وضلت 1
هندمت من شكلها بقدر استطاعتها لكن لم تستطع إخفاء ملامحها الحزينة، مضت دون أن تلقى سلامًا حتى على أحد من أصحاب المنزل المتهالك. وقفت نادية على باب المنزل تراقب بعينين كالصقر، وما أن تأكدت من ابتعادها بقدر كافٍ عن المنزل حتى قفزت من مكانها وهى تصفق لوالدتها، فقالت: -اللّٰه عليكى يا ست الكل، إيه يا شيخة غول تمثيل، ويا بقى لو تكتبى البيت باسمنا أنا واخواتى، وسعيد وزهرة يبقوا برا اللعبة، تبقى كدا كملت وأهي زهرة نعتبرها خرجت من اللعبة، عقبال ما نخلص من سعيد.
لوت سلوى فمها بنزق وهى تقول: -لسه يا خايبة مخلصش دورنا، دلوقت هنبعدها من البيت طب الورث اللى ليها هى وأخوها مش هينولنا منه حاجه حتى لو كان قليل إحنا محتاجين كل قرش شايفة يعنى إخواتك معبرينا أوي. ابتسمت نادية وقالت بسخرية: -سعيد بعيد يا حبة عينى مراته عرفت تلعبها صح، خلاص أهو كبر فى السن وأراضيه هناخدها واحدة واحدة، بس الصبر.. نظرت لها أمها، وقالت بتساؤل: -طب وبناته هنعمل فيهم إيه؟
ابتسمت نادية، وقالت بخبث: -يعنى البنات ليهم حيلة الأيام دى، كل حاجه بقت بالجبروت فى أيامنا متخافيش هنأخد كل حاجة زي ما كنتِ بتاخدي منه قبل ما يتجوز ولا ناسية؟ دلوقتى بس تعالى نشوف حل فى زهرة دى. ضحكت سلوى وهى تقول بخباثة: -اصبري بس زهرة ليها التقيلة. انطلقت ضحكة ماكرة منهما، واللّٰه وحده يعلم تدابيرهما الخبيثة وما ينويانه. ****
بدأت تسرع وسط الزحام وهى تحاول أن تصل للحافلة بشق الأنفس وسط جمع الرجال الذين يتهافتون على الصعود دون احترام لوجود امرأة وسطهم تكاد تختنق، وفجأة قام أحدهم بدفعها بقوة لتقع على الأرض وغادرت الحافلة بعد أن صعدها الجميع إلا هي. وقفت ولسانها لا يتوقف عن السبِّ واللعن، نفضت آثار التراب عن ثيابها وبعد أن انتهت نظرت حولها وقد خيم الظلام التام، نظرت لساعتها فإذا بها الثامنة مساءً، لن تستطيع أن تجد سيارة أجرة في هذه المنطقة، أمامها ساعة على الأقل قبل وصول الحافلة التالية.
جلست على مقعد الإنتظار وهى تتخيل الغضب التى ستلاقيه منه إذا وجدها تدلف للمنزل فى هذا الوقت المتأخر، صدرت منها ضحكة مستهزئة لتفكيرها البسيط الغبي، حدّثت نفسها: -تُرى أتعتقدين يا زهرة أنه يهتم حتى أين تذهبين أو أين تكونين؟ غبية كعادتك. زفرت بيأس وهى تنظر حولها بخوف، تجلس هنا فى منتصف مقعد وحيدة لا يعلم عنها أحد أي شىء ولا أحد يهتم من الأساس، فقيرة.. زواجها فاشل.. لا تملك تلك العائلة التى تسأل عنها وعن أحوالها.