ليالي 3الاخير

​تجمع الأطباء والممرضون بهلع في الغرفة وأمسكوا بهند التي كانت تضحك بشماتة وتنظر لبدر.. بينما بدر كان في عالم آخر.

​خطا خطوات مكسورة نحو السرير، ينظر لليالي المغمضة عينيها بهدوء شديد، فهمس بنبرة انشطر لها الحجر:

“ليالي.. مصممة تسيبيني برضه؟”

​ارتمى بجانبها، وهربت من عينيه دمعة قهر تترجاها:

“ليالي متسيبينيش.. أنا بحبك!”

​كان حديثه بسيطاً، لكنه يحمل روحاً تلتجئ لروحها. كانت هند تضحك في الخلفية والممرضون يكتمون دموعهم بصعوبة وهم يرون “كبير البلد” يجلس على الأرض بكسرة بالغة، ينظر لزوجته كطفل ينتظر أن تأتي أمه وتنقذه من كابوسه العنيف.

​شاع الخبر في النجوع كلها.. خبر موت الدكتورة ليالي الذي هز كيان الصعيد بأكمله. دفنها بدر تحت التراب، وانحنى يمسح على القبر بحنو بالغ ومؤثر شهده الجميع، وبداخله شيء أكبر بكثير من مجرد الوجع.. كان يحمل سراً لا يعلمه إنس ولا جان.

​بعد مرور سنتين..

​هدأت القرية واستقرت أحوالها، وطويت صفحات الدم. حورية تزوجت من ياسين الذي ظل بجانبها طوال فترة حزنها حتى أخرجها لبر الأمان ووقع في حبها وتزوجها وسافر بها إلى القاهرة.

​أما هند، فقد انتهى بها المطاف محتجزة في مستشفى الأمراض العقلية بعد أن فقدت عقلها تماماً برفضها لموت إخوتها.

ووالدها عدنان لحق بأولاده ومات بقهرته وحسرته.

بينما تركت والدتهم الدوار والبلدة بأكملها وعادت لبيت أبيها في قرية بعيدة.

أما آل مهران.. فقد وقعوا في شر أعمالهم بعد أن أبلغ بدر البوليس عن شبكتهم الكبيرة لتجارة المخد..رات والسل..اح غير المرخص، ليمحوا وجودهم تماماً.

​أما بدر.. فما زال هو “الكبير” الذي يهابه الجميع ويعيد حقوق الضعفاء، لكنه أصبح أكثر حدة، لا يبتسم ولا يتحدث إلا في العمل والآراضي والمصانع.

​وفي ليلة هادئة، بعد أن أنهى عمله الشاق، توجه بدر نحو شقته، وضع مفتاحه في الباب وفتحه بهدوء.

دخل بثقة، وأغلق الباب خلفه، وفي تلك اللحظة فقط.. خلع وجهه الصلب وملامح الحدة، وارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة للغاية عندما سمع ذلك الصوت العذب القادم من المطبخ:

​”أنت جيت يا كوتي؟”

​اتسعت ابتسامته وهو يرجع بذاكرته إلى ذلك اليوم المشؤوم في المستشفى..

​قبل سنتين وتحديداً في غرفة المستشفى:

​”بدر..”

أصدر بدر صوت همهمة خفيفة وهو يضع رأسه على كتفها بتعب.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *