سر ليلة رأس السنة حصري لصفحة روايات رولا

حصري لصفحة روايات رولا
​سُقت عربيتي وطلعت على بيت طليقتي في ليلة رأس السنة، وكان جوايا كمية غل وغضب تكفي إنها تدفن أحلى ذكريات عشناها سوا.
​بقالي شهور مقنع نفسي إن مريم خلاص نفضتني وعاشت حياتها، وإن في راجل تاني خد مكاني وأخد الحياة اللي أنا بإيدي ضيعتها. كنت رايح ومجهز نفسي أقفله وأمسح بيه الأرض.
​بس أول ما دخلت الشقة.. ما لقيتش أي راجل.
ما كانش فيه غير بيبي لسه مولود نايم في الصالة.
​البيت كان هادي خالص، وأنوار شجرة الكريسماس بتعكس على البزازات، والبطانيات المتطبقة، وكتل أكياس الأعشاب وشفاشيف الشاي النص ماليانة. مريم كان باين عليها الإرهاق والتعب للركب، بس نظرة الخوف اللي في عينها كانت أشد بكتير من أي حاجة تانية.
​وقبل ما ألحق أنطق بكلمة أو أسأل أي سؤال، خبط على الباب ثلاث خبطات جامدين.
​بصلتها وسألتها: “مريم.. مين ده؟”
شبت في الرضيع وضمت حتة البيبي لعندها أكتر.
“أبوس إيدك ما تفتحش.”
​الرعب اللي كان في صوتها طير كل مشاعر الغيرة والشيطنة اللي جيت بيهم. الخوف اللي عندها كان حقيقي ومش تمثيل.
​صوت ست طلع من ورا الباب:
“مريم؟ أنا عارفة إنك جوه.”
​مريم غمضت عينها بقلة حيلة.
“آسر… أرجوك.”
بصيت في عينها: “قوليلي مين دي؟”
“مش هاتفهم.”
“فهميني عشان أفهم!”
​لما سكتت وما ردتش، مشيت وفتحت الباب.
​كانت ست شيك، في أواخر الخمسينات، لافّة شال ثقيل من البرد. بصتلي، وبعدين بصت لمريم وللبيبي.
“الحمد لله إنك هنا يا آسر، كويس إني لقيتك.. لازم نتكلم.”
​عرفت نفسها إنها دكتورة ماجدة، دكتورة النسا والتوليد المتابعة مع مريم. المعنى ده لخبطني أكتر وأكتر.. يعني مريم مرت بحمل كامل وتحت إشراف دكتورة، وأنا ولا أعرف إني بقيت أب ولا دريان بأي حاجة في الدنيا!
​دكتورة ماجدة بصت لمريم وسألتها: “هو عرف؟”
مريم وطت عينها وبصت للبيبي: “عرف إن يونس ابنه.”
​الكلمة نزلت عليا زي المرزبة.
يونس.
ابني أنا؟
​الدكتورة التفتتلي وقالت: “يبقى من حقه يفهم كل حاجة.”
مريم هزت رأسها بالرفض: “مش بالطريقة دي يا دكتورة.”
قربت منها وقلت بصوت مخنوق: “أرجوكي.. احكي.”
​قعدت وهي شايلة يونس بين إيديها، والصلابة اللي كانت متماسكة بيها انهارت تماماً:
“أنا عرفت إني حامل بعد ما اتطلقنا بـ 3 أسابيع بالضبط.”
​افتكرت أيام طلاقنا بالظبط.. ورقة الطلاق، عينيها المليانة دموع، وفكرتي الغبية وقتها إنها باعت بسهولة واستغنت.
“كان المفروض تقوليلى!”
“كنت هقولك والله.”
“إمتى؟”
“في الليلة اللي أعلنت فيها عن فرع الشركة الجديد في التجمع.”
​اتسمرت مكاني.
فاكر الليلة دي كويس أوي.. المستثمرين، رجال الأعمال، المصورين، والصحافة. وفاكر كمان إني لمحت مريم واقفة قريب من القاعة قبل ما فريدة، مديرة حساباتي وذراعي اليمين، تشدني بسرعة وتقولي فيه مشكلة مصيرية في العقود لازم نلحقها.
​مريم بصتلي بألم: “أنا استنيتك ييجي ساعة في الممر.”
“كنا بنحل مصيبة في العقود!”
“فريدة قالتلي إنك مش فاضي ومعندكش وقت للمقاطعات دي.”
​الذكريات بدأت تتركب في دماغي بشكل يرعب.. فريدة كانت لزقالى طول السهرة، بتوجه اللقاءات وتبعدني عن الممر اللي مريم كانت واقفة مستنيرة فيه.
​مريم كملت: “كلمتك تاني يوم الصبح.”
“ما جاليش أي مكالمة منك!”
“سبتلك فويس مسج.”
“والله ما وصلني حاجة!”
“بلى.. قلتلك محتاجة أشوفك ضروري في حاجة مصيرية، وأنت ولا عبرتني.”
​في الوقت ده، كل مكالماتي، إيميلاتي، وحتى مواعيدي الشخصية كانت تحت إيد فريدة.
​دكتورة ماجدة سألت بهدوء: “مين كان بيمسكلك شغلك ورسايلك الشخصية؟”
رديت بصوت واطي: “فريدة..”
​ولا واحدة فيهم اندهشت.
​مريم فتحت الدرج اللي جنب الكنبة وطلعت منه ظرف كريمي ثقيل.
“وأنا بعتلك إيميل كمان.”
“ما شوفتوش!”
“عارفة.”
​مدت إيدها بالظرف. اسمي كان مكتوب عليه من بره، بس مش بخط إيدها.
جوه كان فيه ورقة مطبوعة:
​(ابعدي عن آسر الشافعي.. هو اختار مستقبله خلاص، وأي طفل هتدّعي إنه ابنه، هنرفع عليه قضايا ونشكك في نسبه. بلاش تلعبي مع ناس يقدروا يدفنوكي بالقانون في المحاكم).
​قريت الكلام مرتين، ورجلي مش شايالاني.
“الكلام ده مش مني يا مريم.. والله ما طلّعته!”
“أنا عارفة ده دلوقتي.”
“ووقتها؟”
“وقتها.. صدقت إنك تعملها.”
​الجملة دي وجعتني أكتر من الجواب نفسه.
أنا وصلت لمرحلة من القسوة والإهمال خلت مراتي تصدق إن Threat زي ده ممكن يطلع مني!
​قعدت جنبهما وقولت: “أنا عمر ما كان ممكن أهددك يا مريم..”
“كنت أتمنى أصدق ده وقتها.”
“بس ما صدقتيش..”
سكتت وبصت الناحية التانية.
​طبقت الورقة بالراحة وقلت: “أنا آسف.. آسف إني خليتك تصدقي إني ممكن أكون بالبشاعة دي. أنا سبتك ولوحدك من قبل ما نطلق بكتير.”
​البيت سكت خالص، ما كانش مسموع غير صوت الدفاية وصوت نفس البيبي الصغير اللي يادوب لسه مكتشف إنه ابني.
​فجأة، دكتورة ماجدة حطت فايل تاني على الترابيزة:
“أنا جيت الليلة دي لسبب تاني خالص يا آسر.”
​وش مريم اتخطف: “أوراق المستشفى؟”
الدكتورة هزت رأسها: “فيه حد طلب شهادة ميلاد يونس والسجل الطبي بتاعه النهاردة العصر.”
​سألت بسرعة: “مين؟”
“الطلب اتقدم باسم مريم شخصياً.”
مريم صرخت بالراحة وهي بتهز رأسها: “أنا ما طلبتش ولا مضيت على حاجة!”
الدكتورة كملت: “عارفة.. عشان كده جيت بنفسي. بص على استمارة الطلب دي.”
​بصيت على الورقة.. التوقيع اللي تحت المنسوب لمريم كان متزور ومتقلد بالملي.
سألتها: “ومين اللي استلم الأوراق دي؟”
ردت دكتورة ماجدة: “مكتب محاماة واستشارات قانونية اسمه.. (مكتب سليم وعمر والشاذلي).”
​أول ما سمعت الاسم قلبي أتقبض.. ده مش مكتب المحاماة بتاع شركتي.
ده المكتب الخاص بـ أمي.
​مريم بصتلي بعيون مرعوبة: “هي عرفت..”
ما قدرتش أنكر.
​في نفس اللحظة، التليفون في جيبي اتهز.
بصيت على الشاشة.. (أميمة – أمي).
​كنت هكنسل، بس نزل مسج بعدها بثواني:
(ليلة رأس السنة أو غيرها.. مستنياك على العشا الساعة 8 بالظبط في الزمالك. لازم نتكلم في موضوع صفقة أرض الشيخ زايد).
​صفقة أرض الشيخ زايد..
مش مريم.
ولا يونس.
مجرد صفقة وشغل.
​نزلت التليفون بشويش.
مريم كررت تاني: “هي عرفت.. صح؟”
هزيت رأسي بالإيجاب، من غير ما أنطق.
​وقبل ما أقول أي حاجة، يونس بدأ يعيط بصوت واطي. مريم كانت بتميل عشان تشيله، بس أنا اتعلمت في مكاني، وبصيتلها وسألتها السؤال الوحيد اللي كان فارق معايا وسط كل الهوجة دي:
​”ممكن… أمنيتي أشيله؟”:
​الجزء الثاني: الكدب اللي فرقنا
​شيلت يونس لأول مرة في حياتي.. لحظة المفروض كانت تبقى أسعد لحظة في عمري، بس كل اللي كان بيجري في دماغي هو كل اللي راح عليا. راحت عليا لحظة ولادته، أول ضحكة منه، وكل تكتكة كبر فيها وكان المفروض أكون جنبه فيها.
​مريم كانت بتراقبني في سكات، وعلى الرغم إن محدش فينا نطق، السكوت ما بقاش فيه غل ولا خناق، كان محمل بتقل سنة كاملة ضاعت مننا ومحش هيعرف يرجعها.
​دكتورة ماجدة هي اللي كسرت السكوت لما حطت فايل ثقيل على ترابيزة الصالون وقالت:
“يا آسر.. مريم ما اختارتش تبعدك ولا تخبي عليك. فيه حد خطط واستقصد إنكم ما تلاقوش فرصة تتكلموا فيها بصراحة.”
​بصيتلها وأنا مش فاهم: “يعني ايه؟”
​فتحت الفايل وفرشت شوية إيميلات مطبوعة على الترابيزة:
“دي إيميلات قدرنا نرجعها من أكونت مريم.. كل واحدة فيهم كانت مبعوتالك أنت.”
​مسكت أول ورقة، وعيني لقطت إيميلاتي الشخصية المكتوبة فوق، بس عمري ما شفت الرسائل دي قبل كده!
​أول إيميل كان مبعوت بعد طلاقنا بـ 3 أسابيع بس:
(آسر.. محتاجة أقولك حاجة مهمة أوي، كلمني أول ما تفضى).
​إيميل تاني بعد أول معاد متابعة ليها عند دكتورة النسا:
(أنا مش عايزة أي حاجة غير إننا نقعد ونستوعب اللي بيحصل).
​وبعدها بأسابيع إيميل أخير:
(لو أنت فعلاً قررت تبيع وتبعد خالص.. أنا مش هجري وراك تاني. بس كنت عايزة أعرفك إننا جايينا طفل).
​نزلت الورق بالراحة وبصيت لمريم:
“والله العظيم ما شفت ولا إيميل من دول!”
هزت رأسها بوجع: “أنا عارفة ده دلوقتي.. بس وقتها، كل إيميل من غير رد كان بينزل عليا زي القلم، وبيأكدلي إنك بعت واخترت حياتك الجديدة.”
​بدأت أفتكر الأيام دي.. كانت الشركة في المعادي طالعة في عينها بتجهز لأكبر توسع واستثمار في الخليج، ويومي ما كانش ملكي. كل مكالمة، كل إيميل، وكل ميعاد كان بيعدي على شخص واحد الأول.
​دكتورة ماجدة سألتني: “مين كان ماسك مفاتيح حياتك والشغل وقتها؟”
رديت وأنا حاسس بالخطر: “فريدة.. السكرتيرة والتنفيذية بتاعتي.”
​مريم بصتلي وقالت بصوت واطي: “كل ما كنت بكلم مكتبك، فريدة هي اللي بترد. كانت دايماً بتقولي آسر مسافر، آسر في اجتماع، آسر مش فاضي. في الأول كنت بصدقها، بس مع الوقت أسلوبها اتغير وخرجت عن نطاق الأدب.”
​”قالتلك إيه؟”
ترددت مريم قبل ما ترد: “قالتلي إنك مش ناقص وجع دماغ ومشاكل، وإن مستقبلك وشغلك رقم واحد، وإن الحمل ده هيعملك تعطيل في بيزنس بملايين. وفي الآخر قالتلي بلاش ترخصي نفسك أكتر من كده عشان آسر خلاص تجاوزك وعاش حياته.”
​الكلام نزل عليا كأنه جمر. فريدة شغال معايا بقالها 6 سنين، ماسكة نتيجتي ومواعيدي بدقة ترعب، وكنت باصم لها بالعشرة وشايفها أمينة على شغلي وحياتي!
​دكتورة ماجدة حركت أوراق تانية ناحيتي: “فيه أكتر من كده يا آسر.. الأوراق دي من السجلات الإدارية للمستشفى.”
بدأت أقرأ التقارير ولقيت حاجة تجنن.. فيه مواعيد كتير للمتابعة والتوليد اتأجلت واتغيرت بعد ما حد كلم المستشفى وادعى إنه بيتكلم باسم مكتبي! اسمي أنا كان مكتوب في الفايل كذا مرة، مع إن عمري ما رفعت سماعة التليفون على المستشفى دي!
​الدكتورة كملت: “اللي كانت بتكلمهم كانت بتطلب رسمياً إن مفيش أي تفاصيل طبية تطلع ليك مباشرة، والموظفين افتكروا إن دي تعليمات جاية من طرفك.”
​بصيت للأوراق وأنا مش مصدق: “أنا ما أديتش أوامر بكده أبداً!”
“عارفين.. وعشان كده بدأنا نشك ونبحت.”
​مريم كملت: “موظفة الاستقبال كانت دايماً بتقولي إن سكرتيرتك كلمتهم وأكدت المواعيد. كانت عارفة جدول سفرياتك، ومواعيد اجتماعاتك في الشغل، وحتى أسماء شركائك.. ما كانش عندي أي سبب يخليني أشك فيها.”
​الصورة بدأت تكتمل.. فريدة ما كانتش بتنظم شغلي، فريدة كانت بتتحكم في حياتي وتفلتر مين يدخل ومين يخرج! كل إيميل من مريم اتمسح، كل مكالمة لاتعملها بلوك، وكل محاولة للتقارب اتقفلت قبل ما توصلني.
​فجأة.. التليفون على الترابيزة اتهز.
الاسم على الشاشة: (فريدة).
​وقبل ما ألمس التليفون، نزل مسج:
(آسر.. عرفت إنك عند مريم).
​وبعدها بثواني مسج تاني:
(أرجوك ما تصدقش أي كلمة بتقولهالك).
​ومسج تالت:
(كلمني قبل ما تعمل غلطة تندم عليها باقي عمرك).
​مريم ما سألتش مين بيكلمني، كانت عارفة. بصت للشاشة واتنهدت: “كانت دايماً عارفة أنت فين.. حتى بعد ما اتطلقنا، كنت بحس إنها مراقبة كل خطوة بحاول أعملها عشان أوصلك.”
​أنا مكنتش قايل لأي مخلوق إني طالع على بيت مريم في التجمع.. عرفت منين إني هنا بالدقة دي؟!
​دكتورة ماجدة قفلت الفايل وبصتلي: “يا آسر، الموضوع مش مجرد سكرتيرة مجتهدة خايفة على مصلحة مديرها.. فيه حد تعمد يبعدك عن مريم طول فترة حملها، ونفس الشخص ده حاول يضرب شهادة ميلاد يونس النهاردة.”
​مريم أضافت بصوت مرعوب: “عشان كده دكتورة ماجدة جيلتلي الليلة دي.. عشان تحذرني قبل ما اللي بيزور الأوراق ده يعمل مصيبة جديدة.”
​حسيت ببطني بتتأثر من الصدمة: “ومين اللي قدم طلب الشهادات المزورة؟”
ردت الدكتورة: “الطلب جاي من مكتب (سليم وعمر والشاذلي).”
​المكتب ده أنا حافظه.. ده مش مكتب محامين الشركة.
ده المكتب الخاص بـ أمي (أميمة هانم).
​البيت سكت خالص، وبصينا لبعض. اللغز اتحل.. الناس اللي كنت فاكرهم أقرب الناس ليا، هما اللي خططوا ولفوا الغزلة دي كلها عشان يحرمني من ابني.
​وقبل ما أستوعب، خبط جامد على باب الشقة!
خبطة.. وبعدها خبطة أشد.
​والمرة دي، الصوت اللي بره ما كانش فيه أي شك.
صوت حاد وطالع بثقة:
“آسر… افتح، أنا عارفة إنك جوه!”
​وش مريم اصفر، والدكتورة سكتت.
فريدة وصلت لحد الباب!
​الجزء الثالث: الحقيقة اللي ورا الباب
​الخبط اتكرر تاني وأقوى، والهدوء اللي كان في البيت اتقلب لتوتر. مريم ضمت يونس لحضنها بلهفة، والدكتورة لمّت أوراق المستشفى بسرعة من على الترابيزة.
​بصيت للباب وأنا مجهزة نفسي، المرة دي مش هسمح لأي حد يحددلي أعمل إيه أو يمشيني على مزاجه.
​وقلت لمريم: “خليكي جوه.”
“آسر، أرجوك بلاش مشاكل!”
“أنا خلاص مابقيتش بهرب من الأسئلة.”
​فتحت الباب وخرجت للبراندة وقفلت الباب ورايا بسرعة.
​كانت واقفة بتتكتك من البرد بالبالطو الشيك بتاعها، بس وشها كان ثابت وبارد زي الجليد، ولا كأنها جاية تراقبني وتتجسس عليا في ليلة رأس السنة.
​ابتسمت ببرود وقالت: “بقالي ساعة بحاول أوصلك.”
“أخدت بالي.”
“سبت عشا العيلة في الزمالك ومشيّت.”
“كان عندي مكان أهم لازم أكون فيه.”
​ابتسامتها اختفت في ثانية: “يعني… حكتلك؟”
“ما احتجتش تحكي كتير.. أنا عرفت اللي يخليني أفهم اللعبة.”
​فريدة ربعت إيدها: “تبقى غلطان لو صدقت كل كلمة بتقولها مريم.”
ضحكت بمرارة: “بالعکس.. أنا أخيراً بدأت أفتح عيني ومركز.”
​لأول مرة من 6 سنين، شفت فريدة متلخبطة ومش عارفة تمسك زمام الكلام. حاولت بسرعة تغير الموضوع: “والدتك مستنياك في البيت ومضايقة جداً من التصرفات اللي بتعملها الليلة دي.”
“أمي تستنى براحتها.”
“مش هتعجبها الطريقة دي في الكلام يا آسر!”
“ومبقاش يفرق معايا يعجبها ولا لأ.”
​وشها قسّي وقالت بنبرة تهديد: “أنت بتهد كل اللي بنيته في شغلك ومستقبلك بيدك!”
“لأ يا فريدة.. أنا كنت هخسر كل حاجة في حياتي عشان وثقت في ناس ما تسواش.”
​سكتت وماردتش.
قربت منها وسألتها السؤال اللي كان حارق دمي:
“ليه قولتي لمريم إني مش عايز ابني؟”
​عينيها ضاقت: “أنا عمر ما قولت كدة!”
“معاها الإيميلات.”
“هي فهمت غلط.”
“ومعاها شهود.”
“أنت اللي متلخبط يا آسر.”
​طلعت من جيب الجاكيت ورقة التهديد اللي مريم كانت مطلعاها من الدرج، وحطيتها قدام وشها. شفت الدم بيهرب من وشها في ثواني.
​”تعرفي الورقة دي؟”
ترددت جزء من الثانية وقالت: “لأ.. إيه دي؟”
“غريبة.. عارفة ليه؟”
“ليه؟”
“عشان الورق ده بييجي بالطلب لمكتبي أنا الشخصي، وعليه العلامة المائية بتاعة شركتنا.”
​سكتت تماماً.
“والبرينتر اللي طبعت الكلام ده، كود الطباعة المكتوب تحت بالصغير مبيطلعش غير من مكنة الطباعة اللي جوه مكتبي أنا.”
​سكون تام.. مفيش غير صوت نفسها.
“ومفيش غير 3 أفراد بس هما اللي معاهم مفتاح وصلاحية يدخلوا المكتب ده ويطبعوا منه.”
​فريدة دورت وشها الناحية التانية ومش قادرة تحط عينها في عيني.
​في نفس اللحظة.. بوابة الفيلا الخارجية اتفتحت، وعربية مرسيدس سوداء دخلت الممر ووقفت جنب الرصيف.
​نزلت منها أمي (** أميمة هانم **) بكل كبرياء، بتظبط جوانتي الجلد في إيدها وماشية بثقة واحدة متعودة إن الكل بيمشي بأمرها.
​قالت بهدوء وهي بتقرب: “آسر.. يلا روح معايا على البيت.”
“لأ يا أمي.”
​بصت لبيت مريم من فوق لتحت باحتقار: “المواضيع دي ما ينفعش تتقال في الشارع ولا على أبواب البيوت.”
“أمال تتقال فين؟”
“في بيتنا.. في الهدوء.”
​هزيت رأسي بالرفض: “أنا ابني عايش هنا.”
​اتسمرت مكانها.. ولأول مرة أشوف أمي مذهولة وبجد!
“يعني… أنت عرفت؟”
“عرفت اللي يكفي وزيادة.”
​بصت لفريدة بصه سريعة، وبعدين رجعتلي: “الموضوع أعقد مما أنت فاهم يا آسر.”
رديت بصوت واطي بس ملغوم: “لأ.. أنا شايف إن الموضوع بقى بسيط وواضح جداً.”
​أتنهدت أمي وقالت بقسوة: “مريم ما كانتش الست المناسبة ليك من الأول.”
“دي كانت مراتي!”
“كانت عاطفية وبتاعت مشاكل.”
“كانت حامل في ابني!”
“كانت هتهد مستقبلك والشركة اللي بنينها!”
​قربت منها خطوة: “تقصدي المستقبّل اللي أنتِ رسمتيه على مزاجك؟”
​ولا أمي ولا فريدة نطقوا كلمة.
بصيت للستين الواقفين قدامي في البرد، واستوعبت كمية القرارات اللي اتأخدت من ورا ضهري طول السنة اللي فاتت. كل مكالمة تايها، كل إيميل متمسح، كل ميعاد ملغي، وكل سوء تفاهم بيني وبين مريم ما كانش صدفة.. دي كانت خطة متقفلة بالملي عشان يهدوا بيتي ويحرموني من ابني.
​الباب بتاع الشقة اتفتح بالراحة، وخرجت منه دكتورة ماجدة.
“يا آسر.. فيه حاجة أخيره لازم تشوفها بنفسك.”
​أمي كشرت: “أوراق إيه دي كمان؟”
الدكتورة طنشتها تماماً ومدت إيدها بالفايل ليا أنا:
“دي تفريغ كاميرات المراقبة وسجلات الأمن بتوع المستشفى.”
​فتحت الفايل.
“إمبارح العصر، فيه حد دخل قسم التوليد ورعاية الأطفال وكان بيحاول يوصل لغرفة يونس وسأل عليه.”
​بصيت في التقرير.. الشخص ده كان كاتب اسم مزور في دفتر الزوار.
بس الصورة اللي لقطتها كاميرات المراقبة عند باب الأوضة كانت واضحة جداً.
​قلبت الورقة ووشهتها لفريدة ولأمي..
​وش فريدة بقى زي الج/ثة، وأمي نفسها اتarea وحبست أنفاسها.
​عشان الشخص اللي كان واقف بره أوضة يونس في المستشفى وبيحاول يوصله قبل ما يجيلنا هنا…
ما كانش مريم.
ولا كان أنا.
​كانت فريدة بنفسها!
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *