وضلت 1
-ليه بيحصل معايا كدا؟ عملت إيه فى حياتى عشان أكون كدا يا رب! إذا كان ذنب ارحمني منه يا رب، أنا مش أد عقابك. قلبى معدش متحمل كل ده، حاولت أمثل إني قوية بس أنا أضعف من كده يا رب وأنت عارف أنا تعبت وقلبى تعب، ارحمني يا رب!! تقطع قلبها، صراخها المكتوم بسبب الشقاء الذى عانته، كم كانت تواسى نفسها أنها فترة وستمرُّ وسيأتي بعدها السعادة، لكن أين!
أمُّ لا تحب إلا نفسها ولا تراها، وزوج زير نساء سكير حاولت أن تتحمله فقط من أجل ابنتها الصغيرة لكن ماذا بعد! ألن ينتهى العذاب إلى هنا! لقد اكتفيت، تاللًٰه إن كان هذا عقابًا فاعفني منه! كم هانت عليها نفسها من كثرة الآلم الذى اعترى قلبها، حاولت التثاقل على نفسها والوقوف ومسح دموعها وإكمال السير على الأقل ليس من أجلها بل من أجل الصغيرة.. قامت من مكانها ونفضت ثيابها ومضت تسير بلا وجهة محددة، نظرت إلى ابنتها النائمة لكن مازالت أثار البكاء على وجهها، آلمها فؤادها وهى تلوم نفسها.
سحبت الحقيبة خلفها وأكملت المسير وقلبها مضطرب من الهدوء القاتل الذى يعم الأجواء. سمعت صدى صوت قرءان الفجر، فوجدت نفسها تقف أمام محطة القطار، لم تفكر سريعًا وركبت القطار على أول رصيف قابلها دون أن تهتم بالوجهة المجهولة. **** انتبهت حواسها دفعة واحدة على صوت قطارٍ لم يمل من ثقب أذنيها دون سابق انذار، وضعت يدها على عينيها تحتمي من أشعة الشمس الشديدة التى لم تستعبها بعد. لا تدرى أين هي؟ كم الوقت؟ لكن أول شيء فعلته هو الاطمئنان على صغيرتها التى تقبع على قدميها وحقيبتها المتسخة بجوارها.
حملتها وأسرعت بالخروج من القطار الذى ازدحم فور توقفه، كانت ترى الاشمئزاز فى كل عين تراها ونظرات أخرى لم تستطع تفسيرها، ففضَّلت أن تسير دون أن تنظر لأحد، رغم الآلم الذى اعترى جسدها لكنها تحالمت على نفسها. أين ستذهب الآن! لا تعلم أين هي؟ نظرت حولها علَّها ترى أي إشارة عن هذا المكان، ازدحام وأصوات الناس التي اختلطت بأصوات القطارات في المحطة. وقفتْ فى منتصف الطريق تنظر حولها، يتخبط بها أناس تختلف وجهاتهم لكنها ظلت واقفة مكانها لا تعلم ماذا تفعل؟ لأول مرة تشعر بالضعف يتملكها هكذا.
تمتمت ببعض الكلام لتهدئة قلبها وهى تنظر لابنتها التى تسير بجانبها وحقيبتها التى تحملها على كتفها الذى كاد يَدمى من شدة الألم. على مسافة قريبة، لمحت لائحة زرقاء كبيرة على إحدى الأرصفة المقابلة لها مكتوب عليها بخط عريض تلفحه أشعة الشمس “الأسكندرية”. ****