مرات اخوه
الجزء الثالث
فضل ساكت كام ثانية على الناحية التانية من التليفون، وصوت نفسه كان عالي ومخنوق.
— مريم.. دي مصاريف مدرسة زياد، الواد ملوش ذنب في الخلافات اللي بيننا.
— وزياد ده ابن مين يا حازم؟ مش ابن نهى اللي كانت قاعدة إمبارح بتاكل من الأكل اللي أنا عاملاه وبتتهمني إنني عاطلة وعايشة على قفاك؟ خليهم بقى يوروني العيلة السند اللي شايلا بعضها هتصرف إزاي.
قغلت السكة في وشه قبل ما يسمع رد.
بعد ساعة واحدة بس، التليفون مهدأش. نهى بدأت تبعت فويسات متتالية وصوتها تحول من النبرة الهادية للصرخ والشتيمة، وبعدها بشوية أسلوبها اتغير للرجاء:
“مريم، عشان خاطر ربنا، المدرسة عاطية مهلة لحد يوم الأحد وإلا هيفصلوا زياد أو ينقلوه مدرسة حكومية.. أنتِ عارفة إنني لو معايا المبلغ ده مكنتش اتصلت بيكم.”
سمعت الفويسات كلها وأنا أطراف إيدي باردة، بس قلبي كان صلب زي الحديد. ماردتش بكلمة.
تاني يوم الصبح، الأستاذة مريم المحامية طلبت حازم ومحاميه لجلسة تسوية ودية في مكتبها قبل ما نرفع القضايا رسمياً. حازم جه مع المحامي بتاعه، وشكله كان باين عليه التعب والقلة، الهيبة بتاعة “الزوج اللي بيصرف وممشّي البيت” كانت اختفت تماماً.
المحامي بتاعه بدأ الكلام بنبرة ثقة:
— إحنا جايين ننهي الموضوع بأسلوب محترم، موكلي مستعد يدفع مؤخر الصداق ومصاريف الحمل والولادة، مقابل إن الأستاذة مريم تتنازل عن أي دعاوى تانية وتخرج من الشقة.
الأستاذة مريم ابتسمت ابتسامة خفيفة، وطلبت من السكرتيرة تجيب الملف الكسالي.
حطت قدامهم ملف ضخم، فيه صور الكشوفات الحسابية، التحويلات البنكية، الفواتير، وحتى شاتات الواتساب اللي بيني وبين حازم ونهى ونادية وهم بيطلبوا مني مبالغ معينة.
قالت المحامية بكل هدوء:
— موكلي مش جاي يتفاوض على المؤخر.. موكلي جاية تطالب بـ 784 ألف جنيه، تم تحويلها وسحبها من حسابها الشخصي لتغطية مصاريف عائلتك: من أول مصاريف مدرسة ابن اختك، لتأمين اختك الصحي، لعلاج والدتك، وحتى ضرائب ومصروفات الشقة اللي حضرتك كاتبها باسمك.
حازم بص للملف، وبعدين بصلي وهو مش مصدق:
— مريم.. أنتِ بترفعي عليا قضية رد مبالغ وديون؟ إحنا كنا متجوزين!
رديت عليه بثبات:
— كنا متجوزين وأنا فاكرة إننا بيت واحد وبنبني مستقبلنا سوا، لكن طالما أنا بالنسبة لك ولأهلك مجرد “واحدة عاطلة مبتشتغلش ومبتعملش حاجة”، يبقى كل مليم دفعته في بيتك وأهلك كان سلفة ودَيْن لازم يترد.
المحامي بتاعه مسك الورق، وبدأ يقلّب فيه بسرعة، ووشه بيصفرّ. مال على حازم ووسوس له بصوت واطي:
— الحسابات دي موثقة وتحويلات بنكية صريحة باسمها، لو الموضوع وصل للمحكمة هيلزموك بالدفع بالإضافة للتعويض ومصاريف القضية، وغير كده أرباحك في الشركة وموقفك المالي هيتأثروا جداً.
حازم بصلي بنظرة أمل أخيرة:
— يعني ده آخر كلام عندك؟
— المحامية هتبعتلك العرض النهائي: هتسدد المبلغ ده بالكامل (أو تتنازل عن حصتك في شقة المعادي كمقابل للمبلغ)، وهتلتزم بمصاريف الولادة والنفقة الشرعية للمولود أول ما يتولد.. يا إما المحكمة هي اللي هتحكم بيننا بالإيصالات دي.
خرجت من المكتب وأنا حاسة إن جبل كان على صدري وانزاح.
بعد أسبوعين، حازم وافق على تسوية الشقة وتنازل عن حصته فيها مقابل تصفية الديون اللي عليه ليا، ورجع عاش مع أمه ونهى في شقتهم القديمة. نهى اضطرت تنقل ابنها لمدرسة أقل بكثير في المصاريف، وشغلت نفسها في شغلانة ثانية عشان تقدر تسدد ديونها.
أنا قعدت في بيتي مع بابا وماما في التجمع الخامس، ركزت في حملي وشغلي اللي رجعت له من تاني بقوة.
وبعد سبع شهور، شلت بين إيديا بنتي الصغيرة.. وسميتها “أمل”.
في اليوم ده، حازم جه المستشفى عشان يشوفها ويخلص أوراقها. كان واقف عند باب الأوضة متردد، بصلي وللبنت وقال بصوت واطي:
— أنا آسف يا مريم.. خسرتك وخسرت بيتي عشان سكتّ في الوقت اللي كان لازم أتكلم فيه.
رديت عليه وأنا ببص لبنتي:
— السكوت أوقات بيبقى موافقة يا حازم.. وأنت وافقت على إهانتي، بس الحمد لله إنني فقت قبل ما الفواتير تزيد أكتر من كده.