مرتب

​قريت آخر سطر في الإيميل وجسمي كله قشعر: هشام كان ضايف بند بيقول إن كل التكنولوجيا، حتى اللي اتعملت قبل تأسيس الشركة، تعتبر ملك حصري للشركة!

​ساعتها بس فهمت.. هما ما كانوش عايزين يطردونا بس، هما كانوا عايزين يسرقوا شقا عمري وحياتي كلها.

تلك الليلة نزلنا من أسانسير الخدمات. في الممر الرئيسي، كان بتوع المبيعات واقفين بيتصوروا بابتسامة عريضة وهم ماسكين مفاتيح الشقق. هشام بسيوني زعق بعلو صوته وأمرنا نوسع ونقف على جنب عشان ما نبوظش الصورة. أحمد تعثر في كرتونة والكركبة بتاعته اترمت كلها على الأرض تحت جزم الضيوف الملمعة. محدش كلف نفسه يمد إيده يساعده. هدير ونزلت أنا وهي وجمعنا الحاجة من الأرض.
​—إجازة سعيدة ومستمرة يا شباب! —زعق مدير من المديريين وهو بيضحك.
​ما رديتش. فيه فرق كبير بين إنك تخسر شغلك، وبين إنك ترمي كرامتك وتفرط فيها.
​رحنا ناكل فول وطعمية في محل قريب. محدش فينا كان له نفس ياكل. طلعت صورة من العقد الأصلي وحطيتها بين الأطباق.
​—يوم الأحد الصبح هكون عند الأستاذة الأفوكاتو —قلت لهم—. مش هنلمس السيرفرات بتاعتهم ولا هناخد منهم داتا واحدة. هناخد حقنا بالقانون ومن الباب الكبير.
​—والعقد الملياري؟ —أحمد سأل والخوف في عينيه.
​—يبقى يورونا شطارتهم وهيوفوا بيه إزاي من غيرنا! الترخيص مده صلاحيته بتخلص الخميس الجاي.. وهما عارفين المعلومة دي من أول يوم بتبدأ فيه الشركة ومضوا عليها.
​تاني يوم الصبح اتفاجأت بأول ضربة تحت الحزام. جالي إشعار من البنك إن الشركة وقفت صرف مستحقاتنا ومكافأة نهاية الخدمة بحجة إن فيه “تحقيق داخلي”. مش بس كده، هشام كان باعت إيميل لكل مديري القطاع بيتهمنا فيه محاولة سرقة أسرار تجارية.
​هدير جابتي البيت وعينيها ورمت من العياط.
​—أمي محتاجة مصاريف الأشعة والتحاليل فوراً.. أنا مش هقدر أستنى شهور على ما المحاكم تفصل!
​حسيت بالكسوف والخزي، كأني أنا اللي كتبت القذارة دي. قلت لها إن مصاريف والدتها الطارئة كلها عليّ من تحويشتي لحد ما نرجع حقنا. ما كنتش هسمح إن الظلم بتاعهم يتحول لمأساة في بيوت ناس ملهاش ذنب.
​الأستاذة لمياء عبد السلام، المحامية، قعدت تقرأ العقود ساعتين كاملين. وبعدها شتت أيديها على تلات أوراق: تسجلي للمحرك قبل ما الشركة تتأسس، وإذن الاستخدام المؤقت اللي ماضي عليه الحاج إبراهيم، وجواب الفصل التعسفي الجماعي.
​—هما من حقهم يطالبوا بقواعد البيانات الخاصة بيهم والبرامج اللي اتعملت جوه الشركة —شرحت بثبات—. بس مش من حقهم أبداً يأمموا اختراع متسجل باسمك من سنين بورقة كتبوها إمبارح بالليل! أوعى تمضي على الملحق ده.
​بعتنا جواب رسمي بنطالب فيه بمستحقاتنا والتأكيد على حقوق الملكية، وعرضنا عليهم فترة انتقالية لمدة شهر يظبطوا فيها أمورهم، بشرط رد كرامة الفريق والاعتراف بملكية المحرك.
​الحاج إبراهيم ما ردش.. بس هشام هو اللي اتصل.
​—لو محتاج الشغل قوي كده، تعال وطب على ركبتك واتحايل عليّ —قالها بكل بجهزة—. أول ما تسلمني الباسوردات، يمكن أوافق أشغلك شركة صيانة من بره تنظف لنا الأجهزة.
​قفلت السكة في وشه من غير ما أرد.
​بعدها بيومين، زميلة قديمة من الحسابات اتصلت بي من رقم غريب.
​—يا طارق، فيه حاجة لازم تعرفها.. الشقق دي مش هدايا ولا حاجة!
​فهمتني إن بتوع المبيعات لبسوا عقود تمويل عقاري وأقساط بأسمائهم شخصياً. الشركة كانت بس هتدفع الأقساط الشهرية بشرط تحقيق مبيعات معينة، وهشام خبى عليهم بند بيسمح للشركة تشيل إيدها تماماً لو العقد الكبيرة ده أتلغى! حتى إن فيه شباب دفعوا تحويشة عمر أهاليهم كمقدمات.
​ساعتها بس فهمت التكلفة الحقيقية للحفلة الشيك دي. ما كنتش أتمنى إن عيالهم يدفعوا ثمن غباء ومظاهر مديرينهم. طلبت من المحامية تبلغ ممثلي العاملين بشكل رسمي وبطريقة قانونية من غير ما نستخدم أي معلومات سرية.
​يوم الأحد، التحليلات والتوقعات بدأت تخرف في الشركة. الموظفين الجداد عارفين يفتحوا الشاشات، بس مش فاهمين إزاي يظبطوا المعايير اللي بنقرأ بيها تقلبات السوق. العميل الأجنبي طلب يراجع المصادر والأرقام بنفسه قبل ما يوقع العقد النهائي.
​هشام جاب مستشارين من بره. واحد منهم قرأ صفحة الترخيص وقال له بوضوح إن الصلاحية هتتوقف يوم الخميس.
​—يبقى الفوا أي رسومات بيانية! —هشام زعق بقلة حيلة—. خلوها شكلها حلو وخلاص.. العملاء جايين يشتروا مش جايين يحضروا حصة رياضيات!
​أنا ما سمعتش الكلام ده بنفسي، عرفته بعدين لأنه اتسجل في محضر الاجتماع اللي اتقدم في التحقيقات.
​في نفس الليلة، المحامية جيلها اتصال من فريق المراجعة بتاع التحالف الأجنبي. كانوا أكتشفوا أرقام متضاربة ومش منطقية مع أسعار خامات السوق، وكانوا عايزين يتأكدوا مين بالضبط اللي عمل التوقعات دي اللي أتبنى عليها العرض المالي.
​هدير بصلتي أول ما خلصت المكالمة.
​—هتقولهم إن ناس هشام هما اللي بوظوها؟
​—هقول الحقيقة بالظبط.. إحنا عملنا إيه وهما هببوا إيه.
​في اللحظة دي، المحامية حطت ورقة تانية على الترابيزة. كانت صورة طبق الأصل من العقد الابتدائي الموثق اللي الحاج إبراهيم أقر فيه بملكيتي للمحرك ووعد بحماية الفريق. وجنب إمضاءه كان فيه ملاحظة مكتوبة بخط إيده محدش فينا كان يعرفها: أي تنازل أو نقل لملكية التكنولوجيا دي بيتطلب موافقت صريحة مني مع تقييم من جهة محيدة.
​هشام ما كانش بس بيكذب ويكابر.. ده كان بيحاول يبيع حاجة عمرها ما كانت ملكه ولا ملك شركته!
​لو كنت مكاني، كنت هتتصرف إزاي؟ والأسوأ في كذب هشام ووساخته كان لسه هيتكشف…
​يتبع

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *