وضلت 1

أمالت برأسها ليسكن على العمود الساكن جوارها، تتابعت الذكريات على رأسها كالطوفان، منذ أن كانت طفلة لم تكمل عقدًا من الزمن وقد اعتادت على المشاكل المعتادة بين والديها. لم تكن تنتهي إحدى المشاكل بدون أن تترك آثارًا متفرقة على جسد والدتها إلى أن جاء يوم اختلفت فيه بعض الأمور. قررا بعد معاناة طويلة بالنسبة لها أن ينفصلا، اعتقدت أن هذا الأمر سيعود بالنفع عليها وستنتهى معاناتها أخيرًا وستتحسن، لكن كأن القدر لا يريد لها الراحة.

ذهب كل منهما فى سبيله يشق طريقه وبقيت هى وأخيها سعيد فى المنتصف تائهان لا يعلمان ماذا يفعلان، تزوج كل منهما مجددًا دون النظر حتى لهذين الطفلين خلفهما. تزوج والدها بامرأةٍ تُدعى دُرة، وتزوجت والدتها السيد حافظ الأرمل الذى يعمل بهيئة البريد، الذي لم أفضل حال من والدها. لم تهتم والدتها بعد ذلك سوى بحياتها الجديدة والإنجاب ورعاية أبنائها دون الالتفاف لها أو لأخيها على حد سواء، أنهت مرحلتها الثانوية ولم تجعلها تكمل تعليمها العالي حتى.

ابتسمت بحزن وتمتمت بسخرية: -وكأنها تهتم.. بدأ الخُطَّاب يتهافتون على بابها، لا لِغنى عائلتها بل لجمالها التي أيقنت أنه سيكون سببًا في مشاكلها يومًا ما. قامت والدتها باعطائها لأكثرهم إرضاءً لها بماله، لم تهتم إذا كان جيدًا أم لا. أما سعيد أخاها الشقيق، فقد قام والدها بأخذه للعيش معه ولم تره بعدها إلا مرات قليلة، وإحداهم كانت ليلة زواجها من هذا السكير، ولم تعلم بزواجها منه سوى ليلتها! قاطع شريط ذكرياتها وصول الحافلة، فهرولت للصعود بسرعة وهى تمسح الدموع التى جفت على وجنتيها، أخذت نفسًا عميقًا لتطفئ لهيب النيران التي اشتعلت في صدرها.

نظرت لساعتها فوجدتها التاسعة مساءً، استغرقت فى التفكير كل هذا الوقت! لم يكن هناك زحام شديد كالمرة السابقة، صعدت للحافلة وجلست بجوار النافذة التفتت حولها فوجدت الكراسى تخلو إلا من بعض الركاب وكل منه صامت خالٍ بنفسه. شددت الاحتكاك بأصابع يدها بعد أن أصابتها لفحة هواء بارد، مالت برأسها مجددًا بعد أن أغلقت النافذة لتكمل شريط ذكرياتها الذى لا مفر منه. اكتشفت يوم زفافها من إحدى أقاربها الذين كانوا يتخافتون بالنميمة أن هذا الرجل الذى ستُزف إليه ما هو إلا مدمن مخدرات وسكير فاشل يكبرها بخمسة عشر عامًا!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *