اربع موتو.سيكلات

الحكاية اللي فضلت معاهم!
بعد اليوم ده، الأربعة كملوا رحلتهم.
لكن الرحلة ما كانتش زي ما بدأت.
كل ما كانوا يقفوا في مكان، كان جاك يفتكر ماريا وهي واقفة قدامهم، بتطلب حقها من غير ما ترفع صوتها.
وريك بقى يفكر مرتين قبل ما يحوّل أي موقف لسخرية.
وتوم بدأ ينتبه لطريقة كلامه مع الناس اللي بيشتغلوا في المطاعم والمحلات الصغيرة.
أما داني، فكان أكثرهم تأثرًا، لأنه أدرك إن السكوت عن الغلط مش دايمًا بيخلّي الإنسان بعيد عنه.
بعد أسابيع، مرّ الأربعة من نفس الطريق مرة تانية.
كان بإمكانهم يكملوا سفرهم، لكن جاك خفف السرعة بمجرد ما شاف المظلة القديمة.
أشار لأصحابه.
نقف هنا.
الموتوسيكلات الأربعة دخلت ناحية المطعم، ووقفت قدام الباب.
نزلوا، ودخلوا من غير ضحك عالي ولا تعليقات مستفزة.
ماريا كانت واقفة في المطبخ، ولما شافتهم، ابتسمت.
أهلًا يا ولاد! رجعتوا تاني؟
جاك ردّ بابتسامة خجولة
أيوه يا مدام ماريا. المرة دي جايين ندفع قبل ما ناكل!
ماريا ضحكت من قلبها.
يا ابني، هو لازم تدفعوا قبل الأكل؟ كلوا الأول، وبعدين الحساب.
ريك قال
لأ، خلينا نعملها صح المرة دي.
قعدوا على الترابيزة نفسها اللي كانوا قاعدين عليها في المرة الأولى.
طلبوا أربع وجبات، لكن المرة دي كانوا بيتكلموا بهدوء، وكل ما ماريا كانت تجيبلهم طبق، كانوا يشكروها.
بعد ما خلصوا، جاك طلب الحساب، ودفعوا المبلغ كاملًا، وتركوا بقشيشًا مناسبًا.
ماريا بصّت للفلوس وقالت
البقشيش ده زيادة عن الحساب.
جاك ردّ
ده مش تعويض يا مدام. ده لأن الأكل كان حلو، وإنتِ تعبتِ معانا.
ماريا ابتسمت.
ربنا يبارك لكم.
وقبل ما يمشوا، داني سألها
يا مدام ماريا، إنتِ فعلًا مش بتفكري تقفلي المطعم؟
ماريا ضحكت.
لأ يا ابني. هو أنا أسيب شغلي اللي بحبه وأقعد أعدّ الأيام؟
ريك قال
بس الشغل متعب عليكِ.
ردّت
التعب اللي الواحد بيحبه بيبقى أهون من الراحة اللي ما فيهاش معنى.
الأربعة سكتوا للحظة.
كانت جملة بسيطة، لكنها علقت في ذهنهم.
بعدها ودّعوا ماريا، وخرجوا من المطعم، وركبوا موتوسيكلاتهم.
ومن يومها، كل ما كانوا يسمعوا عن شخص ضعيف اتعرض للاستغلال، كانوا يفتكروا الست اللي علمتهم درسًا من غير ما تمد إيدها على حد، ولا تهدد حد، ولا حتى تطلب من ابنها ينتقم لها.
أما ماريا، ففضلت تفتح مطعمها كل يوم، وتطبخ بإيديها، وتستقبل الزباين بابتسامتها المعتادة.
ما احتاجتش تغيّر حياتها، ولا تسيب المكان اللي بتحبه، ولا تعتمد على قوة ابنها عشان تحس بالأمان.
كانت عارفة إن ابنها يقدر يساعدها، لكنها كانت مؤمنة إن الاحترام الحقيقي لازم يبدأ من الناس نفسها، مش من خوفهم من العواقب.
وفي آخر كل يوم، كانت تجمع الفلوس وتحطها في صندوقها المعدني القديم تحت الكاشير، ثم تطفي نور المطبخ وتبصّ على الترابيزات قبل ما تقفل الباب.
كانت بسيطة في عيشها، لكنها ما كانتش ضعيفة.
وكان عندها ابن ناجح يقدر يوصل لها في دقائق، لكن أهم حاجة ورثها منه ما كانتش المال ولا النفوذ؛ كانت الثقة إن الإنسان يقدر يدافع عن حقه من غير ما يتحول لشخص ظالم.
أما الأربعة اللي دخلوا المطعم يومها وهم فاكرين إنهم يقدروا ياكلوا ببلاش ويهربوا، فقد اكتشفوا إن أقسى درس مش دايمًا بييجي على هيئة عقۏبة أو ټهديد.
أحيانًا بييجي على هيئة سؤال بسيط، يخليك تواجه نفسك، وتكتشف إن المشكلة ما كانتش في الشخص اللي استضعفته لكن في الطريقة اللي اخترت تتعامل بيها معاه.
والحكاية دي بتفكّرنا إنك ما تعرفش أبدًا مين الشخص اللي قدامك، ولا إيه الظروف اللي مرّ بيها، ولا مين اللي بيحبه وواقف في ضهره. لكن حتى لو ما كانش وراه حد، ده مش معناه إن من حقك تظلمه.
لأن الاحترام مش مكافأة للقوي، ولا امتياز للغني، ولا حاجة بنقدمها بس للناس اللي نقدر نخاف منهم.
الاحترام حق لكل إنسان حتى لو كان واقف قدامك لوحده، بشعر أبيض وإيدين تعبانين، وبيطلب منك بس تمن الأكل اللي تعب عشان يقدّمهولك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *