يوم عيد الام

حصري لصفحة روايات رولا
في يوم الأم، أمي بصت في عيني على طول وقالتلي: “يا ريتك ما كنتِ بنتي.” قمت وقفت، ورزعتها الجملة: “خلاص، عيشي كأن ما لكيش بنت أصلاً،” وركبت عربيتي ومشيت. وتاني يوم الصبح، التليفون مابطلش رن—وفجأة، الكل بقى عايزني أرد.
​”يا ريتك ما كنتِ بنتي.”
​أمي، هدى، قالتها قدامي وهي قاعدة على الترابيزة اللي كانت مليانة ورد يوم الأم، وتورتة لسه محدش لمسها، وأكل غالي في مطعم فخم أنا اللي دافعة حسابه كله.
​بصت في عيني مباشرة وهي بتقولها.
​ولكام ثانية، جسمي اتخشب ومقدرتش أتحرك.
​أخويا الكبير، أحمد، كان باصص في طبقُه ومش راضي يرفع عينُه. ومراته، مروة، فجأة بقت مهتمة جداً بتمسح إيدها بالمناديل. محدش فيهم نطق كلمة واحدة يدافع بيها عني.
​أمي ربعت إيدها وقالت:
“أنتِ سمعتيني كويس يا ندى. من ساعة ما اتجوزتي طارق، وكل حاجة بقت عن شغلك، وبيتك، وحياتك أنتِ. مبقتيش تفتكري إن ليكي عيلة أصلاً.”
​أنا كان عندي أربعة وتلاتين سنة، مديرة عمليات إقليمية في التجمع الخامس في القاهرة. بشتغل ستين ساعة في الأسبوع، وسددت لأمي أقساط الشقة بعد ما بابا اتوفى، ودفعت مصاريف المحامي لأحمد أيام طلاقه الأولاني، وقضيت ليلة رأس السنة اللي فاتت راكبة عربيتي أربع ساعات في المطر والبرد القارص عشان أمي قالت إنها “مش متحملة تقعد في بيت فاضي.”
​وبرغم كل ده، برضه في نظرهم طلعت مقصرة وماينفعش أكون بنت.
​سألتها بصوت هادي: “هو ايه بالظبط اللي كان هيخليني بنت كويسة في نظرك؟”
​ردت: “واحدة بتحط عيلتها في الأول.”
​أحمد أخيراً نطق وقال: “يا ندى، يمكن ده مش الوقت المناسب للحديث ده.”
​ضحكت ضحكة مكسورة.
أكيد طبعاً.
عمر ما كان فيه “وقت مناسب” لما أكون أنا الشخص اللي بيتأذي.
​أمي زقت الكرسي ووقفت: “أنا ضحيت بكل حاجة عشانكوا.”
​رديت عليها: “وأنا قضيت نص عمري بطوله وبدفعلِك تمن تضحيات أنا ما طلبتش منك تفضلي تذليني بيها طول العمر.”
​وشها اتغير وقسي أكتر.
وبعدين قالت الجملة اللي نهت كل حاجة بينّا:
​”لو يرجع بيا الزمن تاني، ما كنتش خلفت بنت أصلًا.”
​مديت إيدي وجبت شنطتي.
​طارق مسك إيدي: “ندى.. اهدي.”
​هزيت رأسي بالرفض.
من غير زعيق. من غير دموع.
​قمت وقفت.
​”خلاص، عيشي كأن ما لكيش بنت أصلاً.”
​أمي برشت بعينيها: “أنتِ بتقولي إيه؟”
​”مش بتتمني إني ما أكونش بنتك؟ تمام. من النهاردة، انتِ ما لكيش بنت.”
​أحمد اتريق وقال: “ما تبقيش درامية بزيادة.”
​بصيتله وقلت: “هتفهم بكره.”
​طارق مشي ورايا للشارع من غير ما ينطق ولا كلمة.
​ركبت عربيتي الجيب السودا، دورت الموتور، ومشيت وأمي واقفة ورا إزاز المطعم بتتفرج عليا وأنا ببعد.
​في الليلة دي، عملتلها بلوك على الرقم.
​وبعدها لأحمد.
​وبعدها لمروة.
​ونمت ليلتها أحسن نومة نمتها من شهور.
​الساعة 6:17 الصبح، التليفون بدأ يتهز ويرن على الكومودينو.
​مكالمة.
​وبعدها مكالمة تانية.
​وبعدها ست مكالمات ورى بعض.
​طارق مسك تليفونه هو.
​وشه اتغير فجأة.
​”ندى.”
​”إيه فيه إيه؟”
​ديرلي الشاشة ناحيتي.
​23 مكالمة فائتة.
​3 رسائل صوتية.
​ورساليلتين من أحمد.
​أحدث رسالة كان مكتوب فيها:
ردي عليا حالا يا ندى! البنك بتاع أمك بيقول إن قسط الشقة ما اتدفعش وشيك التأمين اترمى! أنتِ عملتي إيه؟!
​فضلت باصة للرسالة.
​وفجأة ظهرت رسالة تانية منه:
يا ندى الحركة دي مش وقتها خالص، أمك كده بيتها هيتخرب وممكن تترمي في الشارع!
​قعدت على السرير بالراحة.
​ولأول مرة من سنين طويلة، ابتسمت من قلبي من غير ما أحس بأي ذنب.
اللي أحمد ما كانش فاهمه، إن مفيش أي حاجة “باظت” ولا حصلت فيها مشكلة.
​كل الموضوع إنني ببساطة بطلت أدفع فواتير هي أصلاً مش فواتيري ولا مستحقاتي.
​على مدار أربع سنين كاملة بعد وفاة بابا، كانت أمي بتقول لكل الناس إنها عايشة على المعاش البسيط اللي سابُهولها وعلى معاش التأمينات.
​ومن الناحية النظرية، الكلام ده كان حقيقي.
​بس اللي هي كانت بتطنش تقوله، إنني أنا اللي كنت بدفع الفرق كله من جيبي.
​كل شهر، كان بيفوت من حسابي بتاع 15 ألف جنيه عشان أقساط الشقة. وكمان بتاع 3 آلاف جنيه لتأمين الشقة والمصاريف الإدارية والخدمات. ده غير إنني كنت دافعة خط التليفون بتاعها، وتأمين العربية، واشتراك علاج وخدمات طبية شهرية عشان كانت طول الوقت خايفة تتعب وما تلاقيش حق العلاج.
​يعني في المجمل، كنت بصرف يجي 25 ألف جنيه كل شهر بس عشان أحافظ لها على مستوى المعاش والمرتاحة اللي هي عايشة فيه.
​أحمد كان عارف جزء من الكلام ده.
بس هو كان بيفضل إنه ما يعرفش التفاصيل الكاملة ولا المبلغ كام بالظبط عشان يريح دماغه.
​الساعة 7:05 الصبح، رن تليفوني من رقم غريب.
​رديت.
​صوت أحمد جالي على طول من الناحية التانية.
​”ندى؟”
​كان مستلف تليفون حد تاني يرن منه.
​”أنتِ عاملالي بلوك؟”
​”اه.”
​”أنتِ جرى لعقلك إيه؟! فيه إيه مالك؟”
​نزلت تحت للماكينة في المطبخ وكان طارق بيجهز القهوة.
​”صباح الخير عليك أنت كمان.”
​أحمد ماضحكش طبعاً.
​”أمي طالع عقلها والبيت هيتخرب! حساب قسط الشقة في البنك بيقول إن السحب التلقائي اتلغى!”
​”أيوة، اتلغى.”
​”أنتِ اللي لغتيه؟”
​”أيوة.”
​”ليه عملتي كده؟”
​وقفت جنب الرخامة في المطبخ.
​”عشان هي مبقاش ليها بنت خلاص.”
​سكت شوية.
​وبعدين أحمد وطي صوته وقال:
“جري إيه يا ندى، كبري عقلك.. دي كانت غضبانة وبتقول أي كلام.”
​”لا، هي كانت محددة كلامها كويس جداً.”
​”ماكانتش تقصد!”
​”حاجة مريحة جداً إنها ماكانتش تقصد.”
​صوته حد وقسي:
“أنتِ ماينفعش تعاقبيها في فلوسها وبيتها عشان جملة اتتقالت في لحظة زعل!”
​”أنا ما بعاقبش حد. أنا مجرد بطلت أدفع وأصرف على حد بيعلن قدام الكل إنه بيتمنى ما أكونش موجودة في حياته.”
​أحمد أخد نفس طويل وبصوت عالي:
“أنتِ عارفة إنها مش هتقدر تكفي المصاريف دي كلها لوحدها!”
​”خلاص، ساعدها أنت.”
​سكت تاني.
​وهي دي بقى المشكلة الحقيقية.
​أحمد عنده أربعين سنة، وبيكسب مبالغ محترمة جداً من شغله في المبيعات، وراكب عربية أحدث موديل، وبيطلع يصيف مرتين في السنة، وسبحان الله، عمره ما كان معاه فلوس لما أمي تكون محتاجة أي مساعدة!
​في الآخر قال: “أنا عندي بيت وعيال ومصاريف!”
​”وانا مالي؟”
​”يا ندى..”
​”أنت إمبارح قايل عليّ إني درامية وبكبر الموضوع. والنهاردة صاحي من النجمة بتتصل بيا عشان الدراما دي طلعت بتكلفك فلوس!”
​بدأ يتكلم فوق صوتي ويقاطعني.
​قفلت السكة في وشه.
​على الساعة تسعة، صاحبة أمي الأنتيم اتصلت.
​وبعدها خالتي.
​وبعدها ابن عمتي اللي ما اتكلمتش معاه من سنة 2019.
​القصة كانت خلاص انتشرت وتوزعت على العيلة كلها: ندى سابت أمها المكسورة في محنتها عشان “سوء تفاهم بسيط”!
​والغريبة بقى، إن محدش فيهم جاب سيرة الجملة اللي أمي قالتها أصلاً!
​على الضهر، جالي إيميل منها، وكان عنوانه: أنا آمل إنك تكوني فرحانة بنفسك وبإنجازك.
​تلات فقرات كاملين عن الإهانة، والتضحية، والواجب العائلي.
​ولا جملة واحدة فيها: “أنا أسفة.”
​عملت فوروارد للإيميل لطارق.
​اتصل بيا على طول.
​”ما ترديش.”
​”ما كانش في نيتي أرد أصلاً.”
​سكت شوية وقال:
“أنتِ عارفة هي مستنية إيه، صح؟”
​”اه.”
​”مستنياكي تترعبي وتجري تصالحيها.”
​بصيت من شباك مكتبي على الزحمة في الطريق الدائري.
​”للمرة الأولى في حياتها، هي اللي هتقلق وتترعب.”
​في اليوم ده بعد الضهر، اكتشفت مصاريف تانية.
​فاتورة الكهرباء كانت باسم أمي، بس كارت البنك بتاعي هو اللي كان مربوط بالسحب التلقائي من يجي تلات سنين.
​شلت الكارت.
​وبعدين اشتراكات القنوات والتلفزيون.
​وبعدين خدمة الصيانة بتاعت العربيات.
​وبعدين اشتراك الصيدلية والتوصيل الشهري.
​وفاتحة الشيت وبجمع.
​مش عشان أنا غضبانة.
​عشان كنت عايزة اعرف التكلفة الحقيقية لأني أكون “البنت اللي أمها بتتمنى لو ما كانتش خلفتها.”
​المبلغ الإجمالي في السنة صدمتي.
​31,842 دولار! (يعني فوق المليون ونص جنيه!)
​وده غير الطوارئ، وموتور المية الجديد اللي غيرتهولها، وتصليح السقف، والمحامي بتاع أحمد، وزراعة الأسنان بتاعت أمي، والمبلغ اللي حولتهولها لما قالت إنها “على وش إفلاس وهتترمى في الشارع.”
​بالليل، طارق جه وجاب معاه أكل جاهز، ولقاني قاعدة أوفس في الشيتات والفلوس.
​”وصلت لكام؟”
​”فوق المليون ونص في السنة.”
​سحب الكرسي وقعد جنبي.
​”أنتِ كنتِ عارفة إنه مبلغ كبير.”
​”ماكنتش اعرف إني يعتبر دافعة ثمن شقة تانية لحسابها!”
​تليفوني نطق.
​رسالة من خالتي خديجة:
أمك بتقول إنك عايزة ترميها في الشارع وتخليها من غير بيت.
​كتبتلها رد:
لا. أنا بس بطلت أدفع إيجار بيت مش بتاعي.
​خالتي ردت في ساعتها:
دي أمك!
​بصيت للشاشة قبل ما أرد:
وهي إمبارح كانت بتتمنى ما أكونش بنتها.
​ما جاليش أي رد بعديها.
​لمدة يومين، المكالمات ما وقفتش.
​صباح يوم الأربع، أحمد ظهر في الشركة عندي في المكاتب من غير ميعاد، ورفض يمشي من موظفين الاستقبال تحت إلا لما ينادوني.
​”أخوكي بيقول إن فيه حالة طوارئ عائلية.”
​كنت هرفض أنزله أو أخليه يطلع.
​بعدين غيرت رأي.
​لما أحمد دخل أوضة الاجتماعات، وشه كان أحمر من الغضب.
​”أنتِ لازم تحلي القرف ده فوراً!”
​سندت ضهري لورا.
​”إيه اللي حصل؟”
​”أمي اتكلمت مع البنك.”
​”وايه يعني؟”
​”فاضيلها ست سنين في أقساط الشقة. ومش هتقدر تعمل إعادة جدولة على مرتبها ومعاشها ده!”
​”دي معلومات كان المفروض هي تكون عارفاه من زمان.”
​صوته علي:
“كده هي هتضطر تبيع الشقة!”
​استنيت وما نطقش.
​أحمد كان باصصلي بغل.
​وفجأة.. فهمت كل حاجة!
​”عشان كده أنت هنا.”
​”إيه؟”
​”أنت مش فارق معاك إني مجروحة. أنت فارق معاك إنها لو باعت الشقة، أنت هتروح منك الشقة الكبيرة اللي كنت فاكر إنك هتوصلها وتورثها يوم ما هي تروح!”
​وشه اتغير تماماً.
​وفجأة، كل “الطوارئ العائلية” دي بقى ليها معنى واضح جداً.
​الجزء الثالث
​وش أحمد اتغير بسرعة كبيرة لدرجة إنه كان ناقص يعترف بعظمة لسانه.
​”ده كلام فارغ وعبط!”
​”حقيقي؟”
​”أيوة طبعاً!”
​ربعت إيدي.
​”طب قوللي أنت جاي هنا ليه؟”
​”عشان أمك عندها سبعين سنة!”
​”عندها تمانية وستين.”
​”أنتِ عارفة قصدي إيه!”
​”لا يا أحمد، مش عارفة.”
​بدأ يروح ويجي في أوضة الاجتماعات وهو متوتر.
​”العيلة دي طول عمرها بتشيل بعضها وبتسند بعض!”
​كنت هضحك بصوت عالي من الظرف.
​بدال كده، فتحت اللاب توب بتاعي.
​”عايز تتكلم عن إننا بنشيل بعض؟”
​”يا ندى—”
​”لا، اقعد.”
​يمكن الشدة في صوتي هي اللي قعدته.
​أو يمكن عشان كنا في مكتبي وشغلي، المكان اللي ما يقدرش يقاطعني فيه ويستنى الكل يسكتله.
​مهما كان السبب، هو قعد.
​ديرت اللاب توب ناحيته.
​شيت الأكسيل كان مفتوح.
​أحمد بص عليه.
​”إيه ده؟”
​”اللي أنا دفعته لأمي خلال الـ 12 شهر اللي فاتوا.”
​بص على الإجمالي.
​حواجبه اترفت بذهول.
​”ده مش ممكن يكون صح!”
​”صح جداً.”
​”المبلغ ده كله؟!”
​”بالقرش والمليم.”
​بدأ يقلب.
​قسط الشقة.
​التأمين.
​التليفون.
​العلاج والخدمات.
​الفواتير.
​مصاريف العربية.
​الصيانة.
​الاشتراكات.
​بعدين فتحت صفحة تانية.
​”ودي السنة اللي قبلها.”
​مبلغ أكبر.
​صفحة تانية.
​مبلغ أضخم.
​أحمد وقف تقليب.
​”إيه اللي حصل في السنة دي؟”
​”السقف وماتور المية والبلاط.”
​شفافه اتطبقت: “أنا كنت فاكر التأمين غطى المصاريف دي!”
​”غطى جزء بسيط.”
​”أنتِ ما قلتيليش!”
​”قلتلك. وأنت قلتلي إن الفلوس معاك زنقة والظروف صعبة.”
​”وهي كانت زنقة فعلاً!”
​”أنت اشتريت عربية جديدة بعدها بتلت شهور.”
​عينيه ضاقت: “ده مالوش دعوة بالموضوع!”
​”لا، ليه كل الدعوة بالموضوع.”
​زق اللاب توب بعيد عنه.
​”ماشي! أنتِ ساعدتيها. كتير كمان. محدش بينكر ده!”
​”أمي أنكرت.”
​”إيه؟”
​”قالتلي إني مبحطش العيلة في الأول ومبقيتش بنت كويسة.”
​”كانت منفعلة وبتتكلم بغضب!”
​”ظريف أوي إن انفعالاتها دي دايماً بتخلق التزامات واشتراطات على غيرها بس.”
​قام وقف تاني.
​”الكلام ده مش هيوصلنا لحاجة.”
​”بالعكس، وصلني أنا.”
​”وصلك لإيه؟”
​”إني أخرج برة اللعبة دي.”
​بصلي باستغراب.
​”أنا خلاص، مبقتش كارت الفيزا بتاع العيلة دي.”
​”محدش قال إنك كده!”
​”يبقوا ما يلطموش ويصوتوا لما الكارت ده يقفل وما يدفعش.”
​فكه اتشد.
​ولأول مرة، أحمد بدأ يفهم إن مفيش أي نسخة من الكلام ده هترجعني أدفع السحب التلقائي ده تاني.
​”أنتِ عايزة إيه يعني؟”
​”مش عايزة حاجة.”
​”اعتذار؟”
​”مش عايزة اعتذار من حد طالع منه عشان قسط الشقة معادُه قرب.”
​”يعني أنتِ كده بتقطعي مع أمك؟”
​”أنا بطلت أدفع مصاريفها اللي بتتكرر كل شهر.”
​”ما ده معناه إنك بتقطعي معاه!”
​”لا. هي عندها دخل. وعندها شقة ملك ملكيتها عالية. وعندها عربية. وعندها معاش بابا. وعندها ابن وبنت كبار.”
​أحمد اتنرفز: “ما تدخليش اسمي في الموضوع ده!”
​أهو جاب الخلاصة.
​أملت لقدام: “وليه ما أدخلكش؟”
​”عشان ده كان الاتفاق بينك وبينها طول عمرك!”
​”لا. ده كان الوضع اللي الكل ارتاحله وسكت عليه عشان كان مريح ليكم كلكم!”
​”أنا عمر ما طلبت منك تدفعي لها!”
​”ولا عمرك برضه عرضت تشيل معاها.”
​فتح بؤه عشان يتكلم.
​رفعت إيدي.
​”أنا ما بقاش يفرق معايا خلاص. مش لازم تبررلي نفسك. وأنا مش هبرر نفسي ليك.”
​في الآخر الأمن نزلوه تحت لما رفض يمشي.
​على يوم الجمعة، أمي غيرت خطتها.
​الاتهامات وقفت.
​الاعتذار جه.
​جه في رسالة صوتية من رقم غريب.
​”ندى يا حبيبتي، أنا أمك. أنا عارفة إنك زعلانة. ما كانش المفروض أقول اللي قلته. أنا كنت متضايقة، والمهات ساعات بتقول كلام مش قصدهن. ارجعي كلميني عشان نصفي النفوس. أنا بحبك.”
​سمعتها مرتين.
​مش عشان اتأثرت.
​عشان فيه حاجة في طريقة الكلام كانت مش مظبوطة ومزيفة.
​طارق أخد باله هو كمان.
​”هي ما اعتذرتش بجد.”
​”قالت ما كانش المفروض تقول كده.”
​”ده مش اعتذار عن وجعك.”
​هزيت رأسي.
​هي ما قالتش: “أنا أسفة إني وجعتك.”
هي قالت: “ما كانش المفروض أقول كده.”
​بالنسبة لحد برة العيلة، الفرق ده ممكن يبان كلام فارغ.
بس بالنسبة لينا، الفرق ده هو كل حاجة.
​أمي قضت سنين بتتعامل مع القسوة على إنها “غلطة تعبير” مش اختيار هي اختارته.
هي مش ندمانة إنها جرحتني.
هي ندمانة على النتيجة اللي حصلت بعد الجرح.
​برضه ما رديتش.
​الأسبوع اللي بعده، جالي البيت.
​طارق شافها الأول من الكاميرا بتاعة الباب.
​”أمك برة.”
​كنت فوق بغير هدومي بعد الشغل.
​”هي اتصلت؟”
​”لا.”
​”أكيد يعني.”
​لما نزلت، أمي كانت واقفة على الباب ومكسورة ومقشرة، وماسكة شنطة ورقية.
​لثانية واحدة، حسيت إني رجعت طفلة عندها 11 سنة تاني.
​افتكرتها وهي قاعدة مستنياني على ترابيزة المطبخ بعد ما جبت جيد جداً بدل ممتاز.
افتكرت نظرة الخيبة على وشها لما اخترت الكلية بعيد عن بيتها.
افتكرت وأنا عندي 23 سنة وهي بتقول لقرايبنا إن أحمد “محتاج مساعدة وظروفه صعبة” بينما أنا “مستقلة وتعرف تدبر حالها.”
​ومع الوقت، فهمت يعني إيه كلمة “مستقلة” في عيلتنا.
دي الكلمة اللي بيستخدموها لما يعوزوا يدوني أقل حاجة، ويطلبوا مني أكتر حاجة!
​فتحت الباب من غير ما أقولها ادخلي.
​”أهلاً يا أمي.”
​كان باين عليها التعب.
شعرها الملموم لورا، ولابسة الجاكيت البيج اللي بابا كان جايبهولها من سنين.
​”أنا جيبالك علبة الأكل بتاعتك.”
​بصيت للشنطة.
​”أنتِ مسافرة ساعتين عشان ترجعي علبة فاضية؟”
​”قلت نتكلم.”
​”نتكلم هنا.”
​شفافها اتشدت: “على الباب؟”
​”أيوة.”
​بصت ورايا: “طارق جوة؟”
​”أيوة.”
​”أنا مش عايزة جماهير تسمعنا.”
​”مفيش جماهير.”
​بصتلي وقالت، وبعدين حطت الشنطة على الأرض: “أنا قلت إني أسفة.”
​”لا. أنتِ قلتي ما كانش المفروض تقولي كده.”
​”يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم! يادي العقد!”
​أهي دي أمي الحقيقية.
مش النسخة الناعمة بتاعة التسجيل الصوتي.
النسخة الأصلية.
​كنت هبتسم.
هي لاحظت.
​”إيه؟”
​”ولا حاجة.”
​”لا، قولي!”
​”أنتِ زعلانة ومتغاظة عشان الاعتذار ما رجعلكيش السيطرة عليا والفلوس فوراً.”
​وشها احمر: “ده كلام عيب ويتقال!”
​”واللي اتقال يوم الأم لما تمنيتي ما أكونش بنتك كان إيه؟”
​”قلتلك ما كانش قصدي!”
​”جد؟ ما كانش قصدك؟”
​بصت بعيد.
​والحركة دي وجعتني أكتر ما توقعت.
مش عشان كنت محتاجة إجابة.
عشان اكتشفت إني خلاص عرفت الإجابة.
​أمي بتحبني.. بطريقتها.
بس هي برضه كانت شايلة مني وناقمة عليا من سنين.
​كانت ناقمة إني سبت البيت وركبت دماغي وكملت علامي وشغلي بشروطي.
كانت ناقمة إني بكسب أكتر من أحمد.
كانت ناقمة إني باخد قرارات حياتي من غير ما أستأذن.
وأكتر حاجة كانت خنقاهًا، إن بابا في أيامه الأخيرة كان بيثق فيا أنا في أمور الفلوس والمصاريف.
​بعد ما بابا مات، بقيت أنا الشخص اللي هي معتمدة عليه كلياً وفي نفس الوقت الشخص اللي بتلومه على كل حاجة.
​”أمي،” قلتلها، “هو أنتِ ليه شايفه إنني مديونة لكِ؟”
​عينيها جت عليا بسرعة: “أنا عمر ما قلت إنك مديونالي!”
​”أنتِ طول الوقت بتفكريني بتضحياتك عشاننا.”
​”عشان أنا ضحيت فعلاً!”
​”أنتِ اللي اخترتي تخلفي وتجيبي عيال.”
​”ده مش معناه إن الموضوع كان سهل!”
​”أنا عمر ما قلت إنه كان سهل.”
​”أنتِ ما تعرفيش أنا تنازلت عن إيه وعشت إزاي!”
​”وأهو ظهر تاني.”
​”إيه هو؟”
​”الوصل.”
​كشرت: “وصل إيه؟”
​”وصل الحساب المخفي اللي أنتِ معلقاه في رقبتي طول حياتي.”
​هزت رأسها: “أنتِ اتغيرتي يا ندى.”
​”أيوة.”
​”أنا مش عارفة مين اللي حط الأفكار دي في دماغك.. طارق، أكيد هو.”
​كنت هضحك بجد.
طارق بقاله في العيلة دي تمن سنين، وسبحان الله، بقوا بيحملوه مسؤولية أي خط أحمر أنا بحطه لنفسي!
​”طارق ما خلانجيش ألغي أي حاجة.”
​”أنتِ لغيتي تأمين العلاج بتاعي!”
​”لا، أنا بطلت أدفع الاشتراك الخاص الإضافي. أنتِ لسه عندك التأمين الصحي والتأمين الشامل بتاع الدولة.”
​”والدكتور بتاعي—”
​”يبقى اختاري خطة أو دكتور يناسب مصاريفك، أو اطلبي من أحمد يدفعلك الفرق.”
​وشها قسي جداً: “أنتِ ليه بتدخلي أخوكي في كل حاجة؟”
​وإجابة سؤال تاني ظهرت.
​”أنتِ لسه بتحميه.”
​”أنا بحمي عيالي الاتنين!”
​”لا. أنتِ بتحمي أحمد من أي مسؤولية، وبعدين تيجي تقوليلي أنتِ العاقلة والشاطرة اللي تشيل!”
​”الكلام ده مش صح!”
​”يا أمي، لما أحمد اتطلق، مين اللي دفع مصاريف المحامي والنفقة؟”
​سكتت وما نطقتش.
​”مين اللي دفع تصليح السقف؟”
​سكوت.
​”مين اللي دفع الضرائب والمصاريف المتأخرة؟”
​شفافها اتطبقت.
​”مين اللي دفع مصاريف دفنة بابا والإكراميات لما أحمد قال معيش فلوس سائلة دلوقتي؟”
​”بلاش نظام عد النقاط ده بقى!”
​”أنا عمر ما حسبت ولا عديت زمان. ودي كانت غلطتي.”
​قربت خطوة: “يعني الموضوع كله طلع عشان الفلوس؟”
​”لا. الفلوس هي الحساب الوحيد اللي حسيتي بيه لما أنا اختفيت.”
​الجملة دي نزلت عليها زي الصاعقة.
بصتلي بشكل مختلف.
ولأول مرة من ساعة ما جت، بان عليها عدم التأكد واللخبطة.
​”أنتِ ما اتصلتيش صباح يوم الإثنين عشان توحشيني. وأحمد ما جاليش الشركة عشان خايف عليا وعلى مشاعري إنك جرحتيني. الكل اتقلب وتجنن عشان السحب التلقائي للفلوس وقف.”
​الدموع اتجمعت في عينيها.
​في العادي، المنظر ده كان ينهي أي خناقة.
كنت هضعف.
واعتذر عشان خليتها تعيط.
واكتب شيك تاني بس عشان أشتري راحة البال والهدوء.
​حسيت بالدوافع القديمة دي بتتحرك جوايا..
وبعدين سيبتها تروح وتختفي.
​”أنا أمك،” همست.
​”أيوة.”
​”أنتِ ما لكيش غير أم واحدة.”
​”وأنتِ ما كانش ليكي غير بنت واحدة.”
​غمضت عينيها لحظة.
أنا ما قلتهاش بقسوة.
وده اللي خلى الجملة أتقل وأقسى.
​مسكت الشنطة الورق.
“إيه اللي هيحصل دلوقتي؟”
​”تعملي ميزانية على قد دخلك.”
​”قصدي إحنا.. العلاقة اللي بيننا.”
​بصيتلها: “مش عارفة.”
​”يعني أنتِ قصدك مش عايزة تشوفيني تاني خالص؟”
​”لا.”
​بانت عليها المفاجأة.
​”أنا قصدي إن العلاقة القديمة اللي بيننا انتهت.”
​”يعني إيه الكلام ده؟”
​”يعني مش هقبل إهانات وتلقيح كلام لمجرد إنك متضايقة. مش هدفع فواتير ومصاريف لمجرد إنك رافضة تعدلي مستوى معيشتك. مش هجري أنقذ أحمد كل ما يقع. ومش هقعد على ترابيزة عزومة عيلة والكل بيتعامل معايا على إن قيمتي هي أنا بقدم إيه وبدفع إكام.”
​مسحت خدها: “ولو أنا مش قادرة أقبل الكلام ده؟”
​”يبقى مش هتبقى بيننا علاقة كبيرة.”
​أمي مشيت من غير ما تحضنني.
​بعد تلات أسابيع، عرضت الشقة للبيع.
​أحمد اتصل بطارق بدالي.
طارق قالُه ما يدخلوش في القصة دي.
​أمي عرضت الشقة بمبلغ محترم جداً.
وكان فاضل عليها للبنك ماليش يجي ربع المبلغ ده.
​وفجأة، الست اللي العيلة كلها كانت بتقول إنها هتترمى في الشارع، بقى قدامها خيارات وفلوس كتير!
​بعد شهرين، جيلها عرض كويس وباعت.
بعد مصاريف التسجيل والبنك، خرجت بمبلغ يشتريلها شقة أصغر وأهدى في منطقة كويسة كاش، ويفضل معاها مبلغ محترم في البنك.
​أحمد كان هيتجنن من الغيظ.
مش علني.
علني كان بيبين إنه مدعم قرار أمي.
في السر، كان بيتهمي إني “ضيعت بيت أبوه وتركتُه.”
​واللي كان قصده عليه بجد، إن الشقة الكبيرة دي مبقتش خلاص بتاعته أو هيورثها في يوم من الأيام.
​أمي عزلت في سبتمبر.
أنا ما ساعدتش.
وده صدم الكل برضه.
​أحمد أجر عربية نقل.
مراته لمّت المطبخ.
خالتي رتبت الكراتين.
وأمي جابت عمال للفرش الثقيل.
​وفجأة.. كل حاجة اتعملت وتنفذت برضه!
العالم كمل مشي من غير ما ندى تحل كل مشكلة وتتدخل!
يمكن دي كانت أهم درس العيلة دي اتعلمته.
​في أكتوبر، أمي اتصلت من رقمها.
كنت شلت البلوك من أسابيع من غير ما أقولها.
​رديت.
“ألو؟”
​”دي أنا.”
​”عارفة.”
​سكتت شوية.
“أنا عملت صينية بطاطس بالفراخ.”
​”تمام.”
​”عملت أكل كتير زيادة.”
​فهمت هي قصدها إيه.
​”إمتى؟”
​”يوم الأحد؟”
​بصيت لطارق اللي كان بيقرا على الكنبة.
بصلي.
شاور بؤي: “أمي.”
هز كتفه بالراحة، وساب القرار ليا.
​”الأحد تمام.”
​بيتها الجديد كان أصغر مما توقعت.
مش كئيب.
بس أصغر.
ظيف.
هادي.
على قدها.
​فرشتلي الشقة فرجة: “الاوضة دي بتاعتي. ودي للضيوف. وفيه بلكونة صغيرة ورا.”
​”جميلة.”
​”واحشني المطبخ القديم.”
​”أكيد.”
​”بس ده تنظيفه أسهل بكثير.”
​قعدنا نأكل على ترابيزة مدورة جنب الشباك.
من غير ورد.
من غير جماهير.
من غير أحمد.
​في نص الأكل، أمي حطت الشوكة.
“أنا بروح لدكتورة نفسية واستشارية.”
​الموضوع صدمتي.
سكت.
​”سألتني أنا ليه قلتلك الكلام ده يوم الأم.”
​”وقلتيلها إيه؟”
​أمي كانت باصة في طبقها: “قلت لها عشان كنت زعلانة ومغلولة.”
​استنيت.
​”فضلت تسألني ليه زعلانة ومغلولة.”
بعدين بصتلي:
“أظن إني كنت عايزة أوجعك يا ندى.”
​الكلام نزل بينّا.
والغريبة، إنه وجعني أقل بكثير من كل الأعذار والتبريرات القديمة.
​”ليه؟”
​”عشان أنتِ بتقدري تمشي.”
​كشرت: “إيه؟”
​”بتقدري تبعدي وتمشي عن الحاجات. الشغل. الناس. المواقف اللي مش عجباكي. أبوعكي كان كده برضه، يقدر يقفل ويمشي مشاعرياً. أنا عمر ما عرفت أعمل كده.”
​”بس ده مش برر—”
​”عارفة.”
مسحت صباعها على حرف المنديل.
“لما أبوعكي مات، حسيت إني أترميت واتسبت. وبعدين أنتِ جيتي ومسكتِ كل حاجة. الفلوس. الصنايعية. التأمين. بقيت محتاجة لك. وكنت بكره إني محتاجة لك.”
​بصيتلها.
دي كانت أول حاجة حقيقية وصادقة تقولهالي عن علاقتنا من سنين طويلة.
​”يعني أنتِ كنتِ بتعاقبيني عشان بساعدك؟”
​”أظن أيوة.”
كان باين عليها الإحراج.
“أنا مش فخورة بيده.”
​ما جربتش أواسيها أو أهديها.
دي مش مسؤوليتي.
​”وأحمد؟ كنتِ بتعامليه مختلف ليه؟”
​”أحمد بيفكرني بنفسي.”
​”ده يفسر حاجات كتير.”
​ابتسمت بالعافية.
بعدين صدمتني تاني:
“أنا قلتله إني هغير وصيتي والورث.”
​حطيت الكباية: “أنا مش فارق معايا الورث.”
​”عارفة. سيبيني أكمل.”
استنيت.
​”الفلوس اللي هتفضل بعد ما أموت هتقسم بالنص بالضبط.”
​”ده المفروض.”
​”بس المهم، إن يكون عارف إن مفيش شقة مستنياه. لازم يشيل نفسه بنفسه.”
​هزيت رأسي: “مش هيعجبه الكلام ده.”
​”ما عجبوش فعلاً.”
​ضحكنا إحنا الاتنين.
ضحكة صغيرة.
غريبة.
بس حقيقية.
​علاقتنا ما اتصلحتش بسحر وسرعة.
ما كانش فيه أحضان درامية.
ولا خطب عن التسامح.
لقرون وشهور، كنا بنتعامل بحذر.
​أمي ساعات كانت بترجع لعاداتها القديمة.
أول مرة اشتكت إني ما بتصلش كفاية، قلتلها: “لما أوحشك، أنتِ كمان تقدري تتصلي.”
سكتت.
وبعد تلت أيام، اتصلت هي.
​لما عربيتها كانت محتاجة كاوتش جديد، قالتلي على السعر.
استنيت تطلب الفلوس.
ما طلبتش.
ودفعت هي من جيبها.
​لما أحمد طلب مني مبلغ كبير عشان “زنقة شغل وقتية”، رفضت.
ما اتكلمش معايا أربع شهور.
وعشت عادي.
وهو عاش برضه.
​على يوم الأم اللي بعده، كنت أنا وأمي بنينا حاجة مختلفة.
مش العلاقة القديمة.
حاجة أكتر صراحة ووضوح.
​أنا وطارق رحنا لها الغردقة وأخدناها أتغدينا.
من غير أحمد.
من غير مراته.
إحنا التلاتة بس.
​لما الحلو جه، أمي بصت عبر الترابيزة: “عدت سنة.”
هزيت رأسي: “عدت سنة.”
​”أنا بكرر وتيجي في بالي الليلة دي طول الوقت.”
​”وانا كمان.”
​بلعت ريقها: “أنا أسفة بجد يا ندى.”
​المرة دي، ما جاش بعدها أي كلام تاني.
مفيش مبرر.
مفيش “بس”.
مفيش تذكير بتضحياتها.
مفيش طلب إني أسامحها بالعافية.
​صدقتها.
“أنا عارفة.”
​مدت إيدها، وسيبتها تمسك إيدي.
وبعدين قالت حاجة ما توقعتهاش خالص:
“إنك وقفتِ الفلوس، ده غالباً اللي أنقذ علاقتنا.”
​طارق كان هيتخنق من القهوة وهو بيشربها.
أنا ضحكت.
أمي ضحكت هي كمان.
​مسكت إيدي أكتر: “أنا بتكلم بجد. طول ما أنتِ كنتِ بتصلحي وتدفعي كل حاجة، محدش فينا كان مضطر يبص هو بيعمل إيه فيكي.”
​افتكرت الصبح اللي بعد يوم الأم.
المكالمات والزن.
الاتهامات.
والخوف على الأقساط اللي ما باظتش ولا حاجة.
​وقتها، كنت فاكرة إن إيقاف الفلوس ده انتقام.
بس هو ما كانش كده.
هو كان كشف للحقيقة.
​أول ما بطلت أدفع، الكل أظهر إيه اللي فارق معاه بجد.
أحمد كان فارق معاه الأمان والورث.
أمي كان فارق معاها السيطرة.
والعيلة كان فارق معاها المشاكل تبعد عنهم.
​وأنا كان فارق معايا إني أكون مرغوبة ومحتاجة، عشان في مكان ما في الطريق، اختلط عليا الأمر بين إني أكون مفيدة وبين إني أكون محبوبة.
​السنة دي غيرتنا كلنا.
أمي اتعلمت تعيش على قد دخلها.
أحمد اتعلم إنني مش بنك الطوارئ بتاعه.
طارق اتعلم إنه مش مضطر يشوفني بضحي بمستقبلنا عشان أصرف على رفاهية غيرنا.
​وأنا اتعلمت أصعب درس فيهم كلهم:
إنك تبعد وتمشي، ده مش دايماً معناه نهاية العلاقة.
ساعات بتكون دي الطريقة الوحيدة عشان تكتشف هل العلاقة دي تقدر تعيش وتستمر من غير خوف، وذنب، واضطرار، وفلوس هي اللي ماسكاها ولا لا.
​لما مشينا من المطعم، أمي حضنتني جنب عربيتي الجيب.
من سنة كاملة، كنت ركبت نفس العربية دي بعد ما قلت لها تعيش كأن ما ليهاش بنت.
​دلوقتي هي رجعت لورا وابتسمت: “سوقي بالراحة.”
​”حاضر.”
​”كلميني لما تصلي.”
​رفعت حاجبي.
هي ضحكت: “رجاء، مش أمر!”
​”كده أحسن.”
​طارق فتح لي الباب.
قبل ما أركب، أمي نادت عليا: “ندى؟”
​ديرت وشي.
“أنا فرحانة إنك بنتي.”
​بصيت في وشها.
من سنة، الكلام ده كان هيكسرني.
دلوقتي.. ما كسرنيش.
ما بقيتش محتاجة الكلمة دي زي زمان.
ويمكن ده بالظبط السبب اللي خلاني أقدر أقبلها منها النهاردة.
​”وانا فرحانة إنك أمي،” قلتلها.
وبعدين ضفت: “أغلب الأيام يعني!”
​ضحكت: “حقك!”
​ركبت العربية.
وأحنا طالعين على الطريق، طارق بصلي: “أنتِ كويسة؟”
​شفت أمي ورايا بتختفي في المراية الجانبية.
“أيوة.”
​والمرة دي، كنت أعنيها بجد من قلبي.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *