من سبع سنين وابني مبيكلمنيش

نزلت على المائدة الأكل اللي جهزته، وقعدنا نتغدى. كان الجو فيه هدوء غريب.. مش هدوء مريح، بس هدوء حدين بيحاولوا يستوعبوا إن العاصفة عدت، أو إنها على الأقل هديت شوية.
​تامر كان بياكل وهو ساكت، وكل شوية يرفع عينه يبص على البيت، على البحر، وعلى الوشوش اللي في الصور المتعلقة على الحيطة.. صور لي مع صحابي في الساحل، وصور من افتتاح الفروع الجديدة للمحل. كان باين في عينيه إنه بيحاول يربط بين الأم اللي سابها من سبع سنين، والأستاذة الناجحة المستقلة اللي واقفة قدامه النهاردة.
​”الأكل حلو قوي يا ماما.. بفكرني بأكلك زمان”، تامر قالها وهو بيمسح إيده بالفوطة.
​”الأكل هو هو يا تامر”، قلت له وأنا ببتسم ابتسامة خفيفة. “إنت اللي بقالك كتير ما دوقتهوش.”
​نادين حطت الشوكة من إيدها، وبصت لي بفضول حقيقي لأول مرة من ساعة ما دخلت: “هو إنتِ ازاي كبرتي المحل كده؟ تامر كان بيحكي لي إنه كان دكان صغير خالص.”
​بصيت لها وقلت بثبات: “لما تحسي إنك بقيتي لوحدك تماماً، قدامك طريقين.. يا إما تقعدي تبكي على اللي راح، يا إما تقومي وتشتغلي لحد ما البكاء ده يتحول لطاقة. أنا اخترت أشتغل.”
​سكتت نادين وما ردتش، بس كلامي علم عندها.
​بعد الغدا، مسكت تليفوني وحجزت لهم جناح كامل في فندق محترم جداً قادوم مننا في الساحل. طلعت الشنط مع تامر وحطينالهم الحاجة في العربية.
​وقفت معاه عند باب العربية ونادين كانت قاعدة جوه بتريح.
​”هعدي عليك بكرة الصبح في الفندق يا تامر”، قلت له وأنا بحط إيدي على كتفه. “هنروح للسمسار ونشوف الشقق المتاحة في منطقة كويسة وقريبة.. وهنظبط كل حاجة.”
​تامر مسك إيدي وقبلها، ودمعة نزلت من عينه رغماً عنه: “أنا آسف يا ماما.. على كل حاجة. على السبع سنين، وعلى الطريقة اللي جيت بيها النهاردة.”
​”الأسف مش هيرجع اللي فات يا ابني”، قلت له بجمود متغلف بحنية الأم: “بس الأفعال الجاية هي اللي هتبني اللي جاي. البيبي اللي جاي ده ملوش ذنب يشوف عيلة مكسورة.. يا نلحق نصلح اللي باقي، يا كل واحد يفضل في طريقه.”
​هز راسه بقلة حيلة وقال: “نوعدك يا ماما.. هنصلح.”
​ركب عربيته ومشي. وقفت في جنينة البيت أراقب عربيتهم وهي بتبتعد لحد ما اختفت على الطريق.
​رجعت دخلت الريسبشن الواسع.. بصيت على الشباك الكبيرة المطلة على البحر. البيت كان فاضي وساكت تاني، بس المرة دي ما حسيتش بالوحدة. حسيت بإني حميت بيتي، وحميت كرامتي، وفي نفس الوقت ما قفلتش الباب في وش ابني وحفيدي.
​الجدعنة مش إنك تدي كل حاجة وتلغي نفسك عشان تعجب اللي قدامك.. الجدعنة إنك تعرف تقف على رجلك، وتساعد اللي بتحبهم من غير ما تسمح لحد يدوس عليك تاني.

الصفحة السابقة 1 2 3

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *