على مدار 8 سنين

حصري لصفحة روايات رولا
على مدار 8 سنين، كان ابني بيتباهى قدام القريب والغريب إنه هو اللي شايل كل مصاريفي وبيصرف عليا.
​لحد ما جه يوم أحد بالليل، وقعد على الكرسي المفضل بتاع جوزي المرحوم، وسحب شوية ورق ورمى:
​— أما نشوف بقى هتعيشي إزاي وتصمدي قد إيه من غير فلوسي يا أمي.
​ما تناقشتش معاه.
​ما بكيتش.
​طبقت الورق، وحطيتها في جيب الروب بتاعي، ورديت بكل هدوء:
​— شكراً يا حبيبي.
​تاني يوم الصبح، وقبل ما أخلص فنجان القهوة بتاعي، البنك كلم ابني.
​ولأول مرة من سنين طويلة، ضحكة رامي اختفت من على وشه تماماً.
​أنا اسمي نادية الفولي.
​عندي 66 سنة، وعايشة في فيلا من 5 أوض في التجمع الخامس، كنا شاريينها أنا وجوزي، طاهر، زمان لما كنا بنعد الجنيهات على الجنيه قبل ما نفول عربيتنا القديمة.
​طاهر اتوفى من 9 سنين.
​فراقه كسرني بطريقة مش عارفة أشرحها لحد دلوقتي.
​بس موته مش معناه إنه خلاني عاجزة أو ماليش لازمة.
​أنا اللي كنت بدير حساباتي بنفسي.
​وبدفع تأميناتي.
​ومحتفظة بسجل لكل قرش بيطلع من البيت من سنة 1987.
​وكنت بنفسي برعي ورد الجوري اللي طاهر زرعه في جنينة البيت.
​ومرتين في الشهر بروح أساعد في مطبخ خيري.
​وكل يوم أحد، كنت براجع كشوف حساباتي البنكية بنفسي.
​بعد سنة وأربع شهور من وفاة طاهر، رامي اتجوز هبة.
​وبعدها بفترة قصيرة، اقترح عليا يعيشوا معايا:
​— مش صح تفضلي قاعدة لوحدك في فيلا كبيرة زي دي يا أمي.
​وهبة مسكت إيدي وقالت:
​— الأهل لازم يشيلوا بعض يا طنط.
​وكان عندي مساحة كبيرة، فوافقت.
​في الأول الموضوع كان باين إنه فكرة حلوة.

​بعد 6 شهور، هبة غيرت نظام المطبخ بتاعي كله.
​بعدها غيرت الستائر.
​وبعدين قررت إن الأوضة الماستر إضاءتها أحسن عشانهم.
​بعد 4 سنين، بقيت أنا بنام في أوضة الضيوف اللي في الدور الأرضي، وهم واخدين الأوضة اللي نمت فيها أنا وطاهر عقود طويلة.
​كنت بفضل أقول لنفسي إن العيلة بتحتاج تضحيات.
​بس ماكنتش فاهمة وقتها إن التضحية بتفقد معناها لما تلاقي شخص واحد بس هو اللي بيضحي طول الوقت.
​رامي بدأ يدفع الفواتير، وضريبة العقارات، ومصاريف الجنينة وشوية تصليحات.
​وأنا كنت بشكره على كده.
​بعد فترة، بدأ يتقال الكلام ده قدام الناس:
​— أنا اللي شايل أمي وصارف عليها.
​كان بيقولها في المطاعم.
​قدام صحابه.
​في عزومات العيلة.
​وحتى جوه بيتي.
​عمره ما جاب سيرة إنهم عايشين معايا من غير ما يدفعوا جنيه إيجار.
​عمره ما ذكر إن الفيلا مدفوع ثمنها بالكامل وملك خالص.
​عمره ما جاب سيرة إن أنا وطاهر اللي حطينا تحويشة عمرنا عشان نساعده يفتح شركته لتنظيم الحفلات والمؤتمرات.
​مع السنين، رامي بدأ يشوف نفسه ويصور للناس إنه رجل أعمال عصامي بنى نفسه بنفسه.
​عربيات أحدث موديل.
​بدل بتتقصلو مخصوص.
​مكتب فخم في المهندسين.
​وقاعة لمعاينة وتجهيز العزومات.
​شركته كانت بتنظم أفراح كبيرة، ومؤتمرات شركات، وحفلات خاصة.
​في ليلة الأحد دي، هبة كانت عازمة باباها ومامتها.
​وميار، بنتي الصغيرة، جت هي وجوزها.
​هبة طلعت طقم الصيني بتاع حماتي من غير ما تستأذنني.
​وحطت ورد أبيض على السفره.
​ورامي فتح أزازة نبيذ غالية جداً.
​طول العشا وهو مابيتكلمش غير عن بيزنسه ونجاحاته.
​ولما جابوا الحلو، مد إيده في جيكيت البدلة.
​— يا أمي.
​طلع ظرف.
​ورماه قدامي على الترابيزة.
​هبة كانت بتضحك من قبل ما أفتح الظرف، وده عرفني إنهم مجهزين الحركة دي مع بعض من بدري.
​— إيه ده؟
​— عقد.
​— عقد إيه؟
​— دار مسنين في الشيخ زايد.
​افتكرت نفسي سمعت غلط.
​جوه الظرف كان فيه صور لقصعة صغيرة.. أوضة ونوم، ومطبخ صغير، وصالة مشتركة، وكتيب القواعد، والمصاريف الشهرية.. وتاريخ الدخول كمان.
​وكانوا مسبقين ومختارينه خلاص.
​— الشهر الأولاني مدفوع خلاص —رامي قالها بثقة—، وبعد كده تقدي تدفعيه من معاشك.
​السفرة كلها سكتت.
​ميار شوكتها وقعت من إيدها:
​— أنت بتهزر ولا بتتكلم جد؟
​رامي اتعدل في قعدته بكل أريحية.. على الكرسي بتاع طاهر.
​— أنا وهبة شايفين إن جه الوقت اللي نأخد فيه راحتنا في البيت بقى.
​ميار بصتله وهي مش مصدقة:
​— بس ده بيت بابا وماما!

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *