الصينية حصري لصفحة روايات رولا
حماتي كانت ماسكة صينية ألومنيوم ثقيلة، وفجأة طوّحتها في كتفي بكل قوتها لمجرد إن العشا نزل على السفيرة متأخر عشر دقائق.
”عشان الهوانم المهملات يتربوا ويعرفوا الأصول،” قالتها ببرود يرعب.
جوزي حتى مكلّفش نفسه ينزل الشوكة من إيده.
حطيت إيدي بسرعة على مكان الخبطة اللي بدأ يورم تحت البلوزة، مسكت نفسي، ما نطقتش بحرف، ومشيت بكل هدوء ناحية باب الشقة.
”على فين إن شاء الله يا ندى؟” حازم زعق بصوت كله تناكة وهو لسه بيمضغ.
فتحت الباب.
واقفة على العتبة الدكتورة اللي كان فاكر إنه لغى معادتها، وجنبها أمين شرطة وظابط من قسم النزهة.
ضربة صينية “حاجة سوسن” جت في كتفي قبل ما أستوعب اصلاً إيه اللي بيحصل.
أول ما الضرب جه فيا، طبق الكشك اتزحلق من إيدي وغرق المفرش الأبيض.
سوسن فضلت واقفة جنبي ماسكة الصينية الألومنيوم بكل إحكام.
”تأخير عشر دقائق كاملة!” صرخت في وشي. “ابني طالع عين أمه طول النهار في الشركة، وحضرتك مش عارفة تظبطي حتة لقمة في ميعادها؟”
حازم كان قاعد ببرود بيقطع حتة الاستيك بتاعته.
ما رفعش عينه حتى.
”أمي قصدهاتعلمك وتصلح منك يا ندى،” قالها وهو بينضف سنانه. “بلاش كل حاجة تعمليلنا عليها دراما ونكد.”
بقالي ثلاث سنين دي إجابته الوحيدة كل ما أفتح بقي أو أحاول أشتكي.
لما حماتي قلبت في دولابي وكركبت هدمي، قال إن “نيتها طيبة وأنا بفرور.”
لما أخدت مفاتيح عربيتي عشان نزلت قابلت أختي في الميرغني من غير ما أستأذنها الأول، قال إن “عقلي صغير وبحب المشاكل.”
ولما حازم سحب مرتبي من البنك ونقله لحساب باسمه، أصر إني “ما بفهمش في الفلوس والقرشين اللي باخدهم هضيعهم.”
بطريقة ما، كل خطوة كنت بحاول أحمي بيها نفسي كانت بتتحول ضدي، ويطلعوني أنا المفترية والمجنونة اللي محتاجة علاج.
قبل ست أسابيع، وبعد خناقة سودا مع حاجّة سوسن، قررت أكلم دكتورة مي، استشارية العلاقات الزوجية في مصر الجديدة، بعد ما الدكتورة بتاعتي رشحتهالي.
حازم وافق بالعافية على جلسة واحدة في البيت، بس لأن دكتورة مي لمّحتله بصراحة إن رفضه للتجاوب ممكن يتسجل ضده في المحكمة لو الموضوع وصل لطلاق أو قضايا.
طبعاً هو ما أخدش الكلام بجدية.. كان فاكرها بتهدد وخلاص.
إحنا ربنا لسه ما رزقناش بأطفال.
والأهم من ده كله، إنه كان واثق ثقة عمياء إني عمري ما هجيبها لبر وأمشي.
اللي ما كانش يعرفه، إني كنت اتفقت خلاص مع محامي كبير في العتبة، وكتبنا كل حاجة.
وما كانش يعرف كمان إن دكتورة مي كانت نصحتني نصيحة واحدة: “إياكي تواجهي حازم أو أمه لوحدك تاني.”
الجلسة بتاعت بالليل دي كانت متأكدة ومترتبة بالإيميل.
الظهرية، حازم مسك تليفوني ومسح النمرة، وطلب الرقم اللي فاكره مكتب دكتورة مي عشان يلغي الميعاد.
رجعلي الصالة وشكله منتصر.
”خلصت، لغيت القرف ده.”
بس هو في الحقيقة كلم رقم السكرتارية العادية.
لكن أنا ودكتورة مي كنا متفقين على كل حاجة خطوة بخطوة عبر إيميل سري عملته مخصوص وما يعرفش عنه حاجة.
عشان كده لما سوسن ضربتني بالصينية على كتفي، ما صرختش.
ما دخلتش في خناقة.
حطيت إيدي بالراحة على كتفي اللي بيوجعني وأخدت نفس طويل.
إيدي كانت بترتعش.. بس ثباتي كان يخوف.
لفيت ومشيت ناحية الباب.
حازم رفع راسه وأخيراً بصلي. “على فين إن شاء الله؟”
سوسن ضحكت بصوت عالٍ ورايا: “سيبها، تلاقيها رايحة تعملنا نمرة وتعيط للشارع.”
جاهلتهم تماماً.. وفتحت الباب.
دكتورة مي كانت واقفة ومعاها الفولدر الجلد بتاعها.
وجنبها الظابط ومعه أمين شرطة.. والكاميرا المثبتة على قميص الظابط كانت شغالة وبتسجل كل حاجة.
ولأول مرة من بداية السهرة، حازم ساب الشوكة والس\كينة من إيده.
سوسن نزلت الصينية بالراحة وهي مش فاهمة.
دكتورة مي بصلت لوشي، وبعدين بصت لإيدي اللي ماسكة كتفي.
”ندى،” سألتني بهدوء: “أنتي حاسة بأمان دلوقت؟”
قبل ما أنطق، حازم جرى على الممر اللي عند الباب.
وشه اتغير 180 درجة.
كل القسوة والتحكم اختفوا، وظهر الوش الحنين الطيب اللي بيمثل بيه دايماً قدام الغرباء.
”يا فندم فيه غلط، الموضوع سوء فهم بسيط جداً،” قالها بسرعة ووشه أصفر.
وبعدين وطى صوته وقال للظابط: “أصل مراتي مضغوطة نفسياً اليومين دول وبتاخد أدوية ومكبرة الموضوع.”
الظابط ما ردش عليه فوراً.
بدل كده، بص من ورا كتف حازم ناحية سفرة الأكل.
الكشك مغرق مفرش السفرة الأبيض.
سوسن واقفة بالصينية الألومنيوم في إيدها وشكلها يرعب.
وفوق باب الصالة، كانت كاميرا المراقبة الصغيرة شغالة.. الكاميرا اللي حازم كان مركبها بنفسه ونسي وجودها تماماً في لحظتها.
الظابط بص لحازم وقال وهو بيشاور على الكاميرا ببرود:
”تمام قوي.. الكاميرا دي بقى هي اللي هتقولنا مين اللي مضغوط ومين اللي بيفتري.”
وش حازم اتقلب ألوان، ولأول مرة من ثلاث سنين.. ما حدش طلب مني أثبت إني مش بتخيل!
الجزء الثاني
الظابط أخد حازم وحماتي على جنب على ما قوة ثانية من القسم توصل.
دكتورة مي استأذنتني وصورت الورم اللي في كتفي وسجلت الوقت بالدقيقة. رفضت أطلب الإسعاف، بس وعدتها إني هروح المستشفى أعمل تقرير طبي فوراً بعد ما أقول أقوالي.
من جوه الصالة، كنت سامعة حازم عمال يرغي ويهرتل للظابط:
“يا فندم ندى جلدها حساس وبتتأثر من أقل حاجة!”
“دي بقعة قديمة.. هي أصلها بتوقع كتير!”
“أصلها بتنسى وبتتخيل حاجات ما حصلتش!”
زمان، لما كنت ببسمعه بيكذب بالطريقة دي، كنت بترعب وبشك في عقلي.
بس الليلة دي، كلامه كان عامل زي سيناريو حافظه وبيسمعه.. رخيص ومكشوف.
طلبت الظابط واديته فلاشة صغيرة مشفرة كنت مخبياها في ميدالية مفاتيحي. الفلاشة دي كان عليها صور، تقارير طبية، كشوفات حسابات، إيميلات، ودستة تسجيلات صوتية.
المحامي بتاعي كان ملممني إزاي أجمع أدلة بهدوء ومن غير ما أعمل شوشرة أو أدخل في مواجهة عاطفية مالهاش لازمة.
بس الدليل الأقوى واللي يودي في داهية.. كان جوه البيت نفسه.
من كام شهر، حازم كان مركب كاميرا مراقبة في الصالة بعد ما اتهم الشغالة إنها بتسرق.
تسجيلات الكاميرا دي كانت بتترفع أوتوماتيك على السحابة (Cloud) مربوطة بالإيميل اللي اشترينالها بيه الكاميرا أول مرة.. اللي هو إيميلي أنا!
حازم كان فاكر إنه لغى الاشتراك العادي، بس ما كانش يعرف إن الفيديوهات القريبة لسه بتتحفظ تلقائياً.
الظابط فتح أحدث فيديو..
ظهرت سوسن وهي داخلة الصانية وشايلة صينية الألومنيوم، بصت لحازم.. حازم هز راسه بـ “إيوه”، وفي ثانية راحت مطوّحة الصينية في كتفي بكل قوتها!
دكتورة مي بصت للشاشة ومذهولة: “دي مش ضربة عفوية.. ده إتفاق وترصد!”
والأدهى بقى.. الكاميرا سجلت فيديو تاني قبلها بليلتين.
حازم كان قاعد مع أمه وبيقولها بالحرف: “لو ندى مشيت قبل ما نعمل إعادة تمويل وركوب على ملكية الشقة، البيت هيضيع مننا.. ركبيها الرعب وكسري عينها لحد يوم الجمعة.”
الجمعة اللي هي كانت تاني يوم!
البيت ده أساساً كان بيتي أنا من قبل ما أتجوّزه.. سيباهولي تيتة الله يرحمها.
حازم بقاله أشهر بيضغط عليا عشان أكتب اسمه معايا في عقد الملكية، وكان بيفهمني إن ده عشان يسهل إجراءات القرض اللي هنكَبّر بيه شغلنا.
بس لما أخدت الأوراق وعرضتها على المحامي، اكتشفنا المصيبة.
بين الورق كان فيه تنازل كامل عن الملكية باسمه، مع طلب قرض بضمان الشقة بقيمة 420 ألف دولار! وكنت المفروض همضي عليه من غير ما أدرك.
دلوقتي بس فهمت هو ليه كان مرعوب ومستعجل قوي كده.
أول ما القوة الثانية وصلت، سوسن قعدت تصوت وتعيط وهي شايفاهم هيأخدوها.
حازم بقى ساب القناع الحنين ده خالص وبصلي بغل: “أنتي كنتي مرتبة كل ده يا ندى!”
رديت عليه ببرود: “أنا ما رتبتش حاجة.. أنا حميت نفسي بس. أنتي اللي حطيتي العشا متأخر.. أمك هي اللي اختارت تضرب، وأنت اللي اخترت تسكت.”
الظابط بلغ سوسن إنها مقبوض عليها بتهمة الاعتداء والضرب.
وهنا بقى.. سوسن لبّست ابنها في الحيطة!
صرخت وهي بتعيط وقالت للظابط: “ده هو اللي قال لي كسر عينها وربيها عشان تخاف وتسمع الكلام وما تطفش!”
وش حازم اتقلب أصفر وخشب تماماً.. كان فاكر أمه هتشيل الشيلة وتغطيه، بس هي جابته الأرض في ثانية.
الظابط التفت لحازم وقال له بجدية: “استست الأستاذ حازم.. واضح إننا هنحتاج ندردش كمان عن أوراق التنازل والنصب المالي اللي كنت بتجهزله.”
ولأول مرة في حياتي، شفت حازم مرعوب وعينيه بتلف في الصالة مش عارف يروح فين!
الجزء الثالث
حازم ما اتقبضش عليه في نفس الليلة، بس اللي حصل بعد كده كان نهاية كابوس.
على مدار اليومين اللي بعدهم، طالع نازل يكلم قرايبنا، ينقل فلوس من هنا لهنا، ويبعتلي رسائل متناقضة.. شوية يعتذر ويتأسف وشوية يهددني.
أنا ما رديتش بكلمة.. وبناءً على نصيحة المحامي، قعدت عند أختي في الميرغني وسجلت كل حركة بيعملها.
حازم عمل غلطة غبية ثانية.. سحب 86 ألف دولار من حسابنا المشترك ونقلهم لحساب شركة تبع أمه.
بس المحامي بتاعي كان أصلاً أبلغ البنك يتتبع أي حركة مشبوهة. فبدل ما يهرب بالفلوس، حفر لنفسه حفرة أكبر بتهمة اختلاس وأموال غير مشروعة.
على يوم الإثنين، القاضي أصدر قرار بإعطائي الحق الفردي الكامل في دخول بيتي وأخذ ملكيته، مع قرار حظر اقتراب لحازم وأمه.
في جلسة المحكمة، حازم جه لابس بدلة شيك وغالية، والمحامي بتاعه قعد يرغي ويصوره على إنه “الزوج المخلص اللي مراته المفترية بتتجنى عليه وبتردله الجميل بالإساءة.”
هنا المحامي بتاعي شغل فيديو الصالة أمام القاضي!
الصالة كلها سمعت شتيمة سوسن، وشافت حازم قاعد بيمضغ الأكل ببرود وهي بتضربني وهو ما تحركش!
المحامي بتاعه ما فتحش بقه بعدها بكلمة.
وبعدين المحامي بتاعي طلع أوراق التنازل المزورة، وطلب القرض، وأخيراً.. إيميل حازم كان باعتها لأمه كاتبلها فيه: “أول ما ندى تمضي والعقد يتسجل، الفلوس والشقة هيبقوا بتوعنا.. وبعدها تطلع من البيت بالهدوم اللي حطت فيها بس.”
حازم وشه جاب ألوان وقعد يوشوش المحامي بتاعه وهو بيرتعش.
آخر شاهدة كانت دكتورة مي.. حكت كل حاجة بشهادة طبية ونفسية موثقة، وشرحت إزاي حازم حاول يلغي الميعاد ويمسح الأرقام من تليفوني عشان يغطوا على كل حاجة.
بعد الجلسة، قضايا النصب المالي والاعتداء مشيت في مجراها.
سوسن لما لقت الق\ضية لبستها، وافقت تعترف على حازم مقابل تخفيف العقوبة، واعترفت إنه هو اللي وزّها تضربني وتهينني عشان يكسروا نفسي قبل ميعاد توقيع القرض.
أخدت عقوبة مع إيقاف التنفيذ وحظر اقتراب.
أما حازم، فلُبس في قضايا النصب، والتزوير، والتهديد، واضطر يدفع كل المبالغ اللي اختلسها، مع تعويض مالي ونفسي محترم وتكفل بكل مصاريف الق\ضية والمستشفى.
ق\ضية الطلاق أخدت سبع شهور.
خرج منها بشنطة هدومه، وعربيته، وحصته القانونية بس من الفلوس اللي كانت متبقية في الحساب المشترك.
ما أخدش مليم ولا قيراط واحد من بيت تيتة. والـ 86 ألف دولار اترموا تاني في حسابي.
بعد سنة كاملة..
دهنت صالة بيتي بنفسي بلون أزرق فاتح يفتح النفس.
بعت السفرة التقيلة القديمة، شلت الكاميرا الغبية اللي فوق الباب، وحولت الصالة لمكتب صغير لشغلي الخاص في المحاسبة ومسك الدفاتر اللي رجعت افتحه باسمي من جديد.
في يوم، دكتورة مي أختي وحبت أصحاب يجوا عندي نتعشى سوا.
العشا اتأخر ثلث ساعة كاملة.. لأن العيش اتحرق مني في الفرن بالخطأ!
لمدة ثانية واحدة.. الصالة كلها سكتت وبصت للدخان اللي طالع من المطبخ.
وبعدين.. حد ضحك!
والكل قعد يضحك، وطلبنا بيتزا ديلفري.
ما حدش بصل في الساعة..
ما حدش نكد عليا..
ولا حد قال لي “أنتي فاشلة وما بتعرفيش تعملي حاجة.”
قعدنا نأكل ونضحك والباب مفتوح على الهواء الجميل..
ولأول مرة من سنين طويلة، أدركت إن تأخير العشا عشر دقائق مش نهاية العالم ولا حاجة.. ده كان مجرد عشا!