المفتاح
الساعة 11:02 بالليل، اهتز جوالي فوق طاولة القهوة وأنا بين النوم والصحيان، بنفس التعب اللي يخليك تسمع صوت المحركات حتى وأنت داخل شقتك.
كنت راجع من أربع رحلات متواصلة، لابس بنطلون الزي الرسمي، وبطاقتي معلقة في الحزام كأني ما طلعت من الطيارة أصلًا.
الشقة كانت هادية بطريقة غريبة.
التلفزيون يلمع في الظلام، والستائر نصف مفتوحة على أضواء المدينة، والكنبة كانت ماسكتني كأنها ما تبيني أقوم.
كنت أحتاج نوم، مو محادثة عائلية.
بس اسم هانا ظهر على الشاشة.
أختي ما كانت ترسل في هالوقت إلا إذا فيه طلب، ومثل كل مرة، الطلب ما يجي بشكل طلب.
يجي كقرار جاهز، ملفوف بضحكة، ومثبت فوقه ختم العائلة.
فتحت الرسالة.
“شقتك أقرب للمطار.
بننزل عيالي الأربعة عندك أسبوعين.
لوك فاجأني ببورا بورا!”
جلست أطالع الشاشة بدون ما أرمش.
أربعة عيال.
أسبوعين.
شقتي.
الساعة 11 بالليل.
ولا سؤال واحد.
ما فيه “تقدر؟” ولا “ظروفك تسمح؟” ولا حتى “آسفة على آخر لحظة.” فقط إعلان.
كأن حياتي غرفة انتظار في مطار، وكأن أنا موظف مناوب عند بوابة العائلة.
كتبت لها: “أنا مو بالبيت.”
ظهرت الثلاث نقاط فورًا.
“ماما عندها مفتاحك الاحتياطي.
بتدخلنا.
بنمر عليك وإحنا رايحين المطار.
لا تكبر الموضوع.”
الجملة ضربتني في مكان ما كان فيه غضب بس، كان فيه تاريخ.
أمي عندها مفتاحي الاحتياطي للطوارئ.
للطوارئ فقط.
هذا اللي اتفقنا عليه يوم عطيتها إياه بعد ما سافرت رحلة طويلة وخفت يصير تسريب أو مشكلة في الشقة.
بس في بيتنا، كلمة “طوارئ” كانت تتمدد على مزاجهم.
إذا هانا احتاجت شي، صار طارئًا.
إذا أمي قررت شي، صار واجبًا.
وإذا أنا قلت لا، صار أنانية.
حطيت الجوال على ركبتي، وعيوني على ضوء التلفزيون الأزرق.
أول شعور طلع كان الذنب، ذنب قديم أعرف صوته.
صوت أمي وهي تقول: “فكر في عيالك أختك.” صوت هانا وهي تقول: “أنت ما عندك مسؤوليات مثلنا.” صوت أبوي وهو يسكت بطريقة تخليك تحس إنه موافق على اللي ضدك.
بس هالمرة، الذنب ما قدر يمسك المقود.
كان فيه شي أقوى منه.
تعب طويل.
تعب من إنك تصير صراف آلي، حضانة، سائق، مصلح مشاكل، وكل هذا باسم العائلة.
اسمي مارك كولينز.
عمري أربع وثلاثين.
أشتغل كابتن طيران تجاري، وهذا يعني إن حياتي كلها جداول تتغير، نوم متقطع، ومطارات تشبه بعضها لدرجة إنك أحيانًا تصحى في فندق وما تعرف أي مدينة حولك.