الأبوة مش كلمة بتقولها وقت ما تخاف تخسر بنتك. الأبوة كانت المفروض تبدأ لما بنتك كانت بترجعلك كل خميس فاقدة الوعي.
وسبتُه واقف مكانه.
أول مكان رحناه كان المستشفى.
الدكتورة اللي كشفت على ملك ما اكتفتش بالكلام عن الإرهاق، خصوصًا بعد ما عرفت إنها فقدت الوعي أكتر من مرة، وإن فيه احتمال تكون اتعرضت لمواد أو أدوية من غير علمي.
طلبت فحوصات عاجلة، وشرحت لي إن فقدان الوعي المتكرر عند الأطفال حالة تستدعي تقييمًا طبيًا دقيقًا، وإن الكدمات لازم تتوثق ويتحدد سببها، من غير ما نفترض السبب قبل ظهور النتائج.
فضلت جنب ملك طول الليل.
كل ما تغمض عينيها، كنت أمسك إيدها وأبص على صدرها وهو بيطلع وينزل، وأحاول أطرد من دماغي صورة أحمد وهو بيقول أنا محتاج الفلوس دي.
في الصبح، قدمت بلاغ رسمي، وسلمت نسخة من التسجيل للجهات المختصة، وطلبت توثيق حالة ملك الطبية.
ما كنتش عايزة أواجه أحمد بنفسي تاني.
كنت عايزة التحقيق هو اللي يكشف الحقيقة.
وبعد ساعات من الأسئلة والإجراءات، بدأت أول خيوط الق\ضية تظهر.
اسم نادين الكامل كان نادين الشافعي.
والعنوان اللي محمود كان بيروح له كل خميس ما كانش مركزًا طبيًا مرخصًا زي ما أحمد ادّعى.
كان شقة في عمارة سكنية، بتدخلها عربيات مختلفة، وبيخرج منها أطفال بصحبة أشخاص مش معروفين لأهاليهم.
لكن المفاجأة الأكبر ظهرت لما اتضح إن نادين كانت بتتعامل مع محمود وأحمد من خلال شركة صغيرة بتدّعي إنها بتقدم خدمات رعاية وتجارب مرتبطة بمنتجات صحية.
الشركة دي كان عليها شكاوى قديمة، بعضها اتقفل لعدم كفاية الأدلة، وبعضها ما وصلش أصلًا لمرحلة التحقيق الجاد.
أما الفلوس اللي أحمد كان بياخدها، فكانت بتتحول على دفعات لحسابات مرتبطة بديونه، وفيه تحويلات تانية ما قدرش يفسرها.
كل ده ما كانش حكمًا نهائيًا على حد، لكنه كان كفاية عشان المحققين يبدأوا يتتبعوا الأموال، ويفحصوا التسجيل، ويطلبوا المستندات المرتبطة بالمكان.
وبعد يومين، اتصل بيا ضابط التحقيق.
قال لي
يا مدام سارة، محتاجينك تيجي تسمعي جزء من تسجيل تاني لقيناه في العربية.
رحت وأنا حاسة إن فيه حاجة لسه مستخبية.
دخلت غرفة صغيرة، وقعدت قدام جهاز تسجيل.
شغّل الضابط الملف.
في البداية، سمعت صوت محمود بيتكلم مع نادين.
قال لها
البنت بدأت تخاف، وأمها قربت تكتشف كل حاجة.
نادين ردت ببرود
إحنا اتفقنا على أربع أسابيع. آخر دفعة هتكون بعد الجلسة الجاية.
محمود قال
أحمد بيقول إنه محتاج الفلوس فورًا، والدائنين بقوا واقفين له على الباب.
ضحكت نادين.
وبعدين قالت جملة خلت إيدي تبرد
أحمد مش فاهم إن الفلوس دي مش مقابل توصيل البنت بس. إحنا محتاجين نستمر في توثيق تأثير المادة اللي بنستخدمها، وملك مش أول طفلة دخلت البرنامج ده.
وقفت التسجيل فجأة.
بصيت للضابط.
مادة إيه؟!
قال لي إن ده تحديدًا اللي التحقيق كان بيحاول يثبته، وإنه ما ينفعش يجزم بنوع أي مادة أو تأثيرها قبل نتائج التحاليل والفحص الفني.
لكن الجملة الأخيرة فضلت تتردد في دماغي.
ملك مش أول طفلة.
يعني بنتي ما كانتش حالة عابرة.
وكان فيه أطفال تانيين ممكن يكونوا في خطر.
بعد أسبوع من بداية التحقيق، استدعوا أحمد ومحمود، واتنفذت إجراءات قانونية لتفتيش المكان وضبط المستندات والأجهزة المرتبطة بالق\ضية.
وفي الشقة اللي كانت نادين بتستخدمها، لقوا ملفات بأسماء أطفال، ومواعيد زيارات، وملاحظات عن حالاتهم بعد كل جلسة.
وكان اسم ملك موجودًا في ملف مستقل.
طلب المحققون فحص المستندات، ومراجعة الكاميرات، ومقارنة المواعيد بالتسجيلات اللي قدمتها.
وفي الملف نفسه، لقوا ورقة مكتوب فيها إن ملك لازم تفضل هادئة أثناء الجلسة، وتحتها ملاحظة بخط مختلف
الأم بدأت تشك. لو سألت، يتم إلغاء الزيارة التالية.
وقتها، فهمت ليه أحمد كان بيحاول يمنعني من المستشفى في كل مرة.
ما كانش بس بيخاف من الأسئلة.
كان بيخاف إن حد يكتشف إن حالة ملك مش طبيعية.
لكن اللي محدش فيهم حسب حسابه، إن ملك نفسها هتتكلم.
بعد ما استقرت حالتها، اتكلمت مع أخصائية مدربة على التعامل مع الأطفال، بعيدًا عن وجودي أو وجود أي شخص ممكن يأثر على كلامها.
ووصفت المكان، والست اللي كانت بتديها المشروب، والأوضة اللي كانت بتدخلها، وحتى شنطة صغيرة كانت نادين بتحط فيها زجاجات.
بعض التفاصيل اتطابقت مع الأشياء اللي اتضبطت في الشقة.
والفحوصات الطبية، مع الأدلة الأخرى، ساعدت في تحديد إن ملك اتعرضت لمادة دوائية من غير موافقة مني، لكن تحديد مسؤولية كل شخص ودوره كان لازم يتم بناءً على التحقيق والأدلة، مش على التخمين وحده.
أما محمود، فبدأ ينهار لما واجهوه بالتسجيلات والمستندات.
اعترف إنه كان بياخد ملك كل خميس، وإنه كان عارف إنها بتاخد مشروبًا بيخليها تفقد نشاطها، لكنه ادّعى إنه كان فاكر إن الموضوع جزء من برنامج علاجي.
لكن لما سألوه عن الكدمات، وعن تهديده لملك إنها ما تحكيش لأمها، ما عرفش يقدم تفسيرًا مقنعًا.
وبعد أيام، ظهرت رسالة على هاتفه، كانت نادين باعتاها له قبل آخر زيارة
لو سارة وصلت للحقيقة، أحمد هو اللي هيتحمل المسؤولية. إحنا ما نعرفش حاجة عن اتفاقه معانا.
الرسالة دي كانت بداية انهيار الخطة كلها.
لأنها أثبتت إن نادين نفسها كانت مستعدة تتخلى عن أحمد أول ما الخطر يقرب منها.
بعد حوالي شهر، استدعوني لمواجهة أحمد في إطار التحقيق.
دخل الغرفة مكبل اليدين، وشكله اتغير تمامًا.
كان باين عليه إنه ما نامش كويس من أيام.
أول ما شافني، قال
سارة، بالله عليكي اسمعيني.
ما رديتش.

الصفحة السابقة 1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *