قبل انتهاء الفرح حصري روايات رولا

سمعت العروس ضحكة شقيقتها قبل القبلة بعشر دقائق.
​لم تكن تلك الضحكة الخافتة التي يطلقها الناس في حفلات الزفاف، بل كانت من ذلك النوع الخاص.
النوع الذي يحمل نشوة الانتصار.
​بحلول الوقت الذي عادت فيه “مالين ويتمور” سيرًا إلى قاعة الاحتفالات، كانت تعلم بالفعل أن المراسم قد انتهت.
​تسلل الصوت عبر الشق الضيق لباب الخدمة الموارب بالقرب من استراحة السيدات، منسابًا إلى الممر الرخامي مثل الدخان. توقفت “مالين” فجأة لدرجة أن حاشية ثوبها العاجي همست باحتكاكها بالأرض. خلفها، كانت قاعة النادي الريفي تتوهج بالثريات، والورود البيضاء، والفضة المصقولة، وذاك النوع من السعادة الباهظة الثمن التي تبدو مثالية من بعيد.
​كانت فرقة رباعي وتري تعزف مقطوعة رقيقة تمنحك شعورًا بأنها إرث عائلي. مائتا ضيف ينتظرون تحت الضوء الدافئ نخب النهاية، والقبلة، والتصفيق الخافت الذي سيختم تحالفًا عائليًا وصفه الجميع بالرومانسي.
​ثم ضحكت “بيانكا” مجددًا.
​كانت “مالين” تعرف تلك الضحكة جيدًا.
​لقد سمعتها في غرف نوم الطفولة عندما كانت “بيانكا” تنجو بفعلتها بعد كسر شيء ما وتلقي باللوم على الجاذبية. سمعتها في العطلات، وأثناء احتساء النخب، وعبر غرف تبديل الملابس، وفي غداءات الجمعيات الخيرية حيث كانت “بيانكا” تبتسم لوقت كافٍ لتنال المديح ثم تشحذ سكاكينها في الخفاء.
​لكنها لم تكن هكذا قط.
لم تكن أبدًا منخفضة، وواثقة، وحميمة إلى هذا الحد.
لم تكن أبدًا تحمل رائحة النصر.
​لم تلهث “مالين”. ولم تسقط باقة الزهور من يدها. ولم تفتح الباب على مصراعيه كإمرأة في مسرحية ميلودرامية، على الرغم من أن شيئًا ما داخل صدرها قد سكن بالفعل.
​تسللت أصابعها إلى حقيبتها الصغيرة المطرزة، ووجدت هاتفها، وبدأت في التسجيل.
​داخل ممر الخدمة، أجاب صوت “أدريان ميرسر” بهمس حاد:
«اخفضي صوتكِ. الناس في كل مكان».
​نقرت “بيانكا” بلسانها: «اهنأ. لقد وقعنا الأوراق بالفعل. هي تعتقد أن الليلة تنتهي بشهر عسل، لكنها تنتهي بتوكيل رسمي عام».
​لثانية واحدة، بدا الممر وكأنه يميل.
​أمالت “مالين” كتفًا واحدًا على الحائط البارد. سرت القشعريرة عبر صدر ثوبها الحريري وصولاً إلى عمودها الفقري. ظل وجهها متماسكًا لأنها أمضت اثنين وثلاثين عامًا وهي تتعلم كيف تبدو هادئة بينما يجرعها الناس الألم ويسمونه “واجبًا عائليًا”.
​تنهد “أدريان” بنفاد صبر:
«هذا فقط إذا قامت والدتكِ بدورها. يجب على “ديان” أن تضغط من جهة الصندوق الائتماني. “مالين” تستمع عندما يصف الناس الأمر بأنه واجب عائلي».
​ضحكت “بيانكا” خافتة:
«إنها تستمع لأنها أمضت حياتها كلها تحاول أن تكون الابنة الصالحة. ولهذا السبب يسهل توجيهها».
​الابنة الصالحة.
سهلة.
توكيل رسمي.
​هبطت الكلمات كجروح صغيرة ونظيفة.
​حملقت “مالين” في المرآة المقابلة في الردهة. امرأة باللون الأبيض تحدق بالمقابل فيها. أقراط ألماسية. أحمر شفاه مثالي. طرحة مثبتة باللآلئ. وجه مستعد لفيض من الحنان العلني.
​العينان فقط هما ما تغيرتا.
لم تكن عينين تنكسران.
بل كانتا تبردان.
​تابع “أدريان” الحديث:
«أولاً نماذج التفويض العام، ثم الوصول إلى حزمة التصويت بالوكالة. ثم منزل “بactivationيكون ستريت” كضمان لجولة التوسعة الخاصة بي. وبمجرد أن ترتبط بالديون، لن تتمكن من الانسحاب دون أن تبدو وكأنها تخرب عمل زوجها».
​خفضت “بيانكا” صوتها، لكن الهاتف التقطه على أي حال:
«لقد وعدتني أنه بعد الحفل، لا مزيد من التأجيل. لم أقضِ ثلاث سنوات متسللة في الخفاء لمجرد رؤيتك تلعب دور الزوج المخلص إلى الأبد».
​ثلاث سنوات.
​أحكمت “مالين” قبضتها حول الهاتف.
​ثلاث سنوات تعني أعياد ميلاد. وجبات عشاء. زيارات للمستشفى. مجلس عزاء والدها. وأيام الأحد العائلية المرتبة بعناية من قِبل والدتها.
​ثلاث سنوات تعني أن “بيانكا” جلست في مواجهتها على الطاولات المصقولة، تسألها عن الزهور وأحذية وصيفات العروس، بينما كانت تنام مع الرجل الذي كانت “مالين” على وشك الزواج منه.
​لم تدموع عينا “مالين”. أوقفت تسجيل الفيديو، وحفظت الملف في نسختين احتياطيتين على بريدها الإلكتروني، ثم أعادت الهاتف إلى حقيبتها المطرزة. عدّلت طرحتها المرصعة باللآلئ أمام المرآة، ورسمت على شفتيها الابتسامة ذاتها التي دربها المجتمع عليها لسنوات: ابتسامة الابنة الصالحة، الهادئة، والسهلة.
​تحركت بخطوات واثقة نحو قاعة الاحتفال، تاركةً خلفها ممر الخدمة المظلم وخياناتهم الرخيصة.
​عندما دخلت القاعة، كانت الأضواء دافئة، والموسيقى تعزف برومانسية. رأت والدتها “ديان” تتحدث مع بعض الضيوف، ورأت “أدريان” و”بيانكا” يعودان إلى القاعة من بابين مختلفين بفارق دقيقتين، وعلى وجه كل منهما قناع البراءة المثالي.
​اقترب “أدريان” منها، وابتسامته تمتد لتملأ وجهه الكاذب.
«أين كنتِ يا حبيبتي؟ الجميع بانتظارنا من أجل القبلة والنخب الأخير».
​ابتسمت مالين، وشعرت ببرودة غريبة تسرق كل دفء في جسدها.
«كنت أستعد فقط لأجمل لحظة في حياتي».
​صعد الاثنان إلى المنصة الصغيرة وسط تصفيق الحاضرين المائتين. رفعت الوالدة “ديان” كأسها، وأشارت لفرقة الموسيقى بالتوقف. أخذ “أدريان” الميكروفون ليقول كلمته المعتادة عن الحب والشراكة، بينما كانت “بيانكا” تقف في الصف الأمامي، وعيناها تلمعان بانتصار ظنت أنه أبدي.
​عندما انتهى “أدريان” من كلمته، التفت إلى مالين بانتظار القبلة التي ستعلن زواجهما أمام الجميع وتمنحه التوكيل الرسمي.
​لكن “مالين” رفعت يدها بلطف، وأشارت إلى الفني المسؤول عن الشاشات الكبيرة في القاعة، والتي كانت مخصصة لعرض صور طفولتهما وقصة حبهما المزيفة.
​«قبل القبلة، وقبل النخب…» قالت مالين بصوت واضح وعبر الميكروفون، «لدي هدية صغيرة لعائلتي. مفاجأة لزوجي العزيز، وشقيقتي الحبيبة، ووالدتي التي تهتم جداً بالواجب العائلي».
​انطفأت أنوار القاعة ببطء، وتوجهت كل الأنظار نحو الشاشة الكبيرة.
​لم تظهر صور الطفولة.
بل ظهر تسجيل فيديو واضح، وصوت نقي يملأ أركان القاعة الفاخرة:
«لقد وقعنا الأوراق بالفعل. هي تعتقد أن الليلة تنتهي بشهر عسل، لكنها تنتهي بتوكيل رسمي عام… لم أقضِ ثلاث سنوات متسللة في الخفاء لمجرد رؤيتك تلعب دور الزوج المخلص إلى الأبد».
​ساد القاعة صمت قاتل. صمت أثقل من الرخام الذي تحت أقدامهم.
​تحول وجه “أدريان” من الابتسام إلى شحوب الموت، وسقط كأس “بيانكا” من يدها ليتشظى على الأرض، بينما تجمدت والدتهما “ديان” في مكانها وكأنها تمثال من ثلج. ومائتا ضيف من النخبة يتابعون الفضيحة ببصيرة مذهولة.
​التفتت “مالين” بكامل أناقتها نحو “أدريان”، ونظرت في عينيه المرعوبتين.
​«منزل بactivationيكون ستريت لن يكون ضماناً لديونك، يا أدريان. والابنة الصالحة استيقظت الليلة».
​خلعت “مالين” خاتم الزواج الألماسي، وألقته بهدوء في كأس النبيذ الخاص به. ثم التفتت إلى الحضور، ورفعت كأسها ببرود ملكي:
«شكراً لكم جميعاً على الحضور. العشاء مستمر، لكن الزفاف قد انتهى».
​استدارت ممسكةً بحاشية ثوبها العاجي، ومشيت بخطوات ثابتة وثقة مطلقة عبر الممر، تاركةً خلفها عائلتها الفاسدة الغارقة في رماد فضيحتها، لتخرج إلى الليلة الباردة، حرة، ومنتصرة لأول مرة في حياتها.!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *