امي كانت واقفة في صالة الشقة بشنطة المستشفى

امي اللي عندها اتنين وثمانين سنة كانت واقفة في صالة الشقة بشنطة المستشفى، ومراتي رفضت تماماً تخليني أخد العربية العائلية. “أمي مش مسؤوليتك يا بركات، دبرها بنفسك” ده اللي قالته سحر من غير ما ترفع عينها أصلاً من على الموبايل. في اللحظة دي، وأنا شايف أمي بتبحلق في الأرض من الكسوف، حسيت إني قضيت سنين طويلة جداً بدافع عن تصرفات مكنش ينفع أبداً تتعدى بالسهولة دي.

​أمي كان عندها كشف عند دكتور كبير في المعادي، ميعاد استنيناه تقريباً تلات شهور بالعافية عشان نلحقه. عربيتي كانت في التوكيل بتتعمل، ومبقاش قدامنا غير عربية الدفع الرباعي اللي واقفة تحت البيت. أنا مكنتش بطلب من سحر تسوق بينا ولا تلغي مشاويرها، كل الحكاية كنت عايز أخد المفتاح لساعتين بس.

​”يا سحر، الدكتور لازم يشوف آخر تحاليل لامي” ده اللي قلته وأنا بحاول أكون هادي على قد ما أقدر. “احنا مَنفعش نفوت الميعاد ده أبداً.”

​مراتي كانت قاعدة على جزيرة المطبخ لابسة لبس تمرين غالي، وبتشرب آيس كوفي وهي بتقلّب في الموبايل. شنطتها الغالية كانت جنب مفاتيح العربية، وكان واضح إنها مهتمة بالبرانش بتاعها أكتر بكتير من الست الكبيرة اللي واقفة مستنية على أحر من الجمر جنب الباب.

​”أنا عاملة خططي وخلاص، مش هغير يومي عشان أمك مش عارفة تدير مواعيدها الطبية بنفسها” ردت عليا بمنتهى البرود.

​بصيت لناحية أمي اللي صاحية من الساعة خمسة الفجر عشان تجهز للزيارة. كانت لابسة الجاكيت الصوف الأزرق المفضل ليها، ومجهبة الأدوية بتاعتها وتقاريرها الطبية وإزازة المية جوه شنطة سفر صغيرة. وبالرغم من توترها من الكشف، كانت لسة سهرانة ليلة مبارح خابزة الكيكة اللي سحر بتحبها.

​”معليش يا حبيبي، خلاص ممكن نأجل الميعاد، أرجوك متتخانقش مع مراتك بسببي” أمي همست وهي بتلمس دراعي برقة.

​لما سمعتها بتعتذر، حسيت بحاجة جوه قلبي اتقطعت. دي الست اللي اشتغلت شغلانتين بعد ما أبويا توفى، اللي ضحت بالفسح واللبس الجديد عشان تدخلني الجامعة. ودلوقتي، وهي في سن اتنين وثمانين، حاسة بالذنب لمجرد إنها محتاجة مساعدة عشان تروح الكشف.

​التفتّ تاني لسحر وسألتها لو هي فاهمة أصلاً الزيارة دي مهمة قد ايه. اتنهدت بتهكم، وخدت شنطتها، وقعدت تشتكي إن حياتنا بقت مركزة زيادة عن اللزوم على طلبات أمي.

1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *