قبل فرحي بساعة
—متضيعيش فرحتك بسببي.
وهنا انتهت أي حيرة كانت عندي. مستحيل أتجوز بني آدم علّم بنتي إنها لازم تصغر نفسها عشان تلاقي ليها مكان وسط بيتها وعيلتها.
طلبت من مريم، صحبتي المقربة، إنها تطلع لي الفستان اللافندر تاني، وساعدت رنا تلبسه.
ياسمين ظهرت بعد دقايق معدودة.
—مروان بقى واقف قدام الكوشة مستني.
—وقفي الفرح فوراً.
—محتاجة دقايق تهددي فيها؟
بصيت في دبلتي:
—لأ. الدقايق مش هتصلح أي حاجة من دي.
مشيت ناحية مدخل القاعة وأنا ماسكة إيد بنتي. ٧٥ ضيف وقفوا على حيلهم أول ما شافونا. مروان ابتسم، وغالباً كان متصور إني استسلمت وفي الآخر وافقت.
وقفت مكاني:
—من فضلك يا دي جي، وقف المزيكا.
الصمت خيم على القاعة كلها. خدت نفس عميق:
—أنا بجد آسفة لكل الناس اللي سافرت عشان تحضر وتشاركنا اللحظة دي، بس الفرح ده مش هيتم.
مروان جه جري لحد عندي:
—إنتي بتلغي الفرح كله عشان ترابيزة؟
بصيت له بجدية:
—الموضوع عمري ما كان بخصوص كرسي ولا ترابيزة أصلاً.
دخلنا أوضة جانبية لوحدنا وكان بيحاول يلحق الموقف:
—خلاص ماشي، رنا هتمشي معاكي، وهنقعدها في الصف الأول، ونرجع نحطها في الصور تاني، وممكن تقف جنبنا وقت قراءة الكتب والكتاب.
—إنت لسه مش فاهم حاجة خالص.
—اومال عايزة إيه؟
بصيت لبنتي بحب:
—خليتها تصدق وتقتنع إن قيمتها قلت عشان أنا أكون سعيدة.
مروان التفت ناحيتها:
—يا رنا، أنا آسف جداً لو كنتِ فهمتي كلامي غلط.
وهنا اتأكدت مليون في المية. قلعت الدبلة من إيدي:
—متعلقش غلطتك وتتحجج بأنها فهمتك غلط!
وحطيت الدبلة على الترابيزة.
—أنا مش هاتجوزك.
وش mروان أصفر واتخض:
—إنتي هترمي ٣ سنين بحالهم عشان الكلمتين دول؟
—لأ، أنا بحمي نفسي وبمنع إني أضيع الـ ٣٠ سنة اللي جايين مع واحد كان عارف كويس أوي إيه الخطوط الحمراء اللي أنا مستحيل أقبلها، ورغم كده قرر يقنع بنتي بكل ده من ورا ضهري وفي السر.
خدت رنا ومشيت. كنت فاكرة إن أصعب كابوس خلص وانتهى على كده، بس كنت غلطانة.
الصبح بدري، ليلى أخت مروان خبطت على باب بيتي ومعاها علبة صغيرة. ولما فتحتها، فهمت إن مروان كان كدب عليّ حتى في تفاصيل عيلته وأهله.
قبل ما نكمل الجزء التالت، تفتكروا إيه اللي هيحصل بعد كده؟
الجزء الثالث والأخير:
الصبح بدري، لقيت جرس الباب بيضرب. فتحت، وكانت ليلى أخت مروان واقفة وفي إيديها علبة خشب صغيرة، وعيونها حمرا كأنها مبطلتش عياط طول الليل.
—ممكن أخليني أدخل يا فريدة؟ من فضلك.
دخلت وقعدت في الصالون، ورنا كانت لسه نايمة في أوضتها تعبانة من اللي حصل امبارح.
ليلى حطت العلبة على الترابيزة وفتحتها بهدوء. كان جواها مجموعة كروت تهنئة، ورسائل بخط الإيد، وهدايا صغيرة زي ميدالية وسلسلة ذهبية بسيطة.
—إيه ده يا ليلى؟
ليلى نزلت راسها وقالت بصوت مكسور:
—دي حاجات ماما وبابا جابوها لرنا، وهما فاكرين إنتِ اللي رافضة تخليهم يقربوا منها أو يشاركوكم في تفاصيل الفرح.
اتخضيت جامد:
—أنا؟! أنا عمري ما قلت كده! ده أنا كنت كل شوية أسأل مروان لو أهله حابين ييجوا معانا في أي مشوار يخص الفرح، وكان دايماً بيقولي إنهم مش مهتمين وبياخدوا جنب!
—مروان كذب علينا كلنا —قالت ليلى وهي بتعيط بجد—. مروان هو اللي كان بيجيلنا ويقولنا إنك إنتِ وبنتك بتستتقلوهم، وإنه عشان يحافظ على السلام لازم نبعد ومظهرش كتير في الصور أو الترتيبات عشان “ننقذ” الموقف على حد قوله.
فتحت العلبة أكتر، وطلعت منها ورقة مكتوبة بخط إيد مروان نفسه. مش مجرد رسايل أهله، دي كانت “خطة عمل” متسطرة ومكتوبة نقطة بنقطة:
١. إبعاد البنت عن الزفة بالتدريج.
٢. تقليل ظهور أهل العروسة في الصور والترابيزات عشان العيلة الجديدة تبان مستقلة تماماً.
٣. إقناع فريدة إن استقلاليتنا معناها قطع الحبل السري مع الماضي.
قلبي انقبض وأنا قارية الكلام. مروان مكنش بس بيحاول يبعد بنتي عن اليوم ده، ده كان بيبني سجن صغير حواليا، خطوة بخطوة، وعايز يعزلني عن كل اللي بحبهم بحجة “بناء حياة جديدة”.
ليلى مسكت إيدي وقالت:
—أنا آسفة يا فريدة. لو كنت عرفت اللعبة اللي بيعملها بدري، مكنتش سكت ثانية واحدة. بابا وماما متمسكين برنا، وكانوا نفسهم تدخل عليهم وتعتبرها حفيدة لهم بجد، بس مروان هو اللي سمّم كل حاجة بينا.
طبطبت على إيدها:
—إنتِ ملكيش ذنب يا ليلى، وكويسة إن الحقيقة بانَت بدري وقبل ما ورق الفرح يتوثق رسمي.
بعد ما ليلى مشيت، دخلت أوضة رنا، ولقيتها صحيت وقاعدة باصة لفستانها اللافندر المعلق على الدولاب. قربت منها وحضنتها جامد ودموعي نازلة على خدها.
—ماما، إحنا هنرجع بيتنا القديم في المعادي صح؟
—هنرجع يا قلب ماما، وهنعيش حياتنا زي ما نحب، ومحدش أبداً هيقدر يقلل من مكانتك ولا يخليكي تحسي إطلاقاً إنك زيادة في بيتك.
رنا ابتسمت أخيرًا، والضيق اللي كان على قلبها من أسابيع اختفى في لحظة.
في النهاية، خسرت فرح وفلوس كلفوني كتير، بس كسبت نفسي، وكسبت بنتي اللي رجعت تضحك من قلبها بجد، والأهم إني عرفت إن أصعب قرارات الحياة هي اللي بتنقذنا من سجون إحنا كنا هنعيش فيها العمر كله.