قبل تاريخ وفا.تي المفترض

— الآنسة أميرة؟ السيد العشري ينتظرك.

ركبت العربية. من جوه كانت ريحتها جلد غالي وبرفيوم خشبي أنيق جداً. طول الطريق وسط الشوارع المنورة في القاهرة، ما حدش نطق بكلمة واحدة. كنت باصة من الشباك على الشوارع وهي بتعدي بسرعة، بأضواء النيون، وزحمة الناس، والطريق اللي ما بيخلصش. كل حاجة كانت لسه بتلف، وقوية، ومش مهتمة بالعد التنازلي بتاعي.

العربية وقفت قدام مبنى ضخم في منطقة راقية في المدينة، مكان عمر ما كنت أتخيل أدخله أصلاً.

نفس الراجل اللي فتح لي الباب مشاني جوه مدخل من الرخام وأسانسير خاص بيطلع دايركت على آخر دور. الباب اتفتح على مكتب ضخم جداً بإزاز من الأرض للسقف، وفيه إضاءة أفق المدينة كلها وهي بتلمع بالليل.

ضهره لي، وباصص على مساحة الأنوار الواسعة دي، كان فيه راجل طويل، في حدود الأربعين، لابس بدلة غامقة مظبوطة على مقاسه تماماً وله هيبة بتملى المكان كله من غير ما ينطق بحرف.

سليم العشري.

— وصلتي — قال من غير ما يلف في الأول.

لف ووشه ببطء. ملامحه كانت حادة، بملامح واضحة، ونظرة ثاقبة وباردة كأنها بتمسح كل تفصيلة في جسمي، بتدور على أثر المرض اللي كنت بحاول أخفيه.

— جيت لأني ما عنديش حاجة أخسرها — رديت عليه، وأنا بحاول أثبت صوتي مع إن ركبي كانت بتترعش — قلت إنك عايز تشوفني. أهو أنا جيت. إيه اللي عايزه راجل زيك من واحدة متبقي لها سبعة أيام؟

سليم مشي ناحية مكتبه، بس ما قعدش. وقف على مسافة قريبة مني. عيونه الغامقة اتثبتت في عيوني بقوة مبهرة.

طول عمري محاط بالكدابين يا أميرة — قال بصوت عميق وهادئ، بيتردد صداه في سهد المكتب — ناس بتحلف لي بالولاء وهي بتغرز في ظهري خنجر، شركاء بيابتسموا لي عشان الفلوس وأعداء بيترعشوا بس بيخططوا لسقوطي. مافيش مخلوق، من عشر سنين، قال لي كلمة حقيقة واحدة من غير ما يكون عايز حاجة قصادها.

وخد خطوة كمان ناحيتي.

وبعدين تيجي إنتِ، واحدة غريبة تماماً متبقي لها سبعة أيام في عمرها، وتكتبي لي أصدق حاجة قريتها من سنين. تقولي لي إنك هتموتي. من غير ما تطلبي حماية، ومن غير ما تتوسلي فلوس. بس… بتكتبي الحقيقة في الفراغ.

— مكنش معروف طيبة — همست، وأنا حاسة بغصة في حلقي — كنت لوحدي. كنت مرعوبة ابن ستين في سبعة و… وما كنتش أعرف أقولها لمين غير كده.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *