مش عارف 1
#الفصل_الأول…..
تابع عمله على الحاسوب بنظراته الثاقبة ،مستنداً بذراعيه القوي على مكتبه ذو اللون الداكن ،رفع قهوته المفصلة لديه ليرتشف بعضاً منها بثبات …
صدح صوت هاتفه ليعلن عن رفيقه المقرب فرفع هاتفه بثبات _كويس أنك لسه فاكرني …
أستمع لما قال ليضيق عيناه بغضب _بلاش تصيع عليا عشان أنت عارف أخري أيه ؟ …
تأفف بغضب بدى على عيناه الساحرة _أوكي . سلام ..
وأغلق هاتفه ثم ألقاه جواره دون أكتثار ليكمل عمله على الحاسوب بتركيز فائق….
أستمع لطرق الباب الخافت فسمح للطارق بالولوج لتدلف والدته العجوز مستندة على عكازها ليسرع إليها قائلاٍ بلهفة _أيه اللي قوم حضرتك من السرير ؟ ..
أنصاعت لمساعدته وأتكأت على ذراعيه حتى عاونها على الجلوس على المقعد المقابل له ، رمقته بنظرة مطولة ثم قالت بسخرية _نزلت عشان عارفة أنك مش هتطلعلي وخصوصاً لأنك عارف الموضوع اللي هكلمك فيه …
زفر “فريد” بغضب ليشير لها سريعاً_ماما أنا مش عايز أتكلم بالموضوع دا كتير …أنا نفذت كلام حضرتك وأتجوزت لكن أكتر من كدا مقدرش …
قاطعته بحدة_هو أيه اللي متقدرش؟ ..
أجابها ببعض الحرج_أني أكون زوج طبيعي معاها…
جحظت عيناها بصدمة _يا خبر هو أنت مقربتلهاش!!..
تطلع لها بأستغراب ثم قال بلهجة ساخرة _وهى يعني مقالتلكيش..
رمقته بنظرة محتقنة بالغضب ثم قالت بحزن _ولا أتكلمت معايا فى أي شيء أنا اللي مش عاجبني طريقتك معاها ولا أسلوبك ،بتعاملها على أنها خدامة أو مريبة أتجوزتها عشان تربيلك بنتك مش أكتر ولا أقل ..دانت حتى مقعدتش معاها ولا مرة من ساعة ما أتجوزتم ؟ ..
نهض عن مقعده بغضب _يوووه أنا مش هخلص من الموضوع دا ولا أيه ،بحاول أرضي حضرتك وبرضو مفيش فايدة قولتلك مستحيل هتجوز بعد “ليان” وبرضو وافقت لما أصريتي عليا لكن غير كدا مقدرش ….
وجذب هاتفه ثم توجه للأعلى حتى لا يفقد التحكم بكلماته فيتفوه بشيئاً قاسي لها ! …
************
بالأعلى ….
داثرت الصغيرة ببسمة هادئة ،عيناها العسلية تتابع كل حركة تصدرها ،حبها يكبر بقلبها يوماً بعد يوم ،طبعت “ريهام” قبلة صغيرة على وجهها قائلة ببسمة جميلة_تصبحي على خير يا روحي ..
ثم أغلقت الضوء وتوجهت لغرفتها المشتركة بينها وبين زوجها الذي لم تراه سوى مرات معدودة قبل أن يضع ستار من القمش الحريري البني ليقسم الغرفة بينهما حتى لا تراه ولا يتمكن هو من رؤيتها ولكنه يبقى معاها بنفس ذات الغرفة حتى لا تشعر والدته المريضة بشيء ! …
ولجت للداخل فنزعت حجابها بعدما تأكدت بأنها بالجزء المخصص لها …بعيداً عن أنظاره ،صفنت أمام مرآتها بطريقة معاملته لها حتى نظراته القاسية ترعبها ،أطلقت تنهيدة حارة بعدما كبتت دمعاتها بصعوبة ثم خلعت فستانها الفضفاض لتبقى بقميصاً من القطن يصل لمنتصف قدماها ، أستدارت لتعود لفراشها حتى تستريح قليلاٍ ولكن كانت الصدمة حليفة لها ، تراجعت بضع خطوات للخلف بفزع وهى تحاول جمع كلمات تليق بما يحدث فقالت بأرتباك_أنت بتعمل أيه هنا؟ …
كان يجلس على المقعد المجاور للفراش وضعاً قدماً فوق الأخرى بكبرياء ،يتابعها بنظرات يطوفها الغضب والجمود ، نهض عن مقعده أخيراً ليقترب منها بخطاه الثابتة ليرتفع صوت حذائه بالغرفة مما زاد أرتباكها ،وقف أمام عيناها يتأملها بنظراتٍ غامضة بعدما أحاطها بذراعيه بين الحائط حتى تتمكن من رؤية جحيم عيناه القاسية ، تبدلت نظراته شيئاً فشيء وهو يتأمل ملامحها عن قرب فلم يسمح لها بالأقتراب فكيف سيختم ملامح وجهها أو طباع شخصيتها الهادئة! …
وقفت أمامه كالبلهاء فرغم عدم رؤيتها الكثيرة به الا وأنها تشعر بأن هناك مكاناً خاص بقلبها له ، تاهت بعيناه السوداء التى تشبه حجاب الليل الكحيل ،شعرت بموجة من الحنين تغمرها رغم القسوة التى يتعمد أظهارها على الدوام ، أنسدل الستار ليرفرف الهواء بأرجاء الغرفة ليميل خصلات شعرها الغجري على صفحات وجهه وعيناه فأغلقهما برغبة سارت تخترق جسده القوي ، زرته ذكرى مريرة بزوجته الراحلة أخذت تعنفه فأبتعد عنها سريعاً بعدما تسللت القسوة لهما لتجعله مخيفاً للغاية ،أشاح نظراته عنها سريعاً فتذكرت أنها لا ترتدي حجابها فجذبته لتخفي شعرها الطويل خلف الوشاح الرومادي ثم شهقت بصوتٍ مسموع حينما تأملت ملابسها فأحتقن وجهها بخجل ،تطلعت له بوجهاً متورداً كحبات الكرز فأستدار حتى أنتهت من أرتداء أسدال الصلاة ثم وقفت تفرك يدها بأرتباك ، سكون حركتها جعله يعلم بأنها أنتهت فأستدار ليقف امامها من جديد ولكن بوجهاً أشد قسوة من ذي قبل …
أقترب منها قائلاٍ بغضب _لسه فاكرة كلامي اللي قولتهولك أول ما دخلتي البيت دا ؟ ..
إبتلعت تلك الغصة المريرة بألم فكلما حاولت تنسى كلماته القاسية يوم زفافها يذكرها مجدداً ولكنها تحكمت بذاتها لتشير بخفة له _فاكرة ..
صرخت بقوة حينما جذبها من معصمها ليضغط عليه بيديه القوية قائلاٍ بصوت يشبه الهلاك_يبقى أكيد فاكرة تحذيراتي كويس وفاكرة أني نبهت عليكي أن لو كلمة طلعت من الباب دا روحك هتطلع على أيدي …
تأوهات من الألم فحاولت تحرير معصمها قائلة ببكاء_سيبني …أنا عملت زي ما طلبت والله …
تحاولت نظراته لكتلة من الجحيم ليهوى على وجهها بصفعة قوية أطاحت بها أرضاً أسفل قدماه لينحني إليها ،أمسك فكها ليقرب وجهها منه فتتمكن من رؤية عيناه المميتة ثم همس بصوتٍ مخيف_أكتر حاجة بكرهها فى حياتي الكدب ..
حاولت أن تبعد يديه عنها بعدما أندثرت الدماء من وجهها ولكنه كان يحكم قبضة يديه بأحكام فبكت بعجز وهى مجبرة أن تتطلع لنظراته القاسية التى تشعرها بأنها بجحيم أمام معذبها ،معذب القلب الذي أحبه بجنون ورغم ما يفعله بها لا يعرف طريقاً للكره …
وقف “فريد” ليرمقها بنظرة حادة قبل أن يستكمل حديثه_المرادي هعدهالك بمزاجي لكن وقسماً بالله لو أمي عرفت بأي شيء بينا تاني أو بس حست ساعتها متلوميش الا نفسك …
وتركها ممدة أرضاً منغمسة بآنينها ليتوجه للطرف الأخر من الغرفة المخصص له غير عابئ بدمعاتها! …
أنكمشت “ريهام” على ذاتها ،تبكي بصمت ،تؤلمها ذكرياتها السابقة مع طلقيها حينما كان يفرض رجولته المبتورة عليهابالضرب والسب ليتمكن من سد تلك الفجوة التى تنقصه عن باقي الرجال ورغم ذلك صانت سره الأليم وطلبت من أبيها الطلاق منه معللة أنه يضربها بقسوة فلم يحتمل الأب ذلك وطلقها منه رغماً عنه فقررت حين ذلك أن تكمل حياتها غير عابئة بذكريات الماضي ،تذكرت حلمها الأمومي بأن تكون أماً فوافقت على الزواج من “فريد” حينما علمت بأن لديه طفلة صغيرة لا تتعدى السابعة أشهر ، فرحت وظنت أن الله سيعوضها خيراً ولكنها الآن تعاني نفس التجربة السابقة ولكن مع فارق بسيط أنها أحببته رغم قسوته! ….
نهضت عن الأرض لتستند على ذاتها متجهة لحمام الغرفة المشترك بينهما ،توضأت وخرجت سريعاً حتى لا تلقاه ولكنها حينما رأت الركن الصغير الخاص بمكتبه منيراً علمت بأنه بالداخل فهدءت من خطاها ، سحبت سجادة الصلاة ثم تضرعت إلى الله الواحد الأحد لعله يستمع لنجوها فهو القادر على كل شيء ،شكت له هذا القاسي الذي يحرص على أن يذكرها على الدوام بأنها لن يربطه بها أي رابط سوى القسوة والجفاء ،بكت قهراً على قلبها الذي يعاني كانت على علم بأنه مهما طال الليل ستأتي الشمس بنورها لتزوال الظلمات وتسطع بنورها الخلاب …
************
جلس على مكتبه بأنفاساً لاهثة ، عيناها العسليتان تطاره ، خصلات شعرها الغجري تستحوذ تفكيره ، نظراتها التى تصرح حبها له جعلته متبلد الفكر ، قبض على معصمه بقوة وغضب حينما تذكر بأنه كان على وشك الأستسلام بالأقتراب منها ، عنف ذاته كثيراً فهو لا يجتمع معها بغرفة واحدة لذلك يقضي يومه بأكمله بالخارج ويأتي ليلاٍ ليغفو فقط ، سحب هاتفه ليطلب رفيقه مجدداً فرغم سفره الذي لا يتعدى اليومين ولكنه يقضي أوقاته بالحديث معه عبر الهاتف ،أتاه صوته على الفور قائلاٍ بسخرية _مش لسه قافل معاك ،لحقت أوحشك؟ ..
أجابه “فريد” بغضب _أخرس وأسمعني كويس …
علم “حسام” من صوت رفيقه بأنه بأقصى درجات الغضب فأنصاع له بحرص ليكمل “فريد” بغضب_عايزك توكل حد كفاءة من المكتب بق*ض*ية “زين العابد” وتحجزي على أقرب طيارة لباريس …
ضيق عيناه بصدمة_نعم أنت مش هتتوالى الق*ض*ية دي؟ ..
أجابه بغضب_لو سمعت كلامي كامل هتعرف أجابة سؤالك السخيف ..
أجابه “حسام” بحرص_مش وقته سفر يا “فريد” الق*ض*ية دي صعبه محدش هيقدرها غيرك أنا لو أعرف كدا كنت مسافرتش وأترفعت عنها بس أنا سافرت بعد ما سبتلك أنت الملف …
صاح بغضب_يعني أيه المكتب مفيهوش محامي شاطر يقدر يمسكها لو كدا أرفدهم كلهم أنا ميشتغلش عندي غير الكفء …
أستمع “حسام” إليه ليقول بحزن_مالك يا “فريد” بتحاول تهرب من أيه؟ ..
جلس على مقعده بألم أشعل نيران قلبه_خايف أخون حب عمري بتصرف أندم عليه بعد كدا ..
زفر “حسام” بغضب_ماتت يا “فريد” ، “لياااان” خلاص ماتت قولتلك ألف مرة عيش حياتك وسيبك من الوهم اللي أنت عايش فيه دا ذنبها أيه البنت اللي أتجوزتها تعذبها كدا ..
عاد لقسوته من جديد ليقول بصوته الممييت_أحجزلي على الطيارة زي ما قولتلك ولو ملقتش حد مناسب يترافع عن الق*ض*ية أرجع من أسكندرية وأمسكها أنت ..
كاد بالحديث فقطعه بحدة_الكلام خلص ..
وأغلق هاتفه ثم ألقاه لجواره ليصفن بألم بذكرياته!
***************