مرات اخوه

الجزء الأول
​مرات أخوه قالتلي “واحدة عاطلة مبتشتغلش ومبتعملش حاجة في حياتها” قدام العيلة كلها في العشا، وجوزي بدل ما يدافع عني قال: “يبقى نتطلق”. ماتناقشتش. وافقت، وحطيت جنبه على السفيرة الإشاعة اللي بتثبت إنني حامل في الأسبوع التامن، ولميت شنطة واحدة بس. وهما شايفينني وخارجة، محدش فيهم كان متخيل الإيصالات اللي أنا شايلاها بقالي سنين هتبين إيه.
​الليلة اللي مرات أخوه قالتلي فيها الكلام ده قدام العيلة كلها، كنت بقالي حوالي ساعتين بطلب وبجهز الأكل اللي جوزي بيحبه وأنا بحاول أسيطر على الغثيان بتاع الحمل.
​كنت حامل في الأسبوع التامن.
​ومحدش كان يعرف.
​ولا حتى حازم.
​كنت متخيلة اللحظة دي بقالي سنين. بعد فحوصات وتحاليل كتيير، وشهور وأنا بعدّ الأيام واختبارات حمل سلبية برميها في القمامة في السر، أخيرًا بقى معايا إشاعة باين فيها نبض صغيور خالص.
​كنت عايزة أقوله بعد العشا.
​كنت اشتريت علبة بيضا صغيرة وحطيت جواها جزمتين صغيورين بتوع بيبي.
​بس ملحقتش أديها له.
​كنا عايشين في شقة واسعة في المعادي. حازم كان شغال مدير تكنولوجيا في شركة مالية كبيرة في التجمع وكان بياخد مرتب كبير جدًا. من بره، أي حد يشوفنا كان هيفتكر إنه هو اللي شايل كل حاجة.
​أمه، نادية، كانت فاكرة كده طبعًا.
​وأخته، نهى، كانت كل شوية تعيد وتزيد في الكلام ده.
​في الليلة دي نهى جت مع ابنها عنده 12 سنة ولقيت ثلاث كراتين عند الباب.
​— هي ايه الكراتين دي كلها؟ — سألت وهي بترفع حواجبها — يا بختك يا مريم، حياتك مريحة أوي! مبتشتغليش وكل شوية يجيلك طرود لحد عندك.
​حطيت ايدي على بطني من غير ما أحس.
​الكراتين دي كان فيها فيتامينات حمل، وهدوم واسعة، وشاي جنزبيل ووشوية حاجات الدكتورة كانت كاتباهالي.
​— دي حاجات محتاجاها.
​نهى ضحكت ضحكة سخيفة.
​— طبعًا.. أنتِ دايماً محتاجة حاجات.
​حماتي نادية كانت قاعدة على السفيرة خلاص.
​— في الجواز لازم الواحد يتعلّم يحافظ على الفلوس — قالت وهي بتعدّل الفوطة — حازم شقيان وببيتعب أوي في الشغل.
​مرضيتش أرد.
​كنت اتعلمت إن المناهدة معاهم زي الماكينة اللي مبتوقفش.
​حازم جه بعد عشرين دقيقة.
​باس أمه.
​وسلم على أخته.
​وليا أنا ادا بؤسة سريعة على خدي.
​أول ما قعدنا، نهى متأخرتش خمس دقايق.
​— يا حازم، المفروض تشوف مريم بتصرف إيه. جايلها تلات كراتين كبار النهاردة.
​حازم بصلي.
​— اشتريتي إيه؟
​نبرة صوته وجعتني أكتر من السؤال نفسه.
​مكنتش فضول..
​كانت تحقيق.
​— حاجات شخصية.
​— شخصية؟ — نهى حطت كوعها على الترابيزة — شايف؟ هي دي المشكلة. عايشة في شقتك، وبتأكل من خيرك، ولسه بتتكلم عن حاجات شخصية!
​حسيت إن في حاجة جوايا اتكسرت وتعبت.
​يمكن عشان الحمل..
​يمكن عشان سبع سنين وأنا ببلع كلامهم وساكتة.
​بصيتلها.
​— الفلوس اللي صرفتها النهاردة دي فلوسي أنا.
​السفرة كلها سكتت.
​حماتي حطت الشوكة من إيدها.
​نهى فتحت عينها على آخرهم.
​— فلوسك أنتِ؟
​— أيوه.
​— يا حلاوة! — قالت — أخويا بيموت نفسه في الشغل وأنتِ جاية دلوقتي تقولي فلوسي وفلوسك؟
​بصيت لحازم.
​هو عارف.
​عارف إننا لما اتجوزنا أنا كان معايا تحويشة محترمة من شغل عشر سنين كمحاسبة ومن الاستثمار اللي عملته مع بابا.
​عارف إن ضرائب الشقة والمرافق دفعتها كذا مرة من حسابي.
​عارف مين اللي دفع مصاريف مستشفى نهى لما اتفصلت من شغلها.
​عارف مين اللي بيدفع دروس ابنها الخاصة.
​عارف مين اللي كان بيبعت فلوس لأمه كل ما تطلع لها “زنقة”.
​أنا كنت مستنية منه كلمة واحدة بس.
​”خلاص بقى.”
​أو:
​”مريم بتساعد وتدفع برضه.”
​بس حازم حط كباية المية على الترابيزة وقال بمنتهى البرود اللي يخوف:
​— لو هتفضلي تتكلمي بالطريقة دي، يبقى يمكن الأحسن نتطلق.
​لمدة خمس ثواني مسمعتش أي صوت.
​ولا شوكة ولا معلقة.
​ولا صوت العربيات بره.
​ولا حتى صوت نفسي.
​نهى نضرت للأرض، وأنا لمحت ابتسامة خفيفة على وشها.
​حماتي كملت أكل عادي.
​محدش قال لحازم إنه عدى خط أحمر.
​ساعتها بس فهمت حاجة كنت بنكرها بقالي سنين.
​أنا مكنتش قاعدة مع عيلة بتحبني..
​أنا كنت قاعدة مع ناس شايفين إن من حقي دايماً أتنازل وأسكت.
​— نتطلق؟ — سألت.
​حازم هز كتفه.
​— يمكن ده الأحسن لو كل حاجة هتتحول لخناق على الفلوس.
​هزيت راسي.
​— تمام.
​ولأول مرة، نهى بطلت تبتسم.
​حازم حواجبة اتعقدت.
​— تمام؟
​— لو عايز نتطلق، أنا مش همسك فيك.
​طلعت التليفون.
​فتحت نتيجة آخر كشف إشاعة وحطيتها جنب طبقه.
​حازم بص للشاشة.
​ملامحه اتغيرت خالص.
​— إيه ده؟
​— أنا حامل.
​حماتي سابت الكاس في نص الطريق.
​ابن نهى بصلي وهو مش فاهم حاجة.
​حازم وشه اصفرّ.
​— حامل؟
​— تامن أسابيع.
​استنيت..
​فكرت إن الخبر ده يمكن يفوق الراجل اللي اتجوزته.
​بس مفيش حاجة حصلت.
​أول واحدة ردت كانت نهى.
​— يا سلام! يالمصادفة!
​درت ليها.
​— أفندم؟
​— أول ما حازم يتكلم عن الطلاق تطلعيلي بحوار الحمل ده؟
​حازم برطم بصوت واطي:
​— نهى…
​بس هي كملت.
​— إحنا مش عارفين حتى لو…
​— كملي الجملة كده! — قلتلها.
​سكتت.
​حماتي اتدخلت بالنبرة الناعمة اللي بتستخدمها لما تكون عايزة تغلط فيا من غير ما تبان شريرة.
​— البيبي بركة يا مريم، بس مفروض متستغليهوش عشان تمسكي في راجل مش عايزك.
​ضحكت ضحكة خفيفة.
​أنا قضيت الضهر بطوله بطبخ وأنا تعبانة وبترجع عشان أحتفل بالحفيد اللي هي بقالها سنين بتطلبه..
​ودلوقتي بتتكلم عن البيبي كأنه خطة أو ملعوب!
​قمت وقفت.
​— متقلقيش، مش همسك في حد.
​بصيت لحازم.
​— أنت طلبت الطلاق، وأنا وافقت.
​دخلت أوضة النوم وطلعت شنطة سفر.
​حطيت هدوم تكفيني أسبوع، وأوراقي الرسمية، والملف الطبي، وأدويتي، وشوية مجوهرات بتوع تيتا، والعلبة البيضا الصغيرة اللي فيها الجزمة اللي حازم عمره ما شافها الليلة دي.
​لما خرجت، محدش كان تحرك من مكانه.
​نهى كانت بتلم الأكل اللي أنا طبخته في علب.
​حماتي بتشرب العصير.
​وحازم قاعد باصص للشباك.
​حتى محاولش يوقفني.
​قبل ما أقفل الباب بصيت لنهى.
​— ييجي يوم وتفتكري العشا ده كويس.
​ابتسمت.
​— وهزعل على إيه يعني؟ على واحدة عايشة من خير أخويا وهي متعملش حاجة؟
​مردتش عليها.
​على الساعة عشرة ونص كنت في أوتوبيس رايح على التجمع الخامس عند بابا وماما (أو طنطا/الإسكندرية حسب السفر).
​حازم بعتلي رسالة:
​”أنتِ مشيتي بجد؟”
​رديت:
​”خلي المحامي بتاعك يجهز أوراق الطلاق.”
​ردّه جه في أقل من دقيقة:
​”تمام.”
​بصيت للكلمة دي كام ثانية.
​بعدها كتبت:
​”على فكرة، القسط الجاي بتاع مدرسة زياد معاده الجمعة الجاية.”
​”مطلوب 138 ألف جنيه.”
​حازم رد:
​”والمطلوب مني إيه؟”
​ابتسمت من غير أي فرحة.
​”أصل آخر 6 أقساط أنا اللي دفعتهم من حسابي.”
​ظهرت الثلاث نقط بتوع الكتابة…
​”إيه؟”
​كتبت آخر جملة:
​”وبما إنني واحدة عاطلة ومبتشتغلش ومبتعملش حاجة، أعتقد دلوقتي أمه هي اللي تقدر تدفعلهم.”
​عملتله بلوك.
​بعد ثلاث دقايق التليفون بدأ يتهز ويرن في شنطتي.
​مردتش.
​اللي حازم لسه ميعرفهوش، إن مصاريف مدرسة ابن أخته دي كانت مجرد نقطة في بحر من كل الفلوس اللي أنا دفعتها.
​وفي فولدر متأمن على الجوجل درايف، معايا صورة كل تحويل، وكل إيصال، وكل مسج بيننا بقالها سنين.
الجزء الثاني
​أبويا وأمي كانوا مستنييني في المحطة بعد نص الليل بشوية.
أمي أول ما شافت الشنطة،
وبعدين بصت في وشي،
مسألتنيش ولا سؤال.
حضنتني بس وقالتلي:
— الحمد لله إنك وصلتي بالسلامة، أنتِ في بيتك خلاص.
​في العربية حكيتلهم على كل حاجة.
على الطلاق..
وعلى العشا..
وعلى الحمل.
أبويا مسك دركسيون العربية بضغط وجدية وقال:
— أنتِ متأكدة إنك عايزة تحتفظي بالبيبي؟
— أيوه.
— يبقى بيتك ومكانك موجودين وسطينا.
مفيش أي معاتبة..
ولا سمعت كلمة واحدة من نوعية “مش قلنا لك من الأول”.
وده بالذات خلاني أبكي أكتر من أي عتاب كان ممكن أسمعه.
​تاني يوم الصبح صحيت لقيت 14 رسالة.
سبعة منهم كانوا من نهى:
“أنتِ بتعاقبي طفل مالوش ذنب عشان خناقة بين كبار؟”
“زياد ذنبه إيه؟”
“حازم بيقول إنك أنتِ اللي كنتِ دايماً بتدفعي وتتحملي الموضوع ده.”
​وحماتي نادية كتبتلي:
“الواحدة وهي حامل محتاجة هدوء وراحة بال. ارجعي بيتك وأتقابلوا اتكلموا كبار وعاقلين قبل ما تهدوا العيلة كلها.”
​العيلة كلها..
ما عدا أنا طبعاً.
​حازم كان رانن أربع مرات.
مرضيتش أرد.
​على الساعة إحدى عشرة وصلتني إيميل من المحامي بتاعه.
كان بيعرض فيه إن الطلاق يتم “بالتراضي”.
بشرط إنني أتنازل عن أي مطالبة بخصم أو حق في أملاك معينة،
ومطلبش أي مصاريف أو دعم مالي،
وأسيب الشقة بكامل إرادتي،
وأي أمور تخص المولود تتأجل وتتناقش بعد الولادة.
​أبويا قرأ الورقة.
— مش هتمضي على حاجة.
​في نفس اليوم بعد الضهر، أخدني عند محامية اسمها الأستاذة مريم.
الأستاذة مريم قرأت الاتفاق كله بالكامل وقالت:
— جوزك مستعجل أوي.
— أنا كمان عايزة أخلص بسرعة.
— بسرعة وحقك يرجعلك مش دايماً بيمشوا مع بعض.
​شرحتلي إن المفروض نراجع الحسابات والأملاك والمشاركات المالية كلها قبل ما أتراجع أو أتنازل عن أي حق من حقوقي.
ساعتها طلعت فلاشة من شنطتي.
— أنا معايا ده.
— إيه ده؟
— كشف حركة حسابات وكشوفات بقالها 3 سنين.
​المحامية فتحت الفولدرات..
مصاريف مدارس..
تأمين صحي لنهى..
علاج وسنان لحماتي نادية..
تصليح عربية العيلة..
تحويلات بنكية..
مشتريات السوبر ماركت..
كورس الإنجليزي بتاع زياد..
أدوية ومستلزمات..
وقروض وسلفيات عمري ما استرديتها منهم.
​بعد عشرين دقيقة سابت الماوس من إيدها وبصتلي:
— يا مريم.. أنتِ دفعتي لهم كام بالضبط؟
— عمري ما جمعتهم.
​بعد يومين اتصلت بيا.
— أنا وصلت لرقم تقريبي.
قعدت على الكرسي.
— قوليلي.
— 784 ألف جنيه.
​ملقتش كلام أقوله.
— وده غير الحاجات والمعاملات الواضحة اللي قدرنا نثبت إنها طلعت من حساباتك الشخصية بشكل مباشر بس.
​784 ألف جنيه..
افتكرت كل مرة نهى قالتلي فيها إنني مستغلة وعايشة على قفا أخوها.
كل مرة حماتي قالت فيها إن حازم هو اللي شايلني ومصرف عليا.
وكل مرة فضّلت أسكت فيها عشان أشتري دماغي وما أعملش مشاكل.
​حازم اتصل في نفس اليوم بعد الضهر.
رديت عليه.
— محتاجين نتكلم.
— اتكلم.
— المدرسة اتصلت بيا في المكتب.
— وإيه المشكلة؟
— المصاريف بتاعة زياد.
— ومالها؟
— يا مريم متلعبيش معايا، أنتِ عارفة إن نهى معهاش 138 ألف جنيه دلوقتي.
— يبقى تروح تتفاهم مع المدرسة.
— ما أنتِ دايماً اللي كنتِ بتدفعيها!
— بالضبط.. برافو عليك.
​سكت شوية.
— أنا كنت فاكر الفلوس دي بتطلع من مصاريف البيت العادية اللي بنصرفها.
— أنت عمرك ما سألت اصلاً.
— مكنتش اعرف إنك بتدفعي من تحويشتك الشخصية.
— عشان أنت عمرك ما اهتميت تعرف.
​أخد نفس عميق بضيق وقال:
— ادفعيها المرة دي بس.. أخر مرة.
​غمضت عيني وقلتله:
— لما أختك قالت عليا واحدة عاطلة ومبتشتغلش ومبتعملش حاجة، أنت سكتّ وما نطقتش.
— الموضوع مكنش كده بالظبط…
— ولما أمك قالت إنني بصرف من فلوسك، أنت سكتّ.
— يا مريم…
— ولما قلت إن دي فلوسي، طلبت مني الطلاق.. بس دلوقتي لما بقيت محتاج 138 ألف جنيه، فجأة بقيت من العيلة وليا لازمة؟
​مردش بكلمة.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *