«حماتي قفلت المية

«حماتي قفلت المية السخنة أول ما وصلت من شغلانة تفرد الضهر وقالتلي: “بالسنتين والتلاتة اللي بتاخديهم دول، تقدرى تستحمي بمية سقعة”. جوزي سمع كل حاجة وما دافعش عني. أنا ابتسمت بس، ولغيت كل المدفوعات والاشتراكات اللي كنت شايلاها وبدفعها بقالي سنين. التاني يوم الصبح، صرختها اللي هزت المطبخ عرفتني إنها لسة كاشفة حاجة أنحس وأوضر بكتير.»
—بالسنتين والتلاتة اللي بتاخديهم دول، تقدرى تستحمي بمية سقعة. مش هصرف غاز عشان دلعك.
​ليلى وقفت مكانها قدام السخان ومش قادرة تتحرك، لسة ببالطو المعمل وإيديها متلجة. كانت الساعة تقريبًا تسعة بالليل. اشتغلت 12 ساعة ورا بعض عشان زميلتها غابت، ولفّت نص القتالية في المواصلات وتركب ميكروباصين عشان تروحي، وكل اللي كانت بتتمناه مجرد دش مية سخنة يفك جسمها.
​حماتها، الحاجة إلهام، كانت ماسكة محبس المية الأحمر كأنها لسة صادرة حكم بالإعدام.
​— أنا راجعة متلجة — ليلى قالتها وصوتها مبحوح.
​— خلاص، سخني كوز مية على البوتاجاز. الفلوس هنا مش بنلقاها في الشارع.
​ليلى بصت لشريف، جوزها. كان قاعد على ترابيزة السفيرة بيمسك الموبايل وبيقلب في فيديوهات. رفع عينه ثانية واحدة بس… ورجع نزلها تاني.
​اللقطة دي وجعتها أكتر من كلام حماتها بكتير.
​من ثلاث سنين، لما عم سيد توفى — والد شريف — الحاجة إلهام قعدت تعيط وتنوح وتقول إنها مش هتقدر تقعد لوحدها في الشتاء في الشقة القديمة دي اللي على أطراف حلوان. السخان كان بيعطل، وركبها بتوجعها، وبتموت من الخوف لو تعبت بالليل. ليلى وافقت وقتها ينقلوا عندها “كم شهر بس”. أأجرت الشقة الصغيرة اللي كانت ورثاها عن جدتها في المطرية، وظبطت حياتها كلها عشان البيت ده.
​بس الكام شهر بقوا ثلاث سنين.
​شريف كان يدوب بيدفع قسط العربية الملاكي، والكهربا، والنت. ليلى بقى كانت شايلة شروة الخضار والبيت كلها، ومية، وزبالة، ومساحيق غسيل، ومنظفات، وكمية مصاريف صغيرة مجهولة محدش بياخد باله منها. فوق كل ده كانت بتطبخ، وتاخد الحاجة إلهام مشوار العيادة والدكاترة، وتطلب لها أوبر، وتراجع الفواتير، وتعمل التزامات البيت، وحتى تظبط شيفتاتها في المعمل عشان تفضى لها.
​الحاجة إلهام بقى، كانت كل شوية تعيد وتزيد إنها هي اللي بتدفع انبوبة الغاز (أو فاتورة الغاز).
​وعشان كده، كانت شايفًا نفسها الآمر الناهي وواخدة الراحة كلها لحسابها.
​لما شريف بيكون في البيت، بيبقى فيه لحمة، وقهوة مضبوطة، ومية سخنة بتغلي. لما ينزل شغله، السخان يتحول على أقل درجة. هو يتحط له بفتيك وكباب حلة؛ وليلى يتحط لها طبق رز أو فول متسخن من إمبارح.
​— “عشان تحافظي على رشاقاتك يا حبيبتي” — شريف كان بيعديها بهزار.
​ليلى كانت بتبتسم وتسكت عشان المشاكل ما تكبرش.
​لحد الليلة دي.
​بصت لجوزها تاني.
​— أنت مش نوي تقول حاجة؟
​شريف اتململ على الكرسي ومش عارف يودي وشه فين.
​— أمي قصدها نوفر بس يا ليلى، متصغريش عقلك وتاخدي الموضوع شخصي.
​في اللحظة دي، فيه حاجة جوة ليلى انطفت.
​ما صرختش. ما عيطتش. ولا حتى راحت فتحت الحنفية.
​— ماشي — ردت بهدوء مرعب خلى الاتنين يقلقوا — طالما قرشي ملوش لازمة وراتبي مش عاجب، يبقى من بكرة مصاريفي كمان ملهاش لازمة.
​الحاجة إلهام ضحكت بتهكم وسخرية.
​— مصاريفك؟ يختي اتلهي! شريف اصلاً مش هيحس بالقرشين بتوعك دول.
​ليلى هزت رأسها بالراحة.
​— تمام. من بكرة، ابنك يشيل كل حاجة.
​دخلت استحمت بمية تلج، ونامت من غير عشا، ولأول مرة تنام وهي مش شايلة هم البيت ده هيتشال ازاي.
​الساعة ستة ونص الصبح، صرخة متوترت هزت المطبخ والشقة كلها.
​— يا أمي! أنتِ عملتي إيه؟
​ليلى خرجت من الاوضة ولقيت شريف واقف باصص في أبلكيشن البنك على الموبايل ووشه أصفر ومشدود.
​— هو يعني إيه مصاريف الأكل والخضار والتسوق طالعة بـ fourteen ألف في الشهر؟ والمية، والزبالة، والمنظفات، والأوبر…؟ كل ده كانت ليلى هي اللي بتدفعه من جيبها؟
​الحاجة إلهام وشها جاب ألوان واتجمّدت مكانها.
​وفجأة شريف فتح قائمة المعاملات والتحويلات التانية.
​اللي ظهر قدامه في الموبايل اللحظة دي… خلاه هو نفسه بطل يدافع عن أمه ولا ينطق بحرف.
على الشاشة كانت طالعة مشتريات ليلى عمرها ما وافقت عليها بكامل إرادتها: أساور “مغناطيسية” للضغط، كريمات معجزة للشباب، مخاد حرارية للظهر، مشاوير أوجين وتكسيات للسوق مرتين في الأسبوع، أجهزة مساج، وأوردرات أكل دليفري. بقالها سنين كارت الفيزا بتاع ليلى متسجل على موبايل الحاجة إلهام عشان “الطوارئ”، وحماتها حولته لمحفظة سحرية بتصرف منها في السكوت.
​— “يا أمي… ثمان أساور مرة وحدة؟” — شريف سألها وهو مش مصدق عينيه.
​— “كانوا عاملين عليهم عرض يا شريف!”
​— “وأربعة آلاف جنيه تكسيات وأوبر؟”
​الحاجة إلهام اتعدلت وشالت وشها.
​— “أنا صاحبة البيت ده، ومش مطالبة أقدم لك كشف حساب!”
​ليلى مسكت كوباية الشاي بتاعتها بهدوء.
​— “خلاص، ادفعي بقى من جيبك.”
​في نفس اليوم، ليلى مسحت كارتها من على الموبايل، ولغت أي سداد آلي، ولزقت ورقة كبيرة على التلاجة:
​”من النهاردة: كل واحد بيدفع لنفسه. والمهام والطلبات هتتقسم بالعدل.”
​وتحتها كتبت كل حاجة كانت بتعملها من غير ما حد يحس أو يدفع لها قصادها: مسح الشقة، شيل الزبالة، شراء المسحوق والمنظفات، متابعة السخان والصيانة، الاتصال بالدكاترة، سداد الفواتير، تنظيف المطبخ، متابعة البواب والجاردينيري، كنس المسقط والممر، ومرافقة الحاجة إلهام في كل كشف وعيادة.
​شريف قرا القائمة مرتين.
​— “هو أنتِ كنتِ بتعملي كل ده لوحدك؟”
​— “من يوم ما دخلت البيت ده.”
​— “بس أنا بشتغل!”
​— “وأنا كمان بشتغل.”
​خلال الأسبوع اللي بعده، البيت بدأ يكشف القيمة الحقيقية للمجهود اللي محدش كان شايفه. الهدوم المتسخة اتكومت. الزبالة فضلت محطوطة جنب الباب. شريف بوّظ قميصين بيض بتوعه لما غسلهم بالصدفة مع جلابية أمه الحمرا. الحاجة إلهام طلبت أكل دليفري ولما الكارت اترفض، شريف اضطر يسحب من الفلوس اللي كان شايلها على جنب عشان يطلع بيها مصيف مع أصحابه.
​يوم السبت، الجارة خبطت عشان تجمع اشتراك العمارة والنظافة. شريف طلع يفتح وهو لابس شبشب أمه البمبي المكسور لأنه مش لاقي جزمتها. الجارة ما مسكتش نفسها من الضحك، والحاجة إلهام كانت هتموت من الكسوف.
​— “لو ليلى هي اللي طلعت، ما كانش ده حصل ولا اتقال علينا كلمة!”
​ليلى بصت لها ببرود.
​— “هو حضرتك زعلانة إن الجيران عرفوا إن ابنك كمان بيشيل في البيت؟”
​ولأول مرة، الحاجة إلهام ما لقتش رد تقول.
​بعد الظهر، ليلى نزلت الكراكيب اللي تحت السلم في الشقة. كانت بتدور على رف قديم لما لمحت لوحة خشب قديمة محطوطة ورا الصناديق. كان مكتوب عليها جملة محفورة بالنار:
​”صاحب البيت أولاً. بعده الابن. والباقي في الآخر.”
​افتكرت كلام الحاجة إلهام من سنين لما حكت إن عم سيد الله يرحمه كان يستحمى الأول، وبعده شريف وهو صغير، والحاجة إلهام تاخد في الآخر المية اللي يا دوب دافية.
​ليلى فهمت كل حاجة في لحظة. حماتها ما اخترعتش القسوة دي… هي ورثتها.
​بس إنها تفهمها مش معناه إنها تقبل تسدد فاتورتها.
​بالليل أخدت قرارها. كلمت السكان اللي مأجرين شقتها في المطرية، وسبحان الله لقيتهم أصلاً بيجهزوا عشان ينقلوا شقة قريبة من شغلهم وهيسلموها المفتاح يوم السبت.
​لما شريف جه، ليلى ورته الرسالة.
​— “قدامنا حلين. تيجي معايا ونبدأ من جديد بشرط وقواعد عادلة… يا إما همشي لوحدي.”
​شريف فتح بقه وما لحقش ينطق، الحاجة إلهام طلعت من المطبخ زي القضاء والقدر.
​— “هتاخدي إبني وتاخديه من حضني عشان شوية مية سخنة وشوية كلام فارغ؟”
​ليلى حطت اللوحة الخشب القديمة على الترابيزة.
​— “أنا مش ماشية عشان المية.”
​وشاورت على الجملة المحفورة.
​— “أنا ماشية عشان البيت ده لسة عايش تحت القانون ده.”
​وش الحاجة إلهام احمرّ من الغضب.
​— “طول عمرها ماشية كده! اللي بيدفع أقل، يستحمل أكتر.”
​ساعتها شريف رفع عينه بالراحة وبص لأمه.
​— “أمي… أنتِ مش كنتِ بتقولي إنك أنتِ اللي بتدفعي فاتورة الغاز؟”
​الحاجة إلهام رجعت خطوة لورا. السكوت بقى تقيل يخنق.
​لأن شريف كان عارف حاجة ليلى لسة ما تعرفهاش… ولما نطق وأخيراً اتكلم، الحقيقة عن الثلاث سنين اللي فاتوا نسفت وكسرت كل كلام أمه.
الجزء الثالث والأخير
​شريف بص لأمه وعينيه مليانة حسرة وخذلان، وقال بصوت واطي بس يرن في الصالة:
​— “أنا بقالي ثلاث سنين بدفعلك فاتورة الغاز والكهربا والمية على حسابك يا أمي… كنت بحولك الفلوس كل أول شهر على كارتك عشان تقوليلي إنك مش عايزة تحسسي ليلى إننا محملين عليها، وإنك أنتِ اللي بتدفعي عشان ده بيتك!”
​ليلى اتصدمت وبصت لشريف، وبعدها بصت للحاجة إلهام.
​— “يعني هي ما كانتش بتدفع قرش من جيبها؟” ليلى سألت بذهول.
​شريف هَز رأسه بنعم:
— “ولا مليم. أمي كانت بتاخد مني مصاريف المرافق كلها كاش أو تحويل، وبتاخد منك أنتِ مصاريف الأكل والتسوق والمنظفات، وفوق كل ده كانت بتسحب من كارتك للمشتريات الشخصية والتكسيات… يعني كانت عايشة على قفايا وقفاكي ومطلعانا إحنا اللي مقصرين.”
​الحاجة إلهام اتلجلجت وشها جاب ألوان:
— “أنا… أنا كنت بشيل الفلوس للزمن! عشان لما أحتاج حاجة ألقاها! أنت بتبعني عشان وحدة غريبة يا شريف؟”
​شريف وقف وافتكر الموقف بتاع إمبارح بالليل لما ليلى كانت راجعة تعبانة من المعمل وأمه قفلت في وشها المية، وافتكر قلة أصله لما سكت وما دافعش عن مراته.
​— “ليلى مش غريبة يا أمي. ليلى هي الوحيدة اللي كانت شيلاني وشيلاكي من غير ما تفتح بقها ولا تذلنا، وأنتِ استغليني واستغلتي طيبتها وعشتي تدوسي عليها وتصغري منها قدامي.”
​مشي شريف ناحية الأوضة ولم هدومه في شنطة كبيرة، ولما خرج، كانت الحاجة إلهام واقفة بتعيط وتصرخ وبتحاول تمسكه:
— “هتسيب أمك لوحدها في البيت ده؟ هتهون عليك عشان شوية كلام ورغوة صابون؟”
​شريف بص لها بصرامة لأول مرة في حياته:
— “البيت ده بتاعك يا أمي، والفلوس اللي شيلتيها من ورانا تصرفي منها براحتك بقى. أنا رايح أبدأ نضيف مع مراتي… اللي يصونني أصونه، واللي يهين مراتي يلزمه بيته.”
​مسك إيد ليلى وخرجوا، وقفلوا الباب وراهم على صوت صريخ الحاجة إلهام اللي اكتشفت إن القسوة والأنانية اللي عاشت بيهم سنين، ما سابولهاش في الآخر غير شقة فاضية وسكوت يوجع.
​نزلوا المطرية، استلموا مفتاح شقة جدة ليلى، ورتبوا حياتهم على نضافة وبقواعد جديدة قائمة على الاحترام والعدل والمشاركة… ومن يومها، ليلى ما استحمتش غير بمية سخنة بتغلي، وفي بيتها اللي كرامتها فيه فوق أي شيء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *