مرتب

الصبح، وقبل حتى ما أوصل الشركة، كانت الدنيا والعة.
​تلفوني ما بطلش رن؛ زملاء قدامى في قسم الحسابات والمشتريات بيبعتوا رسائل صوتية مرعوبين: العميل الأجنبي جاب لجان مراجعة قانونية ومالية فجأة، ودخلوا على مكاتب الإدارة العليا من غير ميعاد.
​أما هشام، فحسب ما اتقال، كان أبيض زي الورقة، وبيلف زي المذبوح جوه قاعة الاجتماعات مش عارف ينطق بكلمة واحدة قدام مديري التحالف وهم بيعرضوا عليهم الفارق المرعب بين الأرقام الحقيقية والتوقعات الوهمية اللي كتبوها بعد ما مشينا.
​أنا وهدير وأحمد دخلنا مكتب الأستاذة لمياء، ومعانا كل الأوراق اللي تثبت إننا ملناش أي يد في الخراب اللي بيحصل، وإن النظام قفل أوتوماتيكياً في معاده القانوني حسب العقد اللي الشركة كلها كانت مضت عليه، بما فيهم الحاج إبراهيم نفسه.
​بعد ساعة، الباب خبط ودخل علينا شخص ما توقعناش نشوفه خالص: الحاج إبراهيم بنفسه.
​الراجل اللي كان من يومين باصص في ساعته وبيستخسر فينا حقوقنا، كان ماشي مكسور، عينه في الأرض، وشعره الأبيض كأنه عجز عشر سنين في ليلة واحدة.
​—يا طارق… ابني —قالها بصوت مكسور وهو بيقعد على الكرسي ببطء—. الشرك… الشركة رايحة في داهية. العميل بيطالب بفسخ التعاقد وبتعويضات بملايين الدولارات، وبيهددوا برفع قضايا احتيال دولية عشان الأرقام اللي هشام قدمها.
​—الشركة مش رايحة في داهية يا حاج.. هي وقعت فعلاً، والسبب مش أنا ولا فريقي، السبب الكرسي اللي قعدت عليه وسيبت الكدابين يلعبوا بدماغك —رديت عليه بكل هدوء وثبات.
​—أنا… أنا ماكنش قصدي —حاول يبرر وهو بيبلع ريقه بصعوبة—. هشام هو اللي ضحك عليا، وقالي إنكم خلاص مبقاش ليكم لازمة، وإني أقدر أستولي على كل حاجة… أرجوك يا طارق، أنقذ الشغل اللي بنيناه سوا. اعدل الكود، ورجع السيستم يشتغل، وأنا مستعد أكتب لك نص الشركة!
​بصيت لصورة قديمة كانت في موبايلي، لنفس الراجل ده وهو بيحلفلي من سنين إننا “هنكبر سوا وإن ناسنا عمرهم ما هيتظلموا”. الزمان دار، والغطرسة راحت، وما بقاش قدامه غير الحقيقة اللي حاول يدوس عليها.
​—الشغل اللي بنيناه سوا.. أنت اللي هدمته أول ما بعت الناس اللي تعبت فيه عشان توفر تمن فنجان قهوة وماكيت شقة —قلت لها وأنا بلم ورقنا في الشنطة—. العقد انتهى يا حاج إبراهيم.. واللي بيني وبينك دلوقتي مش جلسة صلح، اللي بيني وبينك هو القانون والمحكمة.
​خرجنا من عند المحامية، وسيبناه قاعد لوحده جوه الأوضة، باصص للحيطة وفاتح بقه من الصدمة، بينما بره، في الشارع، كانت عربيات النقل بتشيل كراتين مكتب هشام بعد ما صدر ضده أمر إيقاف فوري وتحقيق بتهمة التزوير والنصب.
​أما إحنا؟ فوقنا، وقعدنا على القهوة القديمة، طلبنا شاي، وبصينا لبعض بابتسامة حقيقية. فلوسنا هناخدها بالقانون، وحقنا رجع، وكل واحد فينا عرف إن الكرامة أثمن بكتير من أي عقد في الدنيا.
​وخلصت الحكاية.. بس في عالم التكنولوجيا والناس الشريفة، الحكايات الحلوة بتبدأ دايماً من جديد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *