وصلت 2

أدمعت عيناه وهو يتابع خطواتها التي تنساق نحوه، وقفت بجواره وهي تضع يده الأخرى على كتفها تساعده على المشي، حتى وصلا إلى الكرسي. لم تتزحزح عيناه عنها حتى جلس وجلست هي قبالته، كيف من المفترض أن تكون أحاسيسه الآن؟ أيشعر بالذنب لمغادرة ابنته منزله لأنه أراد ما ابتغاه فقط. والآن أمن المفترض أن يعتذر؟ أسف يا ابنتي لأني لم أعطي لأحلامكِ بالًا؟ فقط لإجبراكِ على شيء لم ترغبي به قط. رفع رأسه بعد أن أوقف شريط أفكاره بصعوبة، نظر لها فوجد أنها لا تقل حيرةً عنه، حاولا فتح الحديث بأي طريقة فقالت:

-قالولي إن حضرتك كنت مشغول الأيام اللي فاتت مع الفلاحين. حرك رأسه إيجابًا وأردف وهو يحكي عن أمور الأراضي وحال الفلاحين وحصاد هذا العام، تمتمت بصوت عالٍ: -يزيد الخير في وجودك دايمًا يا بابا. قهقه وهو يمسد على عكازه بضعف: -بقالي خمس سنين مسمعتش منك كلمة بابا يا بتول. رفع عينيه متأملًا إياها بهدوء: -استنيتك تعاتبي تناقشي وتتخانقي زي عادتك، فجأة يومها لقيتك مش معاندة ساكتة وقررتِ بكل هدوء تختاري الاختيار التاني.

صمت ثم أكمل: -إنك تسيبِ البيت، بيتك وتمشي. أخرج زفيرًا طويلًا وتمعن بالنباتات من حوله، حتى سمع صوتها الذي اشتاق لسماعه كل يوم على مدار الأعوام التي مرّت: -كله كان ضدي، يإما أرضى باللي المفروض وهو إني أتجوز شخص لا بطيقه ولا عايزاه وإني أحقق ذاتي وأكمل حلمي للآخر. وبعد كل دا أنا فين! أنا كنت فين من قرارك يا بابا، مفكرتش فيا. فرّت دمعة من عينيه وقال وهو بالكاد يخرج نفسه:

-كنت عايز أضمن لك مستقبلك يا بتول، كنت عارف إن عمرك ما هتكوني زي إخواتك ودايمًا ليكِ تفكير غيرهم بس مسيرك يكون لكِ بيت يا بنتي. كنت بدور على سعادتك زي إخواتك، ربنا عارف محبتش قدكم أنتم التلاتة في حياتي. وقفت من مكانها فرفع رأسه يناظرها بتعبٍ لكنها لم تستطع قراءة التعب بوجهه، لم تنتبه لنبرة صوتها العالية وقالت والدموع تنهمر منها:

-أكون زي إخواتي!؟ زي حبيبة اللي لسه عايشة في وهم إن جوزها مماتش في الجيش ولسه هيرجع، بقالها كام سنة مستنياه، حبيبة اترملت بعد سنة واحدة بس من جوازها يا بابا، وعايشة في بيت جوزها كل يوم وكل ساعة مستنية جوزها الميت يرجع! ولا آمنة اللي جوزها مش مقدرها ودايمًا بيقلل منها قدام الغريب عشان تعليمها أقل منه، طول عمره بيقلل منها وعايشة وساكتة، ليه! عشان إزاي بنت سعيد باشا اللي بنى كل العز دا تتطلق وسيرتها تبقى على كل لسان.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *