شافَت جوزها مع واحدة تانية
”أنا ممكن أفسرلك اللي حصل،” قالها بصوت متردد.
نورهان ابتسمت ابتسامة خفيفة باهتة. “متأكدة إنك تقدر.”
”الموضوع مش زي ما أنتِ فاهمة.”
نزلت عينيها لكتاب اللي محطوط على حجرها. “أنت جايب واحدة تانية فندق، وكنت قايل لي إنك شغال لقت متأخر بالليل.. المفروض أفهم إيه بالظبط؟”
زياد ملقاش أي إجابة يقولها. قضى شهور بيقنع نفسه إن نورهان عمرها ما هتهون عليها تسيبه علشان هي بتحبه أوي. ودلوقتي، وهو قاعد قصادها، حس إنه كان بيتلخبط ومفكر إن الحب ده حاجة دايمة للأبد ومستحيل تتغير.
”أنا عملت غلطة مش مقصودة،” همس.
نورهان رفعت عينها وبصتله. “لأ.. الغلطة بتحصل مرة واحدة بس.”
الجملة نزلت عليه أثقل وأقسى من أي اتهام مباشر ممكن تقوله. زياد مال لقدام، وكان نفسه يمد إيده عشان يلمس إيدها، بس..
بس.. حس كأن فيه جدار من الإزاز السميك بينه وبينها. جدار اتبنى طوبة فوق طوبة على مدار سنين من الإهمال والبرود والوعود اللي كانت بتتبخر أول بأول.
نورهان قامت من على الكنبة في هدوء، وسابت الكتاب على الترابيزة.
”تصبح على خير يا زياد.”
”نورهان.. انتي نويتي على إيه؟” سألها بصوت مهزوز لأول مرة في حياته، صوتاً مبقاش فيه أي ذرة من غرور رجل الأعمال الناجح. “هنتطلق؟ هنبيع البيت؟ هتعملي إيه؟”
وقفت ثواني على عتبة الصالة، بصتله نظرة أخيرة مفيهاش أي غضب.. نظرة واحد بيبص على صفحة قديمة في كتاب قفله وخلاص.
”الطلاق ده إجراء شكلي يا زياد.. أنت خسرتني من زمان، بس خسارة إنك أدركت ده متأخر أوي.”
مشيت ودخلت الأوضة وقفلت الباب وراها بهدوء.
زياد فضل قاعد مكانه لوحده. الصمت رجع تاني يسيطر على الفيلا، بس المرة دي الصمت مكنش مريح.. كان زي العاصفة اللي بتهد كل حاجة من جوه.
تاني يوم الصبح، الشمس طلعت على الشيخ زايد، بس جو البيت كان تثلج. زياد نزل على الصالة وريحة القهوة لسه موجودة، بس مكنش فيه فنجان تاني محطوط جنبه.
دخل المطبخ، لقى ورقة صغيرة لازقة على الثلاجة بخط إيد نورهان:
(أنا أخدت هدومي الأساسية وعربيتي.. المحامي بتاعي هيتواصل معاك بخصوص إجراءات الانفصال الودي. مفاتيح البيت وورق الشركة هسيبهم مع أمن الحاصلة تحت.. مع السلامة يا زياد).
الورقة كانت قصيرة وواضحة جداً، كأنها بتدير صفقة عمل مش بتنهي تسع سنين جواز.
زياد مسك الورقة وإيديه كانت بتترعش. لأول مرة يحس بمدى الفراغ اللي حواليه. فتح موبايله وكتب رسالة لشيرين: “ممكن نتقابل؟”
ردت عليه بعد دقايق: “أنا فكرت كويس يا زياد.. اللي بيننا انتهى من اللحظة اللي شوفت فيها مراتك.. إنسانة بالبرود ده وهي بتاخد قرارها، ممكن تدمر أي حد في طريقها.. وأنا مش ناوي أكون في سكتها. سلام.”
زياد رمى الموبايل على الرخامة.
بقى لوحده تماماً.
في الساعات اللي بعد كده، حاول يركز في شغله، يفتح لاب توب الشركة، يراجع عقود، بس عقلة كان متشتت تماماً. بص حواليه في البيت الواسع.. الفيللا اللي كان دايماً شايفها دليل على نجاحه وتعبه.. اكتشف فجأة إنها مجرد حوائط خرسانية فارغة. مفيش فيها ضحكة، مفيش فيها حد بيستناه، مفيش فيها غير صدى صوته وهو بينادي على إنسانة اختارت تمشي في هدوء تام..
عشان تسيب وراها رجل خسر كل مكسبه الحقيقي في الحياة، وهو واقف مذهول على رصيف فندق في وسط البلد.