مش بالمظاهر حصري لصفحة روايات رولا
الجزء الأول
«بالفستان ده شكلها جاية تشحت، مش جاية تتبرع.»
الجملة دي طلعت من بق “أحمد المنصوري” بنعومة سمة، زي عوايد الرجالة اللي متعودة تهين الناس من غير ما تعلي صوتها. كان واقف في القاعة الكبيرة في فندق 5 نجوم في جاردن سيتي، وحواليه رجال أعمال، وسياسيين، وإنفلونسرز، وعائلات بتضحك وكأن عمل الخير ده مجرد إكسسوار غالي زيادة.
على بعد كام متر، كانت فيه ست واقفة لوحدها جنب ترابيزة العصاير. كانت لابس فستان أبيض متطرز بالإيد، بورد أحمر وأزرق وأخضر، شكله ينطق وكأنه لسه طالع من ورشة في أخميم في الصعيد. مكانتش لابه مجوهرات كبيرة، ولا شايلة شنطة براند. هو يا دوب شال تقليدي مطوي على دراعها، وهدوء وثقة يخنقوا أكتر من أي خناقة.
— هو مين اللي عزم دي؟ — همست “فريدة”، خطيبة أحمد، وهي بتشد دراعه — شكلها غلت في العنوان وجاية الفرح الغلط.
أحمد ابتسم. كان صاحب كذا شركة مقاولات، والليلة دي كان رايح عشان يثبت للكل إن اسم عيلته لسه هو اللي بيمشي سوق العقارات في القاهرة. كان محتاج صور، وعلاقات، وتحالف مع “مؤسسة ابن البلد”، اللي بتخطط تبني مستشفيات خيرية في قرى الصعيد.
الست مكانتش باين عليها الأهمية، وده بالذات اللي خلاه يقرب منها.
— لوسمحتي — أحمد قال بنبرة فيها أدب مزيف — التطريز ده حلو أوي. هو حضرتك بتبيعي مناديل سفيرة كمان ولا جاية تتمنظري بمفرش الترابيزة؟
اتنين واقفين جنبهم اتسمروا من الصدمة. فريدة ضحكت ضحكة مكتومة. الست لفت براحة.
عينها كانت هادية، واسعة، يمكن تعبانة شوية، بس نظرتها كانت حادة ومبتخافش.
— مابيعش مناديل — ردت عليه — بس شكراً إنك لاحظت الشغل اللي فيه.
أحمد حس بالتحدي من برودها ده.
— الناس هنا بتيجي بلبس سهرة وفورمال يا هانم.
— غريبة! — قالت الست — أنا قولت إنهم جايين يساعدوا الناس.
الرد ده وقف في زوره زي الشوكة. وعشان ميبانش إنه اتهزم، أحمد ضحك بصوت أعلى.
— المساعدة برضه محتاجة واجهة وشياكة.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
الست مردتش. بصتله بنظرة صعبانية صافية لدرجة خلت أحمد يتغاظ من جواه. بعد كده، أخدت كاس الكركديه بتاعها ومشيت ناحية المسرح.
— سبر تكييفها عالي أوي — همست فريدة — أكيد قريبة حد من المنظمين.
الأنوار وطيت قبل ما أحمد يرد.
المذيع طلب من الناس السكوت، وأعلن إن المؤسسة هتاخد الليلة دي تبرع تاريخي عشان يفتحوا 4 مستشفيات، ويدوا منح للممرضات في الأرياف، ويعالجوا أطفال معندهمش تأمين صحي.
— بكل فخر وامتنان — المذيع قال في المايك — بنقدم ليكم المتبرعة الرئيسية لينا، اللي لسه متبرعة حالا بـ 90 مليون جنيه للمشروع ده.
القاعة كلها قعدت توشوش.
أحمد عدل وففته. 90 مليون جنيه مش مبلغ قليل، ولا حتى بالنسبة له.
— أكيد أرملة لواء قديم أو رجل أعمال — همست فريدة.
— أو حد بيغسل ذنوبه — أحمد رد.
ساعتها المذيع ابتسم.
— رحبوا معايا بالدكتورة “رضوى الهواري”، رئيسة مجلس أمناء مؤسسة ابن البلد.
الست اللي بالفستان المتطرز صعدت على المسرح.
إيد أحمد اتجمدت من الصدمة.
وفريدة مابقتش تضحك.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
رضوى مسكت المايك بنفس الهدوء اللي واجهت بيه تريقة أحمد.
— مساء الخير. الليلة دي مش عايزة أتكلم عن الفلوس. عايزة أتكلم عن الكرامة. لأن لسه فيه ناس فاكرة إن قيمة البني آدم بتتقاس بالماركة، أو باسم العيلة، أو بتمن الفستان اللي لابساه.
القاعة كلها سكتت ومبقاش فيها نفس.
أحمد حس إن الكل بيبص عليه، مع إن محدش كان لسه عرف هو قالها إيه. أو يمكن عرفوا؛ جايز حد يكون صوره.
رضوى بصت لفستانها.
— الفستان ده ستي “كريمة” طرزته بإيدها على مدار 6 شهور. عملت كده وهي بتبيع مش ومخلل في سوق في طنطا، لما كانت لسه بتحلم تفتح عيادة للستات الغلابة اللي مش قادرين يدفعوا تمن الكشف. كل وردة وراها حكاية. كل غرزة دفعت تمن أكل، ودوا، ومدرسة. الحاجات الغالية بتتشري، بس الحاجات اللي ليها قيمة بجد بتتحترم وتتصان.
كاس أحمد اتزحلق من إيده واتدشدش على الأرض.
الصوت كان صغير، بس في ودنه كان زي صوت حبل المشنقة.
رضوى رفعت عينها، ونظرتها جت في عينه لثانية واحدة. مأشارتش عليه، ومفضحتوش قدام الناس. مكانتش محتاجة تعمل كده.
لما الخطبة خلصت، القاعة كلها وقفت تسقف بحرارة. أحمد حاول يقرب منها، بس اتنين من بودي غاردات المؤسسة وقفوا في وشه.
— الدكتورة رضوى مش هتقدر تقابلك.
— أنا عايز أعتذر لها بس.
— كنت فكرت في كده من الأول.
فريدة شدت دراعه.
— يلا نمشي من هنا قبل ما الفضيحة تكبر.
بس الفأس كانت وقعت في الرأس خلاص. على ترابيزة قريبة، كانت بنت بتقل تليفونها في جيبها وهي بتضحك ضحكة شماتة على غيظ.
تاني يوم الصبح، الفيديو كان جايب ملايين المشاهدات.
الجزء الثانيجميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
الساعة 9 الصبح، أحمد المنصوري مكنش خلاص رجل الأعمال الشيك بتاع الحفلة. بقى اسمه “الراجل اللي في الفيديو”.
السوشيال ميديا مرحمتوش. التريقة على الفستان، ضحكة فريدة، الكاس المكسور، وش رضوى الراسي، وبعدها الإعلان عن الـ 90 مليون جنيه. كل حاجة كانت ممنتجة ومحطوطة ورا بعضها وكأن الدنيا قاصدة تفضحه جهاراً نهاراً.
«أهان الست اللي بتنقذ غلابة أكتر من شركاته كلها».
«الفستان ده فيه شياكة وأصل أكتر من كل ثروته».
«أحمد المنصوري عرف إن الفلوس مبتشتريش رباية».
قبل الظهر، اتنين من الشركاء ألغوا اجتماعاتهم معاه. بنك جمد له خط ائتمان. ومؤسسة ابن البلد وقفت المشروع المشترك مع شركة المقاولات بتاعته. وفريدة، اللي كانت بتضحك معاه ليلة امبارح، دخلت مكتبه ومعاها بيان صحفي مكتوب وجاهز.
— قول إنه سوء تفاهم — زعقت فيه — قول إنك بتحترم التراث والمصنعين المصريين، وإنك كنت بتهزر، وإن كلامك اتاخد بره سياقه.
أحمد بص لشاشة الكمبيوتر. الفيديو كان شغال من غير صوت، بس الخزي كان صوته عالي أوي.
— مكنش سوء تفاهم.
فريدة بربشت بعينها مش مصدقة.
— متبقاش درامي. المهم دلوقتي ننقذ برستيجك قدام الناس.
— والبرستيج ده يستاهل يتنقذ اصلاً؟
رَمَت المجلد على المكتب بزهق.
— أحمد، متضيعش نفسك وتغرق عشان ست حتى مغلطتش فيك.
ده بالذات كان أكتر حاجة وجعته. رضوى مغلطتش فيه، دي سابته لوحده يواجه حقيقته الواطية.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
في المغربية، جاتله مكالمة مش على البال. مكنتش من رضوى، كانت من الحاج “جلال الهواري”، مؤسس الجمعية وجد رضوى.
— حفيدتي مش عايزة تشوف وشك — الراجل الكبير قال من غير سلام.
— فاهم ده.
— بس أنا اللي عايز أشوفك.
أحمد بلع ريقه.
— عشان إيه؟
— عشان أعرف أنت بني آدم قاسي، ولا مجرد جبان معاه قرشين.
اتقابلوا في بيت قديم في حي مصر القديمة، جدرانه عليها ورد جهنمية وريحة قهوة بالحبهان قالبه المكان. الحاج جلال مصلوش يقعد إلا بعد ما فضل يبص في وشه كتير.
— أنت كنت عايز تصغر رضوى وتكسرها عشان فستانها حسسك بالدونية — الراجل قال — السؤال هو ليه؟
أحمد كان لسه هيدافع عن نفسه، بس ملَقاش كلام يقوله.
ساعتها تذكر أمه.
”ست أمل”. الخياطة. الست اللي إيدها كانت ناشفة من الشغل، وضهرها محني، وعينها مكانتش بتشيل نظرة الفخر بيه، رغم إنه بدأ يتكسف منها لما دخل مدارس لغات بمنحة بسبب شطارته.
— أمي كانت بتخيط لبس في السيدة زينب — أحمد اعترف — كانت بتصلح بنطلونات، وتطرز مفارش، وترقع لبس المدارس. كنت بكره زمايلي يعرفوا ده. ولما عملت فلوس، مسحت الماضي ده كله. غيرت طريقتي، ولبسي، وأصحابي. أردت أبان ابن ناس من الزمالك أو جاردن سيتي.
الحاج جلال بص له من غير ما يصعب عليه.
— يعني لما شفت حفيدتي، مشفتش فستان. أنت شفت الأصل اللي أنت دفنته بإيدك.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
أحمد وطى رأسه.
— نعم.
الراجل الكبير زق مجلد ناحيته.
— رضوى مش محتاجة أسفك. بس أنت اللي محتاج تتعلم إزاي تخدم الناس من غير ما تتمنظر عليهم. عندنا ورشة نسيج وتطريز في المطرية. شغال فيها ستات غلابة، وأمهات معيلين، وبنات محتاجين شغل بمرتب عادل. حسابات الورشة بايظة، والموردين بياكلوا حقهم. لو عايز تفهم الدنيا صح، ابدأ من هناك.
— وده هيصلح اسمي؟
الحاج جلال خبط الأرض بعصايته بغضب.
— لو عملت مكالمة واحدة للصحافة، كله هينتهي. ده مش شو إعلامي عشان تتمنظر بيه. ده شغل بجد وشقا.
تاني يوم، أحمد وصل الورشة بقميص غالي وجزمة براند مش بتاعة بهدلة. الأبلة “ميرفت”، المشرفة على الورشة، بصت له من فوق لتحت.
— أنت بقى الأستاذ اللي في الفيديو؟
— أيوه.
— طب شيل الصناديق دي معايا. الندم هنا مبيستفش البضاعة لوحده.
لقضاء ساعات، قعد يرتب قماش، وفواتير، ودفاتر. محدش عامله كأنه بيه كبير. “شهد”، بنت عندها 17 سنة، شرحت له إن العباية الواحدة ممكن تاخد أسابيع. والست “زينب”، خياطة قديمة من المحلة، علمته إزاي يفرق بين الغرز.
أحمد كان بيسمع في الأول عشان حاسس بالذنب. بعد كده، بقى بيسمع باحترام بجد.
بعد 3 أسابيع، رضوى ظهرت في الورشة.
كان قاعد بيحاول يفك عقدة خيط أحمر، وإيده كانت منشّفة وصبره خالص.
— مكنتش أعرف إن الإيدين النعامة بتتعب وتكل هي كمان — رضوى قالت.
أحمد وقف بسرعة.
— رضوى، أنا آسف.
— أنا مش جاية عشان أسامحك.
— أمال جيتي ليه؟جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
بصت للحسابات المتستفة، والعقود الجديدة، وقائمة الموردين الحرامية اللي أحمد كان معلم على أساميهم بشطب أحمر وعصبية.
— أبلة ميرفت بتقول إنك عرفت مين اللي كان بيلغف فلوس الستات الغلابة.
— آه، السماسرة اللي بيدفعوا متأخر ويبيعوا الغالي. استغلال بشياكة.
رضوى بصتله لأول مرة من غير قرف.
— بتعرف الاستغلال بسرعة لما متبقاش أنت اللي بتعمله!
الكلمة دي قطعت نفسه.
قبل ما تمشي، رضوى حطت على الترابيزة حتة قماش عليها رسمة وردة مش كاملة.
— اتمكن فيها. وإياك تقطعها.
أحمد بص لحتة القماش وكأنها أتقل من كل العقود اللي وقعها في حياته.
بالليل، وهو بيحاول يدخل الخيط في الإبرة لأول مرة، جاتله رسالة من فريدة: «لو هتفضل مكمل في تمثيلية الشيخ الشعراوي والتواضع دي، انسى إنك تعرفني».
أحمد قفل الموبايل خالص، وفي نفس اللحظة رضوى كانت رجعت عند باب الورشة وسمعت حاجة مكانتش تتخيلها.
الجزء الثالث
رضوى مدخلتش على طول. وقفت جنب الباب، وسمعت صوت فرناندا وهي بتزعق في السبيكر بتاع الموبايل اللي أحمد كان لسه قافله في وشها.
— متبقاش مغفل يا أحمد. الورشة دي مش هترجعلك ملايينك. اللي لازم تعمله هو إنك ترفع قضية تشهير على المؤسسة، وتقول إنهم تبلوا عليك، وتشيل الست دي الليلة وتدمر سمعتها زي ما دمرت سمعتك.
أحمد مسك التليفون ووشه أصفر زي الليمونة.
— فريدة، خلاص اقفلي.
— مش هقفل. أنا مش هعيش مع راجل بيصغر نفسه ويشيل صناديق مع خياطات في المطرية.
الورشة كلها سكتت. أبلة ميرفت رفعت عينها، وشهد عضت على شفايفها، والست زينب سابت الإبرة من إيدها.
رضوى دخلت براحة.
— كتر خيرك على التوضيح يا فريدة.
ومجاش أي صوت من الناحية التانية للمكالمة.
أحمد غمض عينه من الكسوف.
— رضوى، أنا مكنتش أعرف إن…جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
— مش محتاج تشرحلي هي إيه — قاطعته — المهم دلوقتي أنت تقرر هتبقى مين.
في نفس الليلة، أحمد فسخ الخطوبة. فريدة حاولت تبيع حوارات للصحافة الصفراء، وتسرب شاتات، وتعمل فيها ضحية، بس الناس مابقتش تاكل من الكلام ده. ولما اتعرف إنها كانت بتضغط عشان يستغلوا الستات الحرفيات كمنظرة في الإعلانات من غير ما يدوهم حقهم، براندات كتير فسخت معاها العقود.
أحمد مطلعش يدافع عن نفسه، ولا هاجم حد. فضل يروح الورشة كل يوم.
ومع الوقت، العقود اتغيرت؛ الستات بقوا يقبضوا فلوسهم في إيدهم علطول. وعملوا صندوق يشتروا بيه القماش من غير ما يستلفوا. وشهد خدت منحة تدرس تصميم أزياء. والست زينب وقعت لأول مرة عقد مكتوب فيه اسمها كـ “أسطى حرفية”، مش “عاملة يومية”.
أحمد اتعلم يطرز وحش في الأول، بعد كده بدأ يتحسن. أول وردة عملها كانت شبه “قرن فلفل مفعوص” زي ما شهد تريقت عليه، بس أبلة ميرفت قالت إن على الأقل الخيط مبقاش يتعقد منه.
رضوى كانت بتيجي كل جمعة. في الأول عشان تتابع الشغل، بعد كده عشان تتأكد إن أحمد مكمل من غير شو وكاميرات، وبعدين عشان كانت بتنبسط وهي شايفاه عاقد حاجبيه وبيموت في نفسه عشان غرزة واحدة، وكأنه بيمضي صفقة بمليار جنيه.
بعد سنة، مؤسسة ابن البلد عملت حفلة خيرية تانية في نفس الفندق في جاردن سيتي.
أحمد جاتله دعوة رسمية. كان ناوي ميروحش، لحد ما رضوى كلمته.
— جدي عايزك تيجي.
— وأنتِ؟
سكتت شوية.
— وأنا كمان.
وصل الحفل من غير ساعة رولكس، من غير حراسة، من غير فريدة، ومن غير المنظرة القديمة بتاعة “أنا فوق الكل”. في جيبه الجواني، كان شايل وردة صغيرة مطرزها بإيده؛ معوجة، مش مظبوطة، بس معمولة بضمير.
لما شاف رضوى داخلة بنفس الفستان الأبيض المتطرز، حس بحاجة بتتحرك في قلبه بحنية. مابقاش شايف مجرد فستان بسيط؛ بقى شايف شهور شقا، وجدة سهرانة طول الليل، وستات شايلين بيوت، وإيدين المجتمع دايماً بيفتكرهم متأخر.
— هتتريق تاني؟ — رضوى سألته وهي بتقرب.
أحمد بلع ريقه وصارحها.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
— لا. هقول الحقيقة: ده أغلى فستان في القاعة كلها.
— أغلى في السعر ولا في القيمة؟
— خلاص عرفت الفرق.
الحاج جلال طلع على المسرح بعد كام دقيقة.
— من سنة، في نفس المكان ده، حصلت إهانة الكل شافها على الفيس بوك والنت — الراجل الكبير قال — بس البني آدم مش بتبان حقيقته في أسوأ لحظة ليه، بتبان في اللي بيعمله لما ميكونش فيه حد بيسقفله.
أحمد حس بقلبه هيقف لما الراجل الكبير نده على اسمه.
طلع على المسرح ورجليه شايلاه بالعافية.
— من سنة — أحمد بدأ يتكلم — تريقت على فستان عشان معرفتش أشوف الحكاية اللي وراه. بس الحقيقة تكسف أكتر من كده بكثير: أنا تريقت عليه عشان فكرني بأصلي وناسي. أمي، “أمل”، كانت بتخيط لبس في السيدة زينب. إيدها الشقيانة هي اللي جابتلي كشكولي، وأكلي، ومستقبلي. وأنا كبرت وفاكر إن عشان أبقى بني آدم ليه قيمة، كان لازم أنكرها وأستعر منها.
أخرج الوردة المعوجة من جيبه.
— دي أنا اللي عملتها. معوجة، وفيها غلطات. بس كل غرزة فيها علمتني إن القيمة مش دايماً بتلمع؛ ساعات بتاخد وقت، وبتتعب، وبتتعمل في داري ومن غير صوت.
بص لرضوى.
— أنا أسف إني بصيتلك في يوم من غير ما أشوفك بجد.
رضوى عينها دمعت، بس منزلتش عينها من عليه.
الحاج جلال مسك المايك تاني.
— بنعلن النهاردة عن عمل مؤسسة مستقلة لورش النسيج والتطريز في المحلة، وطنطا، والقاهرة. مش هتشيل اسم “المنصوري” ولا “الهواري”. هتشيل اسم “كريمة وأمل”: جدة رضوى وأم أحمد.
أحمد اتسمر في مكانه؛ هو مكنش قال اسم أمه لحد غير لرضوى.
بصتله من تحت المسرح. مكانتش بس بتسامحه، دي كانت بترجعله أصله وروحه اللي ضاعوا منه.
التسقيف ملى القاعة كلها وهز المكان.
وهو نازل، مكنش قادر يتكلم من كتر التأثر.
— كان لازم مامتك تبقى موجودة في الحكاية دي برضه — رضوى قالت.
سلمها الوردة المعوجة.
— شكلها وحش أوي.
— عشان كده أنا عايزاها — رضوى ردت — عشان مش بتحاول تتمنظر وتعمل فيها كاملة ومفيهاش غلطة.
بعد فترة، لما الورشة فتحت فرع جديد في المحلة، أحمد شاف الست زينب وهي بتقص شريط الافتتاح كأستاذة ورئيسة قسم، وشهد وهي بتقدم أول عرض أزياء من تصميمها، ورضوى وهي بتضحك وسط الزحمة.
— بتفكر في إيه؟ — سألته.
— بفكر في إن أصعب ليلة في حياتي، كانت أول مرة حد يجبرني فيها أشوف نفسي على حقيقتها.جميع القصص موجودة كاملة ع صفحة روايات رولا
رضوى مسكت إيده.
— الحاجات النضيفة بتاخد وقت عقبال ما تظهر.
أحمد بص لصوابعه؛ الصوابع اللي كانت زمان مبتمسكش غير قلم عشان تمضي عقود بملايين، بقت دلوقتي بتعرف تمسك إبرة وخيط من غير ما تقطعه.
ولأول مرة، محسش إنه مكسوف من أصله؛ حس براحة بال وسلام جواه.
لأنه فهم أخيراً إن الشياكة بجد مش إنك تدخل مكان وتفتكر نفسك أحسن من الناس، الشياكة هي إنك تفضل فاكر الإيدين الشقيانة اللي سندتك وطلعتك لفوق قبل ما العالم كله يعرف اسمك.