من الشهر الجاي حصري لصفحة روايات رولا
حصري لصفحة روايات رولا
«من أول الشهر الجاي يا أمي، إحنا اللي هنمسك كل فلوسك»، ابني قالها بمنتهى الثقة وكأن القرار خلاص اتأخد. أنا بس ابتسمت. وفي نفس اليوم بالليل، جه هو ومراته عشان يتعشوا عندي بلاش زي عادتهم—بس أول ما حطوا رجلهم جوة البيت، الاتنين صرخوا من اللي شافوه.
«من أول الشهر الجاي يا أمي، إحنا اللي هنمسك كل فلوسك»، ابني سيف قالها ببرود وكأنه بيبلغني بموعد جمع الزبالة.
أنا اسمي سحر.
كان قاعد قدامي على ترابيزة المطبخ في شقتنا في مدينة نصر، وبيخبط بصباعه على فايل قدامه. مراته نورهان كانت واقفة وراه ومربعة إيديها. جوة الفايل كان فيه ورق من البنك، وتوكيل عام شامليستة متقررة بكل مصاريفي الشهرية.
كان عندي تمانية وستين سنة، أرملة، وواضح كدة—على رأي ابني الوحيد—إني كبرت وخرفت وما بقاش ينفع أقرر أعمل إيه في معاشي.
«هتمضي يوم الأحد»، سيف كمل كلامه: «الأحسن نورهان هي اللي تدير الفواتير والمصاريف. انتِ بقيتي بتنسي كتير.»
أنا فعلاً كنت نسيت حاجة واحدة بس: إني أداري الجواب اللي جيلي من المحامي قبل ما سيف يشوفه على الرخامة.
ولحسن الحظ، ما لمحوش.
ابتسمت وقولتله: «تمام، الأحد.»
وشه هدي، ونورهان هي كمان ابتسمت.
بالليل، وزي عادتهم، جم عشان ياكلوا العشا ببلاش. نورهان عمرها ما دخلت بإيدها حتى بقزازة حاجة ساقعة. وسيف دايماً مستني فرخة محمرة، وبطاطس، وسلطة، وحلو، وفوق كل ده علب ياخد فيها بقية الاكل وهو ماشي.
على الساعة 6 وربع، عربيتهم ركنت تحت البيت.
كنت واقفة في الصالة لما باب الشقة اتفتح.
ولحظتها، الاتنين صرخوا.
مش عشان حد اتأذى.
لا، عشان تقريباً كل حاجة في البيت كانت اختفت!
التلفزيون مش موجود. الانتريه الجلد اختفى. سفرة الاكل مش موجودة. اللوحات متعلقة على الحيطة مش موجودة. النيش القديم اللي نورهان كانت دايماً بتقول عليه «ده بتاعي لما تسيبي البيت»… اختفى.
حتى التلاجة فضيتها، ما بقاش فيها غير كيس لبن، وبرطمان مستردة، وبيضتين.
في نص الصالة الفاضية، ما كانش فيه غير كرسي بحر بيتطبق، وكرتونة ورق.
«إيه اللي حصل؟» سيف زعق: «انتِ اتسرقتي يا أمي؟»
«لا.»
نورهان كانت متنحة للحيطة الفاضية اللي كان متعلق عليها الشهادات والاستثمارات بتاعة جوزي الله يرحمه: «أمال العفش والحاجة فين؟»
«بعتهم.»
سيف اتسمر مكانه.
مديت إيدي وديتله ظرف من الكرتونة.
جواه كان فيه صورة من عقد البيع اللي مضيته الصبح.
عينيه كانت بتتحرك على السطور مرة ورا الثانية.
«انتِ بعتي الشقة؟»
«اه.»
«لمين؟»
«لجماعة جايين من الإسكندرية. التسليم خلال شهر. وأنا عزلت ورايحة دهب.»
نورهان خطفت الورقة من إيده: «بعتيها من غير ما تقوليلنا؟!»
«بعت شقتي»، صلحتلها كلامها: «وما كنتش محتاجة إذن من حد.»
وش سيف جاب ألوان واصفر.
هو فهم الفولة قبل نورهان.
بقالم سبع سنين بيحلموا وبيقولوا لأصحابهم إن الشقة دي هتبقى بتاعتهم. كانوا بيستلفوا على حس المستقبل، واشتروا عربية أحدث، وحتى كانوا بيتكلموا في إزاي يجددوا المطبخ ويهدوه بعد ما أنا «أروح لحالي».
دلوقتي خلاص، مفيش ورث يقدروا يحطوا إيديهم عليه.
وهي دي كانت أول حاجة بس غيرتها للأبد في الأسبوع ده.
معظم الأيام، كان أصعب قرار باخده هو هل الطماطم محتاجة تتسقى قبل الفطار ولا لا.
أنا عندي 64 سنة، وكنت حابة حياتي كده. بعد كمية مفاجآت تملى عمر كامل، 32 سنة في نفس البيت الهادي خلوني أقدر الأيام العادية.
لحد ما في يوم الصبح، صبيت القهوة، فتحت فاتورة الكهربا، واكتشفت إن الهدوء طار من غير سابق إنذار.
فضلت متنحة للمبلغ.
وبعدين بصيت تاني.
«أكيد فيه حاجة غلط»، قولت لنفسي بصوت عالي.
الفاتورة كانت تقريباً ضعف اللي بدفعه كل شهر! مش زيادة 100 ولا 200 جنيه… لا، الضعف!
راجعت رقم الحساب، وبصيت على قراءة العداد، وفي الآخر خرجت برة عند العداد اللي جنب الجراج وبصيت للأرقام وكأنها هتحس على دمها وتتصلح لوحدها. بس طبعاً متصلحتش.
رجعت جوة وكلمت بنتي دينا. أصل لما تكوني أرملة وفيه حاجة مش مضبوطة، طبيعي بتكلمي بنتك وتعملي نفسك بتدردشي عادي.
«يا بابا، انتِ سبتي التكييف شغال والشباك مفتوح تاني؟»
«لا طبعاً»، قولتلاها: «أنا ملمستش التكييف من شهر 4.»
«يمكن التلاجة؟ التلاجات القديمة بتسحب كهربا كتير.»
«التلاجة أحدث منك يا حبيبتي.»
ضحكت، بس أنا مضحكتش.
بعد ما قفلنا، وقفت عند شباك المطبخ أبص من فوق السور القصير على بيت جارتي مروة.
مروة في الثلاثينات، عندها تلات عيال، وجوزها بيسافر كتير، وعندها عربية كهربا بيضة جديدة دايماً ركناها معوجة قدام البيت. كنت عارفة إن مروة عندها مفهوم غريب شوية عن حدود ملكيتها وملكية الناس ثانية، بس مكنتش متخيلة الموضوع يوصل للدرجة دي.
من 6 شهور، قزم الجنينة بتاعي اختفى. كان مجرد ديكور صغير وشكله يضحك، جوزي الله يرحمه كان جابه من سوق الجمعة الصيف اللي قبل ما يتوفى. أداهولي وهو بيضحك: «للجنينة يا سحر.. كل جنينة محتاجة شوية فراغة عين.»
بعد يومين من اختفائه، لمحته جنب عتبة بيت مروة. كانت دهناه أزرق! بس كنت ميزاه من مناخيره المقشورة. وسكت.. ملقحتش كلمة.
بعدها، ماكينة قص النجيل اختفت من الجراج. ورجعت بعد أسبوع بتانكي فاضي، وس\كينة تلمة، ومن غير ولا كلمة اعتذار. وبرضه سكت. قولت معلش، عندها تلات عيال ومشعوطة.. التمسلها عذر.
مروة كانت بتعمل كده مع الكل. عم فاروق اللي ساكن قصادنا اشتكى مرة إنها «استعارت» السلم بتاعه ونسيت ترجعه. وقتها ضحكت وقولت دي مروة.. بتاخد الأول وتستأذن بعدين. بس دلوقتي لما بفتكر، عرفت إن الناس اللي مبتقفش عند حدها مبيتغيروش إلا لما حد يوقفهم بنفسه.
«عدي اليومين يا سحر عشان المركب تسير»، قعدت أقول لنفسي كده لسنين.
بس لما بصيت للفاتورة تاني.. 2000 جنيه! لست بتتفرج على التلفزيون وشغالة ببراد شاي واحد في اليوم وما بتشغلش التكييف كتير، يبقى أكيد فيه حاجة بتسحب كهربا بغباوة.. وأنا هعرف إيه هي.
في ليلة من الليالي، مكنش جيلي نوم. حتى العلاج مكنش جايب نتيجة. على نص الليل كده، سمعت صوت زنة خفيفة جاية من الشباك المفتوح. صوت ميتسمعش بالنهار أبداً.
فتحت الستارة، وفي الأول افتكرت نفسي بتهيل، بس لما مشيت بعيني مع الكابل الأسود التخين استوعبت!
عربية مروة البيضة كانت مركونة قريبة جداً من السور اللي بيننا، والكابل طالع من عربيتها وواصل دايركت في فيشة الكهربا الخارجية بتاعة الجراج بتاعي!
لبست الروب والشبشب وخرجت. قلبي كان بيدق بسرعة مفيش بعد كده.
مروة كانت واقفة سانده على العربية وبتقلب في تلفونها بمنتهى الروقان.
«مروة»، قولتلاها: «انتِ بتعملي إيه بالظبط؟»
بصتلي بمنتهى البجاحة ومن غير ما تتهز: «بشحن العربية.. فيه حاجة؟»
«الحاجة إن الكابل ده محطوط في بيتي أنا!»
لوت بؤها وحطت التلفون في جيبها: «يا أبلة سحر جرى إيه! انتِ عايشة لوحدك، هتستعملي كهربا قد إيه يعني؟»
«مش دي الق\ضية!»
«لا هي دي الق\ضية»، وقالتها وهي بتشاور على بيتي: «أنا عندي تلات عيال ورايحة جاية طول اليوم، إنما انتِ معادية ومأنتخة جوة البيت.»
الدم غلى في عروقي: «فاتورة الكهربا جاتلي الضعف الشهر اللي فات يا مروة! الضعف! بسبب العبط ده!»
«أنا خلاص قربت أخلص»، وضحكت بزهق: «خلاص يا سيتي، هبقى أديكي 100 جنيه لو الموضوع فارق معاكي أوي كده. بلاش بخل يا أبلة سحر، دي شوية كهربا يعني!»
بخيلة.. الكلمة دي وقفت في زوري. أنا اللي بقالي 40 سنة بشيل أكل وروايح للمآتم، وبسقي زرع الجيران في إجازاتهم، وبساعد أي حد من غير ما أحسبها!
«شيلي الكابل لو سمحتي.»
«خلاص هانت، فاضل 10 دقائق.»
«دلوقتي يا مروة!»
اتنهدت بقرف وكأني طفلة زنّاقة، وفصلت الفيشة بشويش وبدأت تلف السلك: «على فكرة، عشان كده مأخدتش إذنك من الأول.. عارفة إنك بتعملي حوار من ولا حاجة.»
رديت عليها بأصغر ابتسامة قدرت أطلعها، ولفيت ورجعت جوة.
قفلت الباب ووقفت في الصالة الضلمة أسمع صوت نفسي. مشيت للمطبخ، الفاتورة كانت لسة تحت طبق الفاكهة.. 2000 جنيه.
لسنين كنت بنفض وبكبر دماغي عشان تعبانة، عشان عايشة لوحدي، وعشان أسهل أكون «الست الطيبة» بدل ما أدخل في مشاكل. بس الليلة دي، فيه حاجة جوايا اتغيرت.
مسكت التلفون وبعت لـ دينا:
«اللغز اتحل. عرفت ليه الفاتورة جات الضعف.. وعندي خطة.»
التلفون رن بعد 10 ثواني.. دينا.
ابتسمت لما شفت اسمها بس مردتش، وبعتلاها: «هحكيلك بكرة.. بحبك ❤️»
ولما طلعت على السرير، كنت ببتسم. مكنتش عارفة مروة هترد بإيه، بس كنت عارفة إنها مش هتبطل بمجرد إن طلب منها مرة.
الصبح صحيت بدماغ صفية جداً. عملت القهوة، ومجرد ما طلعت الشمس، مشيت في الجنينة بروقان لحد حوض الورد بتاع مروة.
وكان قاعد هناك.. قزم الجنينة بتاعي. لسة بالدهان الأزرق الرديء اللي حطته عليه، ومناخيره المقشورة، ومن تحت الأزرق باين طرف الطاقية الحمرا القديمة.
شيلته ورجعت بيه بيتي. محدش حاس بيا، وعربية مروة مكنتش موجودة.. شكلها بتلف وتخلص مصالحها بالكهربا اللي أنا دفعت تمنها.
حطيت القزم جنب فيشة الجراج، وظبطت شوية حاجات بحيث أعرف لو مروة دخلت أرضي تاني. القزم كان شكله بريء جداً وهو قاعد هناك.. وده بالظبط اللي كنت عاوزاه.
على الظهر، دينا كلمتني: «يا بابا انتِ صوتك مبسوط زيادة.. بتعملي إيه؟»
«بنضف الجنينة يا حبيبتي.»
«انتِ بتخططي لحاجة.. أنا حاسة بيكي!»
«لو مروة أدتني سبب، ليه لا؟»
«يا بابا…»
ضحكت. وأنا بسقي الطماطم تساءلت هل أنا بقيت عيلة صغيرة؟ 64 سنة وقاعد أعمل كمين لجارتي؟ هل أنا بردم على خيبتي ولا فعلاً أتسطلت؟
بس اخترت الإجابة الثانية.. أنا خلاص تعبت من إني أكون مالية هدومي بس مفيش حد شايفني.
جوزي الله يرحمه كان دايماً يداعبني على الحوار ده.. كنت ممكن أرجع أوردر الأكل الغلط في المطعم من غير تردد، وأتخانق مع الميكانيكي لو استغفل دينا، وأدافع عن أي حد محتاجني.. أي حد إلا نفسي.
مع الوقت، «شراء الدماغ» اتقلب لإذن للناس إنهم يدوسوا عليا.
بصيت ناحية الجراج وهمست: «مش الليلة دي.»
بعد المغرب، طفيت نور النور الخارجي، صبيت كوباية شاي بنعناع، ووقفت ورا الستارة أراقب الدخلة.
كل اللي كان مطلوب من مروة إنها تحترم نفسها ومتبقاش في أرضي.
أخيراً، العربية دخلت السكة. وبعد كم دقيقة، ظهرت مروة شايلة كابل الشحن.. بنطلون يوجا، شبشب، ورخاوة تامة.
مبتسمة وماشية ناحية فيشة الجراج وكأنها ملكها.
وفجأة شافت القزم. وقفت متنحة: «إيه القرف ده؟»
بصتله بضيق.. قزمي أنا، بطلاء الأزرق المقرف بتاعها، قاعد جنب الفيشة اللي هي جاية تستعملها.
«بتاع غبي»، همست، وزقته بشبشبها على جنب.
وهنا.. دُست تسجيل في التلفون.